بعد ثلاثة أيام من الاشتباكات.. عودة الحياة إلى عدن

احتُجز اليمني عوض ناصر مع عائلته بمنزله في عدن لثلاثة أيام متتالية خلال المعارك التي شهدتها المدينة الساحلية هذا الأسبوع بين القوات الحكومية والوحدات العسكرية المؤيدة للانفصاليين الجنوبيين.

وسمح توقف الاشتباكات للمدارس والمتاجر بأن تعيد فتح أبوابها، ولناصر وسكانٍ آخرين بأن يخرجوا من منزلهم ليشاهدوا في الشوارع آثار المعارك التي ترددت أصواتها على مسامعهم من صباح الأحد وحتى مساء الثلاثاء.

ويقول ناصر الذي يقطن حي جبل الحديد في وسط المدينة لوكالة «فرانس برس» «لمدة ثلاثة أيام شاهدنا الموت. بدأت المعركة في هذه الحارة واستُخدمت فيها مختلف الأسلحة».

يقول ناصر الذي يقطن حي جبل الحديد في وسط المدينة لوكالة «فرانس برس» «لمدة ثلاثة أيام شاهدنا الموت»

لكن آثار المعارك لم تكن وحدها ما خلّفته الاشتباكات وراءها، بل تغيرت هُـوية المدينة السياسية، فخلعت عنها عباءة السلطة المعترف بها دوليًا، ورفعت علم الانفصال.

ويروي ناصر أن حدة الاشتباكات دفعته وأفراد عائلته للنزول من الطابق الثالث في المبنى حيث يقيمون، إلى الطابق الأول لدى جيرانهم، خوفًا من أن تصاب شقتهم برصاصة أو بقذيفة.

وخشي الأب اليمني أيضًا من أن تقوم طائرات التحالف العسكري بقيادة السعودية الداعم للطرفين المتقاتلين، بالتدخل عسكريًا لوقف القتال وشنِّ غارة تصيب منزله، وفي ذهنه العديد من المدنيين الذين قتلوا في غارات نفذها التحالف ضد مواقع للمتمردين الحوثيين في مناطق أخرى.

ويقول «كان الأطفال يصرخون، وكنا نخاف من أن يتدخل الطيران التابع للتحالف»، مستدركًا «الحمد لله لم يحدث هذا».

حرب شوارع
في محيط حي جبل حديد، تبدو آثار المعارك واضحة على المنازل، وقد اخترقت الطلقات النارية النوافذ والجدران بينما تعرضت إحدى الشقق لحريق نتيجة سقوط قذيفة فيها.

على بعد بضعة كيلومترات شمالًا في دار سعد، آخر الأحياء التي سيطرت عليها القوات المؤيدة للمتمردين، تسببت الاشتباكات باحتراق مخزن للخشب لمدة يومين.

أما في شارع أروى بمنطقة كريتر حيث يوجد قصر الرئاسة في جنوب المدينة، فتعرضت عشرات المنازل لأضرار جراء إطلاق النار الكثيف في المنطقة، بينما تحدث سكان عن إصابة عشرات المدنيين في المعارك.

وتقول دنيا حسين فرحان (22 سنة) التي تسكن في كريتر إن «حصار القصر الرئاسي كان مرعبًا».

وتضيف «هناك أناس أصيبوا بشظايا. هم مدنيون لا علاقة لهم بالمعركة، وللأسف عائلاتهم لم تستطع إسعافهم فورًا، لأن القتال استمر والطريق كان مقفلًا».

تقول دنيا حسين فرحان (22 سنة) التي تسكن في كريتر إن «حصار القصر الرئاسي كان مرعبًا»

وتابعت «عشنا قلقًا وخوفًا ورعبًا وحرب شوارع، ولم يعرف أحد من يتقاتل مع من».

وكانت الاشتباكات اندلعت بشكل مفاجئ الأحد بعدما حاولت القوات الحكومية منع متظاهرين انفصاليين من بلوغ وسط المدينة واقامة اعتصام للمطالبة بإسقاط الحكومة احتجاجًا على الأوضاع المعيشية.

وخاض الطرفان اللذان يقاتلان جنبًا إلى جانب المتمردين الحوثيين في مناطق أخرى، معارك دامية حتى الثلاثاء قُـتل فيها 38 شخصًا وأصيب أكثر من 220 آخرين بجروح، قبل أن تتوقف الاشتباكات الأربعاء بطلب من التحالف الذي يقود وساطة بين الحليفين المتحاربين.

الأمور طيبة
وبعيد توقف المعارك، عادت السيارات لتتجول في شوارع المدينة الساحلية، وكان سكان يتفقدون آثار المعارك على جدران الأبنية.

وأعلنت الخطوط الجوية اليمنية أنها ستسير رحلة من مطار عدن الخميس باتجاه القاهرة، للمرة الأولى منذ بداية الاشتباكات.

وحافظت القوات المؤيدة للانفصاليين على انتشارها الكبير في الشوارع بالدبابات والآليات العسكرية، وعلى نقاط التفتيش العديدة التي أقامتها في أحياء المدينة الساحلية بعدما انتزعت السيطرة عليها من القوات الحكومية.

أعلنت الخطوط الجوية اليمنية أنها ستسير رحلة من مطار عدن الخميس باتجاه القاهرة للمرة الأولى منذ بداية الاشتباكات

وحاولت طمأنة السكان إلى أن الأوضاع في مدينتهم ستعود إلى ما كانت عليه قبل يوم الأحد.

وقال قائد على الأرض في هذه القوات تعب القاسمي لـ«فرانس برس» «الأمور تحت السيطرة والأمور طيبة، ونحن (...) نشكر المواطنين على حسن تعاونهم معنا».

الأكثر أمنًا
وكانت عدن تعتبر أكثر المدن أمنًا في بلد يمزقه نزاع مسلح منذ سنوات بين القوات الحكومية والقوات الحليفة لها والتحالف العسكري بقيادة السعودية من جهة، والمتمردين الحوثيين الذي يسيطرون على العاصمة صنعاء ومناطق أخرى من جهة ثانية.

وتغيّـر وجه عدن فجأة بعد هذه الأيام الثلاثة، عما كانت عليه منذ انتقال السلطة المعترف بها إلى عدن عقب فرارها من صنعاء إثر سيطرة المتمردين الحوثيين عليها في سبتمبر 2014. فأنزلت أعلام اليمن من فوق بعض الأبنية، وبينها مبانٍ حكومية، ورُفع العلم الذي يرمز إلى الانفصال. وكان جنوب اليمن قبل الوحدة عام 1990 دولة مستقلة.

كانت عدن أكثر المدن أمنًا في بلد يمزقه نزاع مسلح بين القوات الحكومية مدعومة بالتحالف السعودي من جهة والمتمردين الحوثيين من جهة ثانية

وأرسلت السعودية الداعمة للقوات الحكومية والإمارات الداعمة للانفصاليين الخميس وفدًا عسكريًا مشتركًا إلى عدن لمحاولة تثبيت وقف إطلاق النار بين الطرفين.

في دار سعد شمال المدينة، التي يتحدث البعض عن انقطاع الماء والكهرباء عنها خلال الاشتباكات.

ويقول هشام منير «خفنا أن يتحول القتال بطريقة مناطقية وبالهوية كما حدث في 1986، لكن لم يحدث. الآن على التحالف أن يتدخل ويلزمهم بخفض التوتر. يكفي ما حدث لنا في الحرب مع الحوثيين، ويؤسفنا أنّ من قاتلوا الحوثيين يتقاتلون اليوم بينهم».

المزيد من بوابة الوسط