ترامب ينهي عامه الأول في البيت الأبيض بأداء تلفزيوني مثير للجدل والسخط في أميركا وخارجها

يكمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب عامه الأول في البيت الأبيض السبت 20 يناير وهو محاصر بالمشاكل والجدل والاتهامات إلى درجة أن الكثير من المراقبين باتوا يتساءلون إذا ما كان سيستطيع استكمال مدته الأولى الممتدة أربع سنوات رئيسًا للدولة الأكثر قوة وتأثيرًا في العالم.

وقال ترامب لدى دعوته الصحفيين لإحدى غرف البيت الأبيض لإيجازهم عن عامه الأول في السلطة «مرحبا بكم في الأستوديو» في تعليق طريف قد يوحي بالكثير، ويعكس بشكل واسع الأسلوب الذي يتفاعل من خلاله الأميركيون مع رئيسهم الذي يبدوأنه لم ينس ماضيه مقدمًا للبرامج التلفزيونية.

للاطلاع على العدد «113» من جريدة «الوسط» اضغط هنا.

منذ عام حتى الآن، تابع العالم وأميركا بذهول وأحيانا بذعر نهج ترامب. وبشكل لم تشهده سياسات أخرى لأسلافه، أسر أسلوبه العالم أحيانًا وأثار الاستياء والذهول، في معظم الأحيان.

ويرى الأستاذ المتابع لمسألة التواصل الرئاسي في جامعة تاوسن ريتشارد فاتز أن «خطاب دونالد ترامب لا يشبه خطاب أي رئيس في العهد الرئاسي الحديث». وأضاف «إنه يتواصل باستمرارأكثر ويبدو مهتمًّا بشكل أقل بعواقب خطابه من أي رئيس في هذه الحقبة».

وصف ترامب نفسه بأنه «عبقري مستقر» وتارة أخرى وصف بلدانًا يأتي منها المهاجرون بأنها «حثالة»

فقد وصف ترامب نفسه بأنه «عبقري مستقر» وتارة أخرى وصف بلدانًا يأتي منها المهاجرون بأنها «حثالة» وأشبه ب«المراحيض»، كما تبارى مع رئيس كوريا الشمالية حول «حجم» الزر النووي الذي يمكن له استخدامه في حالة نشوب نزاع، زاعمًا أن الزر الخاص به «أكبروأكثرفعالية»، بينما لم يتردد في كيل الاتهامات وتهديد خصومه السياسيين. ولكن ترامب يفتخر بهذا الأسلوب، ويزعم أنه يقول الحقيقة دون تزييف أوتجميل.

وفي حين حاول العديد من الرؤساء الالتفاف على انتقادات وسائل الإعلام - انطلاقـًا من دردشات فرانكلين روزفلت قرب المدفئة وصولًا إلى لقاءات باراك أوباما مع مستخدمي «يوتيوب» - استخدم ترامب موقع «تويتر» بشكل نشط للغاية.
ونادرًا ما غاب ترامب عن عناوين الصحف والبثّ التلفزيوني، متغلغلًا في جميع نواحي الحياة العامة. وبينما يؤيد أنصاره أسلوبه الرافض لكل ما يعتبره كلامًا فارغًا، يثير ترامب غضب معارضيه مع كل تصريح صادر عنه يرون فيه انتهاكا أخلاقيا.

«الأخبار الكاذبة»
وأضفى الرئيس الذي يميل للاستعراض على قراراته ذات الوزن الجيوسياسي الكبير إثارةً تستحق تصنيفها بأنها مشهد ختام الموسم، على غرار قراره بشأن الاتفاق النووي الإيراني أو وضع القدس التي تعاني من الاحتلال الإسرائيلي منذ خمسة عقود.
ويتطرق عادة إلى «التقييمات» المرتبطة بفترته الرئاسية والتغطية الإعلامية أكثر من أي مسألة أخرى. ولم تعد تصريحاته تؤخذ بحرفيتها، سواء ارتبط ذلك بمزاعمه بشأن حجم الحشد الذي حضر مراسم تنصيبه، أو إن كان بشأن نيته الفعلية المُضي قدمــًا بتعهده سحب الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ.

وفي هذا السياق، يشير المفاوض السابق في قضايا الشرق الأوسط آرون ديفيد ميلر إلى أن الفجوة بين تصريحات الرئيس الأميركي والحقيقة تعد مشكلة بالنسبة لباقي العالم. وقال ميلر «يتساءل حلفاؤنا وخصومنا: إلى أيِّ درجة يمكن الوثوق بالرئيس وما مدى مصداقيته؟ هل يعني ما يقول وهل يقول ما يعني؟»

ويزيد من حيرة قادة العالم المتابعين لتغريدات ترامب إنه لا تتم ترجمتها دائمًا إلى سياسات تنفذ على الأرض. فترامب يتبنى نهجًا متشددًا في مخاطبة كوريا الشمالية وإيران وقطر، بينما تطبق وزارتا الخارجية والدفاع الأمريكتين سياسة تختلف تمامًا عمّا يصرح به الرئيس. فالخبراء في الوزارتين يعرفون أن خيار الحرب مع كوريا الشمالية ليس قائمّا، وكذلك الانسحاب من الاتفاق النووي الذي تم توقيعه قبل عامين مع إيران. وبينما يتهم ترامب قطر بدعم الإرهاب، فإن البنتاجون يؤكد تمسكه بقاعدة العيديد في الدوحة والتي تعد الأكبر في منطقة الشرق الأوسط.

ولكن ما لم يتغير منذ دخول ترامب البيت الأبيض، وقبله، هو هجومه الشرس على وسائل الإعلام الكبرى التي يراها جزءًا من مؤامرة ضده، ويتهمها بدعم منافسته في الانتخابات الأخيرة، الديمقراطية هيلاري كلينتون التي كان يطالب بسجنها. وكتب ترامب كرئيس أكثر من 180 تغريدة عن «الأخبار الكاذبة»، وهو المصطلح الذي اخترعه شخصيًا، ونحو 170 عن شبكة «فوكس نيوز»، الوحيدة التي تشيد به وفقا لمعاونيه، وهو ما يشكل دعمًا نفسيًا له.

ورغم التباهي المبالغ فيه، لطالما بدا قطب العقارات البالغ من العمر 71 عامًا أكثر اهتمامًا بلعب دور الرئيس من اهتمامه بأداء مهامه، وكأنه ما زال يقدم برنامجًا تلفزيونيًا حول رئاسة الولايات المتحدة.

ما لم يتغير منذ دخول ترامب البيت الأبيض، وقبله، هو هجومه الشرس على وسائل الإعلام الكبرى التي يراها جزءًا من مؤامرة ضده

وبينما يتوجه معظم مرشحي الرئاسة إلى القاعدة الشعبية ومن ثم يوسعون دائرة اهتمامهم أثناء فترة تواجدهم في السلطة، تمسك ترامب باستراتيجية القاعدة أولًا متجاهلًا بشكل واسع أصداء تصريحاته في العالم، متمسكًا ومتباهيًا بشعار «أميركا أولاً».
ويدوِّن الدبلوماسيون في واشنطن ملاحظاتهم خلال الاجتماعات مع الصحافيين لا العكس.

من جهتهم، أدرك زعماء على غرار الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الإطراء هو أفضل استراتيجية في التعاطي مع ترامب. وتبع آخرون هذه السياسة حيث قدّم قادةً من بريطانيا وصولًا إلى النرويج، للبيت الأبيض حاملين معهم المديح للرئيس الأميركي رغم عدم الارتياح الذي بدا عليهم.

دراما باتت مملة
ويشير البيت الأبيض إلى الإنجازات التشريعية والتحسن الذي شهده سوق الأسهم العام الماضي حيث سجلت بورصة وول ستريت ارتفاعات قياسية بفضل إصلاحات ترامب الضريبية المفيدة بالنسبة للأعمال التجارية.

لكن عام ترامب الأول شكل معضلة لمفاهيم استمرت لعقدين وساهمت في صعوده إلى السلطة والتي مفادها أن رجال الأعمال أكثر كفاءة من البيروقراطيين والسياسيين التقليديين.

وعلى امتداد معظم العام، شهد البيت الأبيض تسريبات من أنصار «العولمة» ضد «الشعبويين» والعكس، فيما صدرت تسريبات من الطرفين ضد الرئيس.

وتراجعت حدة النميمة في أروقة البيت الأبيض مع تسلّم جون كيلي منصب كبير موظفيه وطرد المخطط الاستراتيجي المثير للجدل ستيف بانون. لكن الفوضى لم تنته حيث يعود موظفون إلى العمل بعد أشهر من طردهم. ويشهد كل أسبوع مغادرة أشخاص جدد مناصبهم، وهو ما سمح بصدور كتاب «الغضب والنار» الأكثر شهرة الآن في الولايات المتحدة والذي أورد انطباعات المقربين منه حول أدائه بعد خروجهم من مناصبهم. وبينما كان البعض دبلوماسيًا واكتفى بوصفه ب«الجنون»، فلقد كال آخرين اتهامات أشد قسوة تشكك في اتزانه العقلي والنفسي من الأساس.

وفي هذه الأثناء، إزدادت الشكوك بشأن تصرفات ترامب. فأظهر استفتاء أجرته جامعة كوينيباك أن 69 بالمئة من المشاركين يعتقدون أنه غير متزن فيما يرى 57 بالمئة أنه غير مؤهل للرئاسة. كما تراجعت شعبية ترامب بدرجة كبيرة رغم مرور عام واحد فقط على توليه منصبه، لتصل إلى أقل من أربعين في المائة.

إلا أن الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون عمل جاهدًا على الحدِّ من العواقب السياسية. وقال فاتز، من جامعة تاوسن، أن الرئيس الأميركي «يرفض الاعتذار ويستخدم أسلوبه الفظّ دون أي اعتذار».

لكن ذلك قد يتغير في حال عثر المحقق روبرت مولر على دليل بأن ترامب عرقل القضاء أو قام بتعاملات مالية سرية أو أن فريق حملته تعاون مع روسيا لكي توفر له معلومات تساعده على هزيمة هيلاري كلينتون في الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2016. وبإمكان فوز الديموقراطيين بأغلبية في الكونغرس في انتخابات نوفمبر المقبل كذلك تغيير المعادلة، خاصة في مجلس الشيوخ الذي يتمتع فيه الجمهوريين الآن بأغلبية مقعد واحد فقط.

ولربما ما يقلق الرئيس أكثر هو وجود مؤشرات بأن الأميركيين ملّــوا من الدراما المحيطة به.

ترامب: أنا لست عنصريًا. أنا الشخص الأقل عنصرية الذي تُقابلونه

ووفقًا لمؤشر «غوغل تريندز» الذي يحفظ المعلومات المتعلقة بالبحث، تراجع الاهتمام بترامب منذ تنصيبه في يناير العام الماضي حيث انخفض بنسبة 75 بالمئة عن تلك الفترة.

وليس هناك ضمانات بأن ترامب سيحظى بتصنيفات مرتفعة خلال السنة الثانية له في السلطة، خاصة إذا استمر في استخدام أسلوبه السوقي الفظ في التعبير عن آرائه ومواقفه.

«لست عنصريا»
وكان ترامب قد نفى الأحد أنْ يكون «عنصريًا» بعد تصريحات نُقلت عنه ووصف فيها بلدانــًا يأتي منها المهاجرون بأنها «مراحيض»، مثيرًا استياءً شديدًا في العالم وضاعف من حدة السجال في الكونغرس بشأن وضع مئات الآلاف المهاجرين في الولايات المتحدة.

وقال ترامب للصحافيين في نادي ترامب الدولي للغولف في وست بالم بيتش بفلوريدا حيث كان يتناول العشاء مع زعيم الغالبية الجمهورية بمجلس النواب كيفن مكارثي «أنا لست عنصريًا. أنا الشخص الأقل عنصرية الذي تُقابلونه».

وفي نهاية الأسبوع تفاقمت حدة النقاش الصعب أصلًا بين الديموقراطيين والجمهوريين لتسوية هذا الملف، بعد تصريحاته التي أكد فيها رغبته في استقبال المهاجرين من بلدان متقدمة مثل النرويج، وليس الدول الفقيرة كهاييتي والسلفادور أو دول أفريقية.
وصرح النائب الديموقراطي عن ولاية جورجيا جون لويس، أحد مخضرمي حركة الحقوق المدنية للسود في الستينات إنه بعد تحقيق «تقدم كبير» في الولايات المتحدة على مستوى الحقوق المدنية، «أعتقد أن هذا الرجل، الرئيس، يرجعنا إلى مكان آخر». وتابع في تصريح لقناة إيه بي سي «أعتـقد إنه عنصري».

للاطلاع على العدد «113» من جريدة «الوسط» اضغط هنا.

وأكدت ميا لوف النائبة عن يوتاه ذات الأصول الهايتية والتي خاضت حملة من أجل ترامب «لا يمكنني الدفاع عن أمر يتعذر الدفاع عنه»، وذلك في تصريح لشبكة «سي إن إن».

ويأتي هذا الجدل بعد توقيع الرئيس الأميركي إعلانــًا على شرف القس الراحل مارتن لوثر كينغ رمز الصراع من أجل الحقوق المدنية للسود قبل الإثنين الذي صادف يوم عطلة على اسمه.

وكان ترامب أكد الجمعة في تغريدة إنه لم يقل «إطلاقــًا أي كلمة مسيئة بشأن الهايتيي» بعدما نفى استخدام عبارة «بلدان مراحيض» للحديث عن هايتي أثناء اجتماع الخميس بشأن الهجرة. وأكد عبر تويتر أن «اللغة التي استخدمتها في الاجتماع كانت قاسية لكنني لم أستعمل هذه العبارة».

المزيد من بوابة الوسط