اتهامات للجيش الفرنسي بسرقة مناجم الذهب في مالي

جنود فرنسيون وماليون في ميناكا بمالي، 21 مارس 2019 (فرانس برس).

تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشكل واسع وبلغات عدة، صورًا وفيديو يدعي ناشروها أنها تثبت ضلوع الجيش الفرنسي في تهريب الذهب من مالي، فيما ردت «فرانس برس» بتحقيق استقصائي يقول إن تلك المنشورات «خاطئة ولا علاقة لها بالجيش الفرنسي وليست ملتقطة في مالي أصلًا».

في أحد المنشورات المتداولة باللغة العربية يتم التلميح إلى سرقة فرنسا ذهب مالي، حيث يزعم المنشور إلى أن باريس تمتلك خامس أكبر احتياطي من الذهب في العالم، رغم عدم وجود مناجم ذهب على أرضها، بينما لا تمتلك باماكو، المستعمرة السابقة لفرنسا، أي احتياطي من المعدن النفيس، رغم أنه يوجد فيها المئات من مناجم الذهب.

وأُرفق المنشور بمجموعة صور يظهر في إحداها عسكريون في قعر حفرة يخرجون منها صناديق، بما يوحي بأنها تحتوي على ذهب مستخرَج من باطن الأرض، وشارك هذا المنشور عشرات على الأقل باللغة العربية، بحسب ما وقع عليه فريق تقصي صحة الأخبار في «فرانس برس».

وجرى تداول المنشور نفسه باللغة الفرنسية وتناقله مئات، فيما ذكرت «فرانس برس» أنه ظهر لأول مرة على «فيسبوك» في أكتوبر الماضي.

محاربة الإرهاب
وشهدت مالي في 17 يناير 2012 هجومًا شنته مجموعات جهادية على صلة بتنظيم «القاعدة» ومتمردو الطوارق من «الحركة الوطنية لتحرير أزواد»، وسقط الشمال بعد هزيمة الجيش أمام التمرد الذي شكل الطوارق عموده الفقري، إذ تحالفوا في البداية مع هذه المجموعات التي ما لبثت أن طردتهم.

وترافق الهجوم مع عديد الانتهاكات والفظاعات، لتطلق فرنسا في 11 يناير 2013، عملية «سرفال» لوقف تقدم الجهاديين الذين أخلوا بعد ثلاثة أيام مدن الشمال الكبرى. وفي الأول من أغسطس الماضي حلت محل «سرفال»، عملية «برخان» المكلفة محاربة «المتطرفين الإسلاميين».

وبدأت العملية بمشاركة ثلاثة آلاف جندي فرنسي قبل أن يرتفع عددهم إلى 4500 عسكري، ولا يقتصر انتشارهم على المستعمرة الفرنسية السابقة، بل يشمل خمس دول في منطقة الساحل (النيجر وبوركينا فاسو وتشاد وموريتانيا).

كذلك أرسلت الأمم المتحدة في الأول من يوليو من السنة ذاتها قوة «مينوسما» لإحلال الاستقرار في مالي، فيما لا تزال مناطق كاملة في البلد الأفريقي خارجة عن سيطرة القوات المالية والفرنسية والدولية، وتشهد دوريًّا هجمات دموية امتدت في السنوات الأخيرة إلى وسط البلاد وجنوبها وإلى بوركينا فاسو والنيجر المحاذيتين.

في أفريقيا الوسطى
وبحسب «فرانس برس» فإن الصورة الخاصة بالسرقة ليست ملتقطة في مالي، إذ أرشد التفتيش عنها باستخدام محركات البحث إلى أنها منشورة على موقع وزارة الدفاع الفرنسية، ويعود تاريخها إلى العاشر من فبراير 2014 أثناء العملية العسكرية الفرنسية في جمهورية أفريقيا الوسطى، أي قبل خمس سنوات.

وباشرت فرنسا في ديسمبر 2013 عملية «سانغاريس» العسكرية في أفريقيا الوسطى؛ بهدف حفظ السلام في هذا البلد ووقف المجازر التي كان يشهدها، وسط حرب أهلية اندلعت بعد إطاحة الرئيس السابق فرنسوا بوزيزيه.

وأسفرت هذه العملية عن «ضبط أكثر من 750 كيلوغرامًا من الذخائر أثناء تجريد المجموعات المسلحة من سلاحها والعثور على مخابئ للأسلحة»، بحسب وزارة الدفاع الفرنسية. وأنهت فرنسا في أكتوبر 2016 عملية «سانغاريس»، معلنة نجاحها رغم أنها لم تتمكن من القضاء على العصابات المسلحة التي تبث الرعب بين السكان، كما لم تنجح في فرض الاستقرار في أحد أفقر بلدان العالم.

عمال أفارقة وجنود فرنسيون
وإلى جانب هذا المنشور المثير للجدل والصورة المرفقة به، نُشر المضمون نفسه مرفقًا بصورتين، يظهر في إحداهما أفارقة يبدو وكأنهم عمال مناجم، وفي الثانية جنود فرنسيون على مقربة من طائرة مروحية، بما يوحي بأن الجنود الفرنسيين يشرفون على أعمال تنقيب عن الذهب في مالي، ونال هذا المنشور تفاعل المئات على الأقل. وجاء فيه: «قوات الاحتلال الفرنسي تستخرج الذهب في دولة مالي المسلمة، وترسله إلى فرنسا. نهب علني لثروات هذا الشعب الفقير».

لكن التفتيش على صورة عمال المنجم باستخدام محركات البحث أرشد إلى أنها منشورة على موقع وكالة «غيتي»، وهي ملتقطة في منجم في أفريقيا الوسطى، ولا علاقة لها بمالي. أما صورة الجنود الفرنسيين فوزعتها «فرانس برس» في يناير 2015، أي قبل أربع سنوات على تداولها في سياق مضلل، وهي تُظهر جنودًا في قاعدة عسكرية في غاو شمال مالي.

حقيقة ضبط ذهب مهرب
وفي منتصف أغسطس 2019، ظهر على مواقع التواصل مقطع مصور قال ناشروه إنه يظهر ضبط الجمارك المالية سبائك من الذهب يتم تهريبها لحساب فرنسا، ويظهر في المقطع المصوَّر رجال يفتحون صناديق بداخلها سبائك من المعدن النفيس.
وجاء في منشور مرفق بالفيديو: «جمارك دولة مالي، وبحضور مراقبين أمميين ووسائل إعلام، تحبط عملية لتهريب الذهب من طرف الجيش الفرنسي الذي كان يدعي أنه ينقل أسلحة بأوامر الإليزيه». وشارك المنشور أكثر من عشرة آلاف مستخدم، كما تم نشر الفيديو على موقع «يوتيوب».

وبحسب «فرانس برس»، فإن هذا الفيديو ملتقط في غانا وليس في مالي ولا علاقة له بالجيش الفرنسي، واستند التحقيق إلى عناصر مثل الجريدة الغانية في يد أحد المراقبين واسم الشركة التجارية المعنية بالقضية، الظاهرة على ورقة يحملها مراقب آخر.

وأوضح الفريق بعد التحقيق أن الفيديو يظهر في الحقيقة عملية عادية لكشف حمولة من المعادن قبل بيعها، وهو ما أوضحه الرجل الذي يتكلم في الفيديو وكأنه يعطي تعليمات، وقد عثر عليه الفريق واتصل به هاتفيًّا، وهو محامٍ اسمه رينيه فيريتشيا.

المزيد من بوابة الوسط