طالت جنرالات ووزراء.. إشكالات تعترض حملة «الأيادي النظيفة» في الجزائر

حضر مئات الجزائريين المحتجين أمام محكمة سيدي أحمد بالعاصمة، وغاب رئيس الحكومة السابق أحمد أويحيى، ووزير المالية الحالي محمد لوكال اللذان اُستُدعيا للمثول للتحقيق في قضايا فساد، وسط إشكال سياسي وقانوني إن كانا متهمين أم شاهدين، في ظل صمت النيابة العامة عن القضية.

وللمرة الأولى تستدعي محكمة جزائرية رئيس حكومة سابق، ووزيرًا يباشر مهامه، للتحقيق في قضايا فساد، بعدما أعلن التلفزيون الجزائري الرسمي استدعاء قاضي التحقيق أويحيى للتحقيق معه في قضية تبديد أموال عمومية والحصول على امتيازات مالية غير مشروعة دون تقديم تفاصيل، علمًا بأنه أُبعد من منصبه في 11 مارس الماضي.

أسلوب احتجاجي جديد
وبينما نصبت المحطات التلفزيونية الجزائرية ومراسلو القنوات الأجنبية كاميراتهم قبالة مدخل المحكمة منذ صبيحة الأحد؛ ترقبًا لوصول أويحيى، حمل مواطنون تجمعوا بالمئات علب الزبادي، للتلويح بها للابن المدلل للنظام عند وصوله، في إشارة مباشرة إلى تصريح سابق التصق به مفاده بأنه «ليس من الضروري في عز الأزمة المالية أن يأكله الجزائريون لأنه من الكماليات»، رافعين العديد من الشعارات المطالبة ببناء دولة القانون والعدالة واستقلالية القضاء ومحاسبة الجميع.

وهو أسلوب احتجاجي اعتمده أيضًا عدد من مناضلي حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه أويحيى، خلال تجمع مناوئ، السبت الماضي، نظم للمطالبة برحيله من قيادة الحزب، حيث أقدموا على رمي علب وقوارير «الياغورت» على مكتب رئيس الوزراء السابق. أما محمد لوكال فشغل منصب مدير البنك الخارجي، ثم محافظًا للبنك المركزي، قبل أن ينصب وزيرًا للمالية في حكومة تصريف الأعمال الجديدة.

وفي وقت غصت الشوارع قبالة المحكمة بالمحتجين تغيب أويحيى عن الحضور، وظهر لوكال باعتباره وزيرًا للمالية يشرف على تنصيب المدير الجديد للجمارك الجزائرية. وشكك الحراك الجزائري الذي يحتج منذ 22 فبراير الماضي في جدية ملاحقة العدالة للمسؤولين في ظل صمت النيابة العامة، وعدم إصدارها بيانًا توضيحيًّا للرأي العام حول أسباب وخلفيات الاستدعاء.

تشكيك الحراك
وقال المحامي الجزائري طارق مراح في تصريح للصحفيين إن استدعاء أحمد أويحيى ومحمد لوكال يحتمل فرضيتين، إما أن الشخصين اللذين تم ذكرهما متهمين أو شاهدين في الملف المتعلق بطبع الأموال أو ما يصطلح عليه بـ«التمويل غير التقليدي»، لأن الشخص الأول الضالع فيه هو أحمد أويحيى ومحمد لوكال كان محافظًا للبنك المركزي.

وأوضح أن سبب الاستدعاء يظل مجهولاً لحد الساعة، وكان حريًّا على نيابة الجمهورية إصدار بيان توضح فيه سبب استدعاء أويحيى ولوكال إلى المحكمة. من جانبه، أشار المحامي والحقوقي الجزائري مصطفى فاروق قسنطيني، إلى صلاحيات قاضي التحقيق في طلب إحضار أحمد أويحيى بالقوة العمومية للاستماع إلى أقواله كمتهم مع احترام قرينة البراءة.

ورجح أن يستعمل القاضي الإحضار بالقوة العمومية بدل الأمر بالقبض. وتوقع خبراء في القانون صعوبة محاسبة المتهمين الذين تقلدوا مناصب المسؤولية، طبقًا للمادة 573 من قانون الإجراءات الجزائية التي تقول إن وكيل الجمهورية يُخطر النائب العام، وهذا الأخير يخطر وكيل الجمهورية لدى المحكمة العليا، الذي يباشر الإجراءات ضد الشخص.

وليس من الصدفة أن يأتي الدور على أويحيى ليقف أمام قاضي التحقيق مع انطلاق ما يمكن تسميته بـ«حملة الأيادي النظيفة» وهي حملة أطلقها مطلع التسعينات لما كان وزيرًا للعدل وقادت بالعشرات إلى السجن دون مسوغ قانوني في حق الأغلبية الساحقة منهم.

محاكمة بوتفليقة!
ويتزامن مثول رئيس الوزراء السابق ووزير المالية الحالي، مع رفع الحصانة البرلمانية عن جمال ولد عباس وسعيد بركات، وهما وزيران سابقان يشغلان منصبي نائبي رئيس مجلس الأمة، إلى جانب الشروع في تحقيقات أخرى طالت عديد الأثرياء ورجال الأعمال والمسؤولين الكبار، على غرار عائلة كونيناف ورجل الأعمال علي حداد ومديري بنوك ومديرين مركزيين في بعض الوزارات، كوزارات الصناعة والبريد والاتصالات.

وتورط رجال أعمال وأصحاب نفوذ مستفيدين من قربهم من الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة في تعيين عدة وزراء حكومة خلال السنوات الماضية. وحول إمكانية محاكمة رئيس الجمهورية السابق وشقيقه المستشار السعيد بوتفليقة، استبعد المحامي قسنطيني محاكمة الرئيس بحكم تدهور صحته وعدم تمكنه من النطق، أما شقيقه فلا يستبعد أن يتلقى استدعاء كالذي تلقاه أويحيى، ويخضع للتحقيق كباقي المتهمين.

وتنص المادة 177 من الدستور على أن محكمة عليا للدولة، يمكن أن تؤسس لتختص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها بـ«الخيانة العظمى»، والوزير الأول عن الجنايات والجنح التي يرتكبانها في مناسبة تأدية مهامها. وقبل أيام أعاد الفريق أحمد قايد صالح، إطلاق دعوته للعدالة؛ لتسريع وتيرة فتح ملفات الفساد وتبديد الأموال العمومية تورط فيها مَن وصفهم بـ«العصابة».

حبس وتوقيف جنرالات
ولقطع الطريق على تواطؤ محتمل بين بعض الضباط والمعنيين بالتحقيقات، تم إنهاء مهام عدة شخصيات محسوبة على الجنرال المقال رئيس المخابرات السابق بشير طرطاق، إذ تم إنهاء مهام قائد مديرية الأمن الداخلي، واستخلافه بالجنرال واسيني بوعزة.

كما أصدر قاضي التحقيق لمجلس الاستئناف العسكري بمحافظة البليدة، الأحد، أمرًا يقضي بإيداع المدعو باي سعيد القائد السابق للناحية العسكرية الثانية الحبس الموقت والقبض على المدعو شنتوف حبيب القائد السابق للناحية العسكرية الأولى بتهم «تبديد أسلحة وذخيرة حربية ومخالفة التعليمات العامة العسكرية»، بحسب ما نقلت الوكالة الرسمية.