الموصل.. مدينة القلب النابض تتحول إلى خراب

بمبانيها المدمَّرة وحطام السيارات المنتشر في أزقتها، تحوَّلت المدينة القديمة في الموصل التي كانت القلب النابض لثاني أكبر مدن العراق إلى خراب بعد أسابيع من المعارك الشرسة بين القوات العراقية وتنظيم «داعش».

وسط هذا المشهد الذي يشبه نهاية العالم، تتنقل حفارات لتنظيف الشوارع المليئة بالأنقاض في المركز التاريخي لمدينة الموصل «المحرَّرة» من قبضة «داعش»، بعد عملية عسكرية استمرت نحو تسعة أشهر.

في المقابل انتشر متطوعون لمساعدة القوات الأمنية وهم يقومون بتحضير كباب مشوي على بعد خطوات من المئذنة المدمَّرة التي شُيِّدت منذ قرون، وأعمدة حجرية تاريخية زينتها آيات قرانية. وفي موقع قريب، تتحرك عربات مدرعة لتمهيد الطريق أمام عمليات البحث عن آخر الإرهابيين الذين يختبئون في المنطقة.

متطوعون يساعدون قوات الأمن ويقومون بتحضير كباب مشوي على بعد خطوات من المئذنة المدمَّرة التي شُيِّدت منذ قرون

وقال العقيد سلام جاسم حسين من قوات مكافحة الإرهاب، فيما لوث الغبار بنطاله الأسود: «لم يبقَ سوى القليل من (مقاتلي) الجماعات الإرهابية التي فقدت كامل سيطرتها، والقوات الأمنية تطاردهم». وأضاف العقيد الذي غطى ضمادٌ إحدى ذراعيه بعد تعرضه لإصابة خلال المعارك، «في الواقع، المعركة انتهت فعلاً، بانتصار كبير للقوات الأمنية».

ورغم إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، الاثنين، «الانتصار على الوحشية والإرهاب»، ما زال الجنود يقاتلون إرهابيين محاصرين عند نهر دجلة. وبعد تلقي أوامر العقيد حسين، توجه قناصان وجندي يحمل حزامًا كبيرًا من الذخيرة حول عنقه، إلى مبنى مدمَّر للتموضع في داخله والقضاء على إرهابي.

جثث على الأرض
الثلاثاء، واصلت القوات العراقية عمليات التمشيط بحثًا عن آخر جيوب مقاتلي تنظيم «داعش» في غرب الموصل. وقال الفريق الركن سامي العارضي من قوات مكافحة الإرهاب لوكالة «فرانس برس»: «ما نقوم به اليوم هو مجرد تمشيط المنطقة وتطهيرها من الخلايا النائمة». وأضاف: «هناك جماعات مختبئة في الملاجئ والسراديب، ونحن نعالج ذلك».

وتابع: «ستستغرق العملية يومًا أو يومين حتى تستسلم قطاعات أخرى». وأكد أنه «لا صعوبة حاليًّا مثل بداية العمليات، حتى المختبئين فهم يستسلمون أو يعالجون (يقتلون)». في غضون ذلك، لا تزال جثث إرهابيين ملقاة على الأرض ومغطاة في عدد من شوارع المدينة القديمة. وحوَّلت المعارك والضربات الجوية العراقية وطيران التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية، المدينة القديمة إلى انقاض.

وتظهر آثار الدمار على أغلب مباني المدينة القديمة التي تشتهر بسوقها وآثارها العريقة ومساجد ومنازل قديمة. فقد تحوَّلت جميع مباني المدينة القديمة في الجانب الغربي من الموصل، إلى خراب كبير، وانتشرت أكداس من الأنقاض في الشوارع الضيقة المتعرجة، حيث انتشرت كتل خرسانية وصفائح معدنية وقضبان حديدية ملتوية وسيارات متفحمة تكدست فوق بعضها البعض.

واستمرت الضربات الجوية حتى وقت متأخر من بعد ظهر الاثنين، لتستهدف آخر معاقل للإرهابيين، وفي كل مرة، يسمع صوت صفير قصير ثم هزة خفيفة قبل أن تتصاعد سحابة دخان في السماء. فيما لا تزال قبة خضراء لمسجد قريب بمكبرات صوتها، قائمة رغم الدمار من حولها.

آثار الدمار تظهر على أغلب مباني المدينة القديمة التي تشتهر بسوقها وآثارها العريقة ومساجد ومنازل قديمة

وقال القائد في قوات مكافحة الإرهاب، الفريق الركن عبد الوهاب الساعدي، «نحن نتقدم باتجاه النهر، على بعد لا يتجاوز 50 إلى 60 مترًا»، متحدثًا من موقع انتشرت فيه أكياس أرز مخزَّنة في المسجد الذي حوله الإرهابيون إلى مستودع كُدِّست فيه عشرات صناديق الأغذية.

الدمار يمنع عودة الأهالي
تمكَّن مئات آلاف المدنيين من الفرار من القتال بعد أن عاشوا ظروفًا مروعة، جراء نقص الأغذية والتفجيرات واستخدامهم كدروع بشرية من قبل الإرهابيين. وحذرت الأمم المتحدة من استمرار بقاء أغلب هؤلاء نازحين لعدة أشهر أخرى لعدم وجود منازل صالحة للسكن في الموصل.

ومن وقت لآخر، يكشف عن مبانٍ في المدينة القديمة، انهارت واجهات جدرانها لتكشف جدران صفراء ومشهد ساعة جدارية معلقة في إحدى الزوايا فيما انتشرت معدات طبخ وأباريق شاي بين الأنقاض. وعند أحد الأزقة القريبة حيث باحة جامع النوري، الذي فجره الإرهابيون كانت نافورة ماء تستخدَم عادة للوضوء غطتها كتابات، انتشرت رائحة شواء لذيذ في الهواء.

المزيد من بوابة الوسط