ماكرون «الشاب الوسطي» ولوبن «نجمة اليمين».. مواجهة حاسمة من الانتخابات الرئاسية 7 مايو

أفادت التقديرات الأولية لنتائج انتخابات الرئاسة الفرنسية بأن إيمانويل ماكرون المرشح الشاب الوسطي المؤيد لأوروبا، انتقل إلى الدورة الثانية مع مرشحة اليمين المتطرف، مارين لوبن، في ختام الدورة الأولى للانتخابات، اليوم الأحد، ومن المقرر أن تجرى الانتخابات الحاسمة لاختيار الرئيس الفرنسي القادم يوم 7 مايو.

الحصان الأسود
وإيمانويل ماكرون النجم الصاعد في السياسة الفرنسية هو وزير الاقتصاد الفرنسي السابق (2014-2016)، وتحول إلى ظاهرة سياسية منذ استقالته من منصبه الوزاري في شهر أغسطس 2016 ليؤسس حركة «إلى الأمام».

وينظر إلى المرشح الرئاسي إيمانويل ماكرون على أنه من بين أقوى المرشحين للفوز بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، ولمَ لا فهو المرشح الوسطي المستقل والبالغ من العمر 39 عامًا والذي يعد الأصغر في السباق الرئاسي.
حياة ماكرون بدأها بمسار تعليمي ناجح في أبرز المدارس والمعاهد الفرنسية وهي معهد «هنري 4» بباريس، ثم معهد العلوم السياسية بباريس (2001) والمدرسة العليا للإدارة بمدينة ستراسبورغ (2002-2004)، إضافة إلى مؤسسات تربوية عريقة أخرى.

وخلال مشوراه الدراسي وقع إيمانويل ماكرون قبل أن يتجاوز الـ16 سنة في غرام مدرسة للغة الفرنسية تدعى برجيت ترونيو والتي كانت تكبره سنًا بعشرين سنة. لكن بما أن العشق لا يبالي بالسن ولا باللون تزوجها بعد بضع سنوات، وما زالت تشاركه حياته إلى اليوم.

ولعبت برجيت ترونيو دورًا أساسيًا في تألق نجم ماكرون سواء كان على الصعيد المهني أو السياسي، فمنحته الثقة الكافية لمواجهة التحديات التي يفرضها عالم السياسة على كل مرشح يريد أن يصل إلى المنصب الأعلى للسلطة. فبعد تخرجه في المدرسة العليا للإدارة في 2004، عمل كمفتش عام للمالية لمدة ثلاث سنوات، ثم انتقل بعد ذلك ليعمل في لجنة مهمتها إيجاد سياسة مالية تدعم الاقتصاد الفرنسي تحت رئاسة جاك أتالي، مستشار الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران.

وفي 2008 غادر عالم الإدارة العليا والتحق بمصرف «روتشيلد» ليكتشف أسرار البنوك والمالية، وفي حوار مع جريدة «لوموند» علق ماكرون عن خبرته البنكية قائلاً:«لقد تعلمت مهنة واكتشفت كيف يسير عالم المال والاقتصاد». وفي 2012 التحق بالرئيس هولاند وعمل مستشارًا اقتصاديًا إلى غاية 2014 ليعينه هولاند بعد ذلك وزيرًا للاقتصاد محل أرنو مونتبورغ الذي استقال من منصبه. وعن هذا التعيين قال ماكرون: «لقد طلبت من الرئيس أن يمنحني ساعة واحدة فقط للتفكير. كنت أريد أن أضمن أن تكون لي حرية كاملة في التصرف. في الحقيقة لست رجل النزاعات والخلافات، لكن الرئيس كان يدرك في نفس الوقت أنني قادر على الاستقالة في أية لحظة».

في 2012 التحق بالرئيس هولاند وعمل مستشارًا اقتصاديًا إلى غاية 2014 ليعينه هولاند بعد ذلك وزيرًا للاقتصاد محل أرنو مونتبورغ

ودامت عهدة ماكرون الوزارية سنتين (2014-2016) وظف خلالها خبرته في مجال البنوك لإعطاء دفعة جديدة للاقتصاد الفرنسي وتخفيض نسبة البطالة التي تطال ملايين الفرنسيين. لكن عندما غادر الحكومة اعترف بوجود عوائق كثيرة في الشركات والإدارات الفرنسية تحول دون القيام بإصلاحات عميقة وكفيلة بإخراج فرنسا من الأزمة التي تمر بها منذ سنوات عديدة.

ولم يشرح ماكرون سبب استقالته من منصبه ولم يكشف عما إذا كان يفكر آنذاك في خوض غمار الانتخابات الرئاسية أو إذا كان بصدد تأسيس حزب سياسي.  واختار ماكرون الطريق الأصعب للدخول في المُنافسة فرفض أولاً عرض الحزب الاشتراكي بالدخول في انتخاباته التمهديّة مُعللًا: «اليسار مقصى من الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية منذ 18 شهرًا. لا يوجد هناك مرشح سيتأهل إلى الدورة الثانية». فيما تساءل: «هل تعتقد مثلًا أن فالس سيُساند أرنو مونتبورغ في حال خسر الانتخابات التمهيدية؟ وهل تعتقد أن أرنو مونتبورغ وبنوا هامون سيُساندان مانويل فالس في حال فاز بالانتخابات التمهيدية؟».

جاء ذلك العرض ولم يكن ماكرون قد تحصل بعد على جميع التوقيعات اللازمة للترشح، ودعا كل المواطنين مهما كانت ميولاتهم السياسية إلى الالتحاق به من أجل إدخال فرنسا في القرن الحادي والعشرين». وخص بالذكر كل الذين آمنوا بمشروع فرانسوا أولاند الذي لم يتحقق حسب تعبيره وكل التقدميين الذين يؤمنون بالتغيير وبمستقبل زاهر.

عمل ماكرون في الظل بعيدًا عن أنظار الإعلام حتى تأسيس حركته «إلى الأمام» واستقطب إليها عشرات الآلاف من المساندين

وآتت تلك الدعوةُ أكلها حيث عمل ماكرون في الظل بعيدًا عن أنظار الإعلام حتى تأسيس حركته «إلى الأمام» واستقطب إليها عشرات الآلاف من المساندين، غالبيتهم من الشباب الذين يرون فيه رجلًا سياسيًا نظيفًا جاء بأفكار حديثة ويتحدث لغة أخرى غير لغة السياسيين التقليديين؛ إذ يعتمد ماكرون في خطاباته على كلمات عادية يستخدمها الجميع.

ولا يُمكن تصنيف إيمانويل ماكرون في خانة ما فهو لا ينتمي لليسار ولا اليمين. ورغم أنّه كان وزيرًا للاقتصاد في حكومة يسارية فإنّه لم يعلن ولو لمرة واحدة أنه يدعم التوجه اليساري أو الحزب الاشتراكي. وفي برنامجه الانتخابي يُؤكد على أنّه «لا يمين ولا يسار» حيث ندد بتطلعات فيون الشبيهة برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر وبـالانطوائية التي تدعو إليها مارين لوبان.

ويرى اليسار في ماكرون عدوًا له لأنّه رفض الانضمام إليهم كما أسلفنا الذكر، مما قد يفتت أصوات اليسار ويسمح لمُرشحة اليمين المُتطرف مارين لوبان فرصة في الفوز، حتى إن أولاند انتقد ترشحه بشكلٍ غير صريح قائلًا: «رهان (انتخابات 2017) هو رص للصفوف واللُحمة، ولا يُمكن لليسار خوض الانتخابات الرئاسية إذا لم يكن موحدًا».

نجمة اليمين
نقلت مارين لوبن حزب الجبهة الوطنية من وضع هامشي إلى لاعب قلب المشهد السياسي، وجعلت من نفسها منافسًا حقيقيًا على أمل أن تكون أول رئيسة لفرنسا وأول زعيم من اليمين المتطرف للبلاد منذ الحرب العالمية الثانية.

ولدت لوبان العام 1968 وهي ابنة اليميني المتطرف جان ماري لوبان، مؤسس حزب «الجبهة الوطنية» ورئيسه السابق، والذي قاده طيلة 40 عامًا ليتنازل عن رئاسته لمصلحة ابنته. ودرست لوبان المحاماة ومارستها وانتُخبت عضوًا في الاتحاد الأوروبي العام 2004، وأعيد انتخابها في العام 2009، وترأس حزب «الجبهة الديمقراطية» منذ العام 2011.

وكانت لوبان مرشحة الحزب للرئاسة الفرنسية في العام 2012، وحصلت على 14 في المئة من الأصوات في الجولة الأولى، إذ حلت ثالثة خلف الرئيس الحالي الاشتراكي فرنسوا هولاند، وغريمه السابق اليميني نيكولا ساركوزي. ودافعت لوبان عن الأفكار التي تتبناها الأحزاب اليمينية ليس في فرنسا فقط، بل في دول أوروبا كافة، إذ سعت دائمًا إلى تشكيل تحالف قوي بين الأحزاب اليمينية مثل «الجبهة الوطنية» و«التحرر النمسوي» و«فلامس بيلنغ البلجيكي» لضمان السيطرة على البرلمان الأوروبي.

وعُرفت بمواقفها ضد المهاجرين ودعوتها إلى ترحيل غير الشرعيين منهم، إذ يقوم مبدأها على أساس «الأولوية لمن يحملون الجنسية الفرنسية». وفي أغسطس الماضي فصل حزب «الجبهة الوطنية» مؤسِّسه جان ماري لوبان (87 سنة)، في محاولة للتخلّص من السمعة التي اكتسبها الحزب بأنه معادٍ للسامية، وتعزيز فرص ابنته مارين في مسعاها إلى الترشّح للرئاسة.

وقال الحزب في بيان: «قررت اللجنة التنفيذية للجبهة الوطنية، بالغالبية المطلوبة استبعاد جان ماري لوبان من العضوية». وتحاول لوبان التي تسلّمت القيادة من والدها في 2011 تغيير صورة الحزب وتحويله إلى قوة مناهضة للهجرة ومشكِّكة في الاتحاد الأوروبي تسعى إلى تطبيق سياسات الحماية التجارية.

خروج لوبن من عباءة والدها حافظت لوبن على الظهور بصورة أقل تشددًا حتى على حساب علاقتها بوالدها واستنكرت تعليقاته بأن غرف الغاز النازية مجرد «تفاصيل» تاريخية، كما طردت والدها من الحزب بشأن آرائه في العام 2015، إلا أنها أثارت غضبًا في وقت سابق هذا الشهر عندما أنكرت مسؤولية الدولة الفرنسية عن اعتقال الشرطة بأوامر ألمانية 13 ألف يهودي في باريس خلال الحرب العالمية الثانية.

المزيد من بوابة الوسط