بعد 100 عام.. كيف صاغت الحرب العالمية الأولى ملامح القرن العشرين؟

أرشيدوق النمسا فردينان في سراييفو قبيل دقائق من مقتله الذي أشعل الحرب (ا ف ب)

قبل قرابة المئة عام، كُتب سطر أخير في حرب دموية أبادت الملايين من البشر، قادتها الإمبراطوريات العظمى وقتها بريطانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا، النمسا والمجر، الدولة العثمانية، إلا أن هذه النهاية رسمت بتفاصيلها اللاحقة ملامح جديدة للقرن العشرين، وفرضت خريطة مغايرة على أوروبا والشرق الأوسط.

وفي إحيائها لذكرى هذه الحرب التي انتهت بتاريخ 11 نوفمبر 1918، ذكرّت «فرانس برس» بالمفهوم الفرنسي في معاهدة «فرساي» بأن «ألمانيا ستدفع الثمن»، وقالت إن هذه العبارة لخصت أوهام المنتصرين في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى، متجاهلةً الانهيار السياسي والاقتصادي والمعنوي، في قارة مارست هيمنتها على العالم طوال قرون. إذ كانت شعوب أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى منهكة أدمتها المعارك، وبدا الإغراء الثوري المستوحى من المثال الروسي ينتشر عام 1919 خصوصًا في ألمانيا والمجر. لكن هذه المحاولات قُمعت بشدة، وكذلك الإضرابات في فرنسا وإيطاليا.

أرض خصبة للشمولية
كما أشار التقرير الفرنسية، إلى أن معاهدة فرساي التي وقعت في 28 يونيو 1919 كانت محفوفة بالعواقب من خلال استهداف ألمانيا أخلاقيًا واقتصاديًا. وقد حدد مؤتمر لندن عام 1921 مبلغ 132 مليار مارك من الذهب حجم «التعويضات» المستحقة للحلفاء، وبشكل رئيسي فرنسا. وندد الألمان بما وصفوه بانه «إملاءات» واكتشفوا أنهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم.

وبغية إجبارهم على القيام بذلك، احتلت القوات الفرنسية منطقة «الرور» عام 1923، فانزلقت ألمانيا إلى مزيد من الفوضى الاقتصادية والتضخم المفرط وعم الاستياء والحقد بشكل واسع، وهو ما شكل أرضًا خصبة لأدولف هتلر للوصول إلى السلطة بعد عشر سنوات، قبل أن يدفع أوروبا مرة أخرى إلى الوقوع في النار والدم، وفق التقرير.

وعلى الجانب الآخر من جبال الألب، يقود الفاشي بينيتو موسوليني إيطاليا باتجاه نفس الأحلام القاتلة من الثأر والعظمة. وخلافًا لذلك، كانت الحرب ونتائجها رسخت في فرنسا وبريطانيا تيارًا سلميًا من شأنه أن يفسر شلل الديمقراطيات الأوروبية بمواجهة هتلر.

وبعيدًا عن ألمانيا، أعادت معاهدات السلام رسم خريطة أوروبا والشرق الأوسط بالكامل، وفق التقرير، الذي أشار إلى تقطيع الإمبراطوريات المهزومة، ما أدى إلى نشوء العديد من النزاعات المستقبلية والحدود والأمم الجديدة، من دول البلطيق إلى تركيا مرورًا بيوغوسلافيا أو تشيكوسلوفاكيا.

كما تم تفكيك السلطنة العثمانية التي كانت تعاني سكرات الموت منذ القرن التاسع عشر لصالح المنتصرين، في حين أسفرت الوعود البريطانية المتضاربة للعرب واليهود عن زرع بذور النزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

هيمنة الولايات المتحدة
وإذا كانت المكانة السياسية للمنتصرين الرئيسيين فرنسا وبريطانيا في ذروتها عام 1919، فإنها بالكاد كانت تخفي التوسع الدولي للولايات المتحدة التي ستثبت نفسها القوة الرئيسية، اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا ضمن المعسكر الغربي طوال العقود التالية.

وعلى الصعيد الديموغرافي أيضًا، خرجت أوروبا منهكة؛ إذ قُتل ما لا يقل عن 10 ملايين جندي وجرح 20 مليونًا كما قضى عشرات الملايين من المدنيين بسبب المذابح والجوع والمرض ناهيك عن الأنفلونزا الإسبانية عامي 1918 و1919.

ومن نتائج الحرب أيضًا، ملايين المعوقين والأرامل والأيتام في جميع أنحاء القارة القديمة.

نكهة الانعتاق
ووفق التقرير، لعبت النساء في كل مكان دورًا حيويًا في المجهود الحربي، عبر الحلول مكان الرجال في المصانع وفي الحقول. واكتشف العديد منهن في هذه المناسبة نكهة الانعتاق أو التحرر.

ورغم عودتهن إلى الأعمال المنزلية إثر تسريح الرجال، فقد حصلن على حق التصويت في العديد من البلدان مثل ألمانيا أو النمسا أو بريطانيا. لكن تعين على الفرنسيات الانتظار حتى اقتراب انتهاء الحرب التالية للحصول على حق التصويت عام 1944.

وساهمت مجازر سنوات الحرب في طبع حياة الفنانين والمثقفين إلى الأبد نظرًا لمعاينتهم الفظائع التي تخللتها. ونشأت حركة الدادائيين، خلال الحرب كما أن السريالية انتشرت في الشعر والرسم التشكيلي والأدب وخصوصًا في فرنسا وبلجيكا وألمانيا، باعتبارها خشبة الخلاص من الرعب.

وفي الوقت نفسه، استحوذت على شباب المدن قابلية هائلة للحياة والاحتجاج. إنه وقت «السنوات المجنونة» في باريس، في حين كان الرسامون والكتاب في برلين يحاولون نسيان الحزن في حفلات ليلية تستمر حتى الفجر.

المزيد من بوابة الوسط