«حضر أعمامك».. نفوذ العشائر في العراق يعرقل عمل قوات الأمن

في العراق تفرض العشائر القبلية نفوذًا يعرقل عمل قوات الأمن، فقد أُجبر النقيب في الشرطة أحمد علي، مغادرة بغداد مع عائلته للعمل في إحدى المحافظات العراقية الجنوبية، إثر تعرضه لتهديد بعد اعتقال شخص كان يحمل سلاحًا من دون ترخيص.

القصة بدأت عند حاجز أمني في إحدى مناطق شرق بغداد، عندما أمر أحمد الذي كان قد تولى مسؤولياته للتو، باعتقال شخص يحمل في سيارته مسدسًا غير مرخص، لكن سرعان ما وصلت مجموعة من المسلحين وأجبرت القوات الأمنية على إطلاقه.

شرطي: إذا اعتقلنا أحدًا، سواء كان مجرمًا أو مشتبهًا به، نلاحَق عشائريًا

ويقول النقيب أحمد لـ وكالة «فرانس برس» من دون كشف اسمه الكامل: «لم نستطع الاحتفاظ إلا بالمسدس» في ذلك اليوم. ويضيف: «بعد أيام قليلة، تلقيت اتصالاً هاتفيًا من مجهول، أبلغني برسالة تهديد مختصرة تقول «نعرف أين تسكن وأين عائلتك، أعد المسدس أفضل لك ولعائلتك».

وتستعمل في العراق عبارة «حضّر عمامك»، أي جهّز أفراد عائلتك، لعقد اجتماع فصل بين عشيرتين والتوصل إلى حل للقضية غالبًا ما تنتهي بدفع مبلغ من المال.

وتمكن أحمد، بمساعدة عدد من أصدقائه الضباط، الاتصال بممثلين عن عشيرة الشخص، ليقوم هؤلاء بدورهم بتقديم وثائق غير رسمية، تذكّر بأن حمل المسدس كان وفقًا للقانون، فلم يكن أمام أحمد سوى إعادة المسدس وإغلاق القضية. ويؤكد الضابط: «بعد ذلك الحادث، أفضل حل كان أمامي، هو الانتقال إلى إحدى محافظات جنوب بغداد للهرب من أي تهديدات أخرى».

«لن أكون ضحية»
واللجوء إلى مجالس العشائر لتسوية الخلافات وتجنب إحالتها إلى القضاء، أمر شائع في العراق. ويتولى ممثلون عن العشائر التفاوض لتسوية أي خلاف والاتفاق على تعويضات مالية.

ويقول شرطي آخر يدعى علي، إنه أجبر على دفع 12 مليون دينار (حوالى 9600 دولار)، بينما دفع زميله برتبة نقيب ثمانية ملايين (6400 دولار) لتسوية نزاع عشائري نشب بفعل اتخاذ إجراءات أمنية لفرض القانون في إحدى مناطق بغداد.

شرطي دفع 12 مليون دينار لتسوية نزاع عشائري بعد اتخاذ إجراءات أمنية لفرض القانون

ووقع الحادث إثر قيام موقوف لدى الشرطة بتوجيه ضربة إلى علي الذي قام بدوره بالرد وضربه بعصا مما أدى إلى إصابته بجرح في رأسه. وبعد مرور نحو ثلاثة أسابيع، تلقى مركز الشرطة الذي يخدم فيه علي، تهديدًا عشائريًا وطلبًا بإقامة مجلس عشائري لمحاسبة الضابط والشرطي لتسوية الأمر. وفي حال رفضهما، ستتم تسوية الأمر من جانب أبناء العشيرة.

ويؤكد علي أنه حاول الاستعانة بمسؤولين في الشرطة، لكنهم رفضوا إقحام وزارة الداخلية بمشاكل عشائرية، رغم أن الحادث وقع خلال تأديته مهامه كشرطي، لذلك لم يكن أمام علي سوى تسوية الأمر عشائريًا.

ويقول الشرطي بغضب: «الآن، حتى لو رأيت أشخاصًا لا يحترمون القانون، لن أتدخل قط»، مؤكدًا: «لا أريد أن أكون ضحية وأقع في مشاكل. إذا اعتقلنا أحدًا، سواء كان مجرمًا أو مشتبهًا به، نلاحَق عشائريًا».

وتؤثر الانتماءات العشائرية في العراق بشكل كبير على وضع الأشخاص على جميع المستويات الرسمية والاجتماعية، حتى إنها تصل إلى التأثير في الارتباط والزواج. ويؤكد أستاذ الأمن الوطني في جامعة النهرين حسين علاوي، لـ«فرانس برس» أن «الأعراف العشائرية تؤثر في المجتمع العراقي».

وعود عشائرية
ويضيف علاوي: «خلال السنوات العشر الماضية، لم تكن هناك إجراءات رادعة في هذا الاتجاه»، مشيرًا إلى أن «هناك من يتمادى ويستغلّ اسم العشيرة للإساءة والتأثير على عمل المؤسسة الأمنية».

 توقيع بروتوكول بين العشائر ووزارتي الداخلية والعدل ولجنة برلمانية للحد من تهديدات بعض العشائر للأمن والسلم الأهلي

ويلفت إلى أن «لهذا الأمر تأثيرًا سلبيًا (...) يعيق وينعكس حتى على الاستثمارات الأجنبية»، معربًا عن أمله في أن «تمارس العشيرة دورًا في دعم فرض القانون ومساندة القوات الأمنية».

وبهدف وضع حد لتلك التدخلات، أقدمت السلطات الحكومية على عقد مؤتمرات تعني بهذا الأمر، كان آخرها في مدينة النجف جنوب بغداد، مطلع الشهر الجاري.

ويقول رئيس لجنة العشائر في مجلس النواب عبود العيساوي لـ«فرانس برس»: «جرى التوقيع على بروتوكول بين العشائر ووزارتي الداخلية والعدل ولجنة شؤون عشائر مجلس النواب (...) للحد من تجاوزات بعض العشائر وضبط تهديداتها للأمن والسلم الأهلي في عموم البلاد».

وهدد ممثل وزير الداخلية اللواء عبدالحسين العامري في التجمع الذي شاركت فيه عشائر من مختلف مناطق العراق، بمعاقبة كل «من يتعرض لموظف في الشرطة والأجهزة الأمنية (...) بالحبس ثلاث سنوات».

لكن ضابطًا برتبة رائد في الشرطة طلب عدم كشف هويته علّق على ذلك قائلاً: «وعود بعض العشائر للمسؤولين (...) لا تطبق على أرض الواقع».

المزيد من بوابة الوسط