ريما خلف.. «سيدة الحقائق» توقظ العالم بوثيقة محذوفة و«استقالة للتاريخ»

بتقرير لم تحتمل الأمم المتحدة تداعياته فحذفته سريعًا من وثائقها، وضعت الوزيرة الأردنية السابقة ريما خلف اسمها في قائمة الذين قالوا «لا» لازدواجية المعايير في الأمم المتحدة، ثم زادت على ذلك فسجلت بخطاب استقالتها من منصبها كمديرة تنفيذية للجنة أمينة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «الإسكوا»، بصمة خاصة سيصعب على من لاحقوها بالاتهامات خلال الأيام الماضية محوها، على الرغم مما يملكونه من نفوذ و«متنفذين».

وحمل خطاب الاستقالة الذي عده مراقبون بمثابة «وثيقة» جديدة تكشف حدود سيطرة المعايير المزدوجة على مواقف الأمم المتحدة، وكذلك خضوع أمينها العام البرتغالي أنطونيو غوتيريش لما سمته ريما خلف« ضغوط وتهديدات» من جانب «دول من ذوات السطوة والنفوذ» في إشارة إلى الولايات المتحدة التي قادت الحملة ضد «الإسكوا».
فقرات من التقرير.

«بوابة الوسط» تنشر فقرات من تقرير «الاسكوا» الذي سحبته الأمم المتحدة بضغوط أميركية

التقرير لم يأت بجديد إذ أنه تحدث عن ممارسات إسرائيل المعروفة بحق الشعب الفلسطيني، منتهيًا إلى أن دولة الاحتلال تمارس سياسة فصل عنصري «أبارتيد » كالذي كان متبعًا في جنوب أفريقيا قبل التسعينيات، وهو قول ظلت الأمم المتحدة تتبناه لأكثر من 15 عامًا، من خلال قرارها الشهير 3379 الصادر في العام 1975، باعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.

فقرات من التقرير
تألف التقرير الذي تنشر «بوابة الوسط» فقرات منه بعد أن حذف من موقع «الإسكوا» من 744 صفحة، إضافة إلى ملحقين. أما خلاصته التي أعلنتها ريما خلف من بيروت يوم الأربعاء الماضي ( 16 مارس)، فقالت إن «إسرائيل أقامت نظام فصل عنصري تجاه الشعب الفلسطيني بأكمله، يقوم على تفتيت هذا الشعب سياسيًا وجغرافيًا وعلى قمع الفلسطينيين حيثما وجدوا».

وأكد التقرير الذي يحمل عنوان «الممارسات الإسرائيلية نحو الشعب الفلسطيني ونظام الفصل العنصري»، أن إسرائيل أسست نظام أبارتيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأجمعه، وأن الوقائع والأدلة تثبت بما لا يدع للشك مجالاً أن إسرائيل بسياساتها وممارساتها مذنبة بارتكاب جريمة الفصل العنصري كما تعرفها مواد القانون الدولي.

إسرائيل أسست نظام أبارتيد يهيمن على الشعب الفلسطيني بأجمعه

وذكر التقرير أنه «رغم أن مصطلح الأبارتيد ارتبط في الأصل بحالة محددة هي حالة جنوب أفريقيا، فإنه أصبح يُطلق على نوع من أنواع الجرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي العرفي ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، الذي يُعرّف الأبارتيد (جريمة الفصل العنصري) بأنه: أية أفعال لا إنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وتُرتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام».

ويؤكد التقرير أن «قصد» الهيمنة العرقية يبدو ظاهرًا في عدد من القوانين والممارسات الإسرائيلية، بل يبدو النظام الإسرائيلي مصممًا لهذا الغرض بشكل جليّ في مجموعة القوانين الإسرائيلية، وخاصة مبدأ الدولة اليهودية، وهو ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك وجود الغرض والمقصد.

ويقدم التقرير بعض الأمثلة منها سياسة الأراضي، فالقانون الأساسي (ما يشبه الدستور) الإسرائيلي ينص على أنه لا يجوز بأي شكل من الأشكال نقل الأراضي التي تحتفظ بها دولة إسرائيل أو هيئة التطوير الإسرائيلية أو الصندوق القومي اليهودي، مما يضع إدارة هذه الأراضي تحت سلطة هذه المؤسسات بصورة دائمة، وتدير سلطة أراضي إسرائيل أراضي الدولة، التي تمثل 93 % من الأراضي ضمن حدود إسرائيل المعترف بها دوليًا، وهي قانونًا مُحرّم استخدامها أو تطويرها أو امتلاكها على غير اليهود، وهذه القوانين تجسّد مفهوم "الغرض العام" كما يرد في القانون الأساسي الإسرائيلي.

وقال التقرير: «رغم أنه يمكن تغيير هذه القوانين بالتصويت في الكنيست، فإن القانون الأساسي ينص على أنه يحظر على أي حزب سياسي الطعن في ذلك الغرض العام. هكذا يجعل القانون الإسرائيلي معارضة الهيمنة العرقية غير قانونية فعلاً».

الهندسة الديمغرافية تمثل أحد المجالات التي تخدم سياسات إسرائيل في الحفاظ عليها دولة يهودية

وأضاف التقرير أن الهندسة الديمغرافية تمثل أحد المجالات التي تخدم سياسات إسرائيل في الحفاظ عليها دولة يهودية. وأشهر قانون في هذا الصدد هو قانون العودة الذي يمنح اليهودي أيًا كان بلده الأصلي حق دخول إسرائيل والحصول على جنسيتها، في حين يحجب عن الفلسطينيين أي حق مماثل بصرف النظر عما يحملونه من وثائق وإثباتات.

وأوضح التقرير أنه منذ العام 1967 يعيش الشعب الفلسطيني في أربعة «فضاءات»، يُعامل فيها السكان الفلسطينيون معاملة مختلفة في الظاهر، لكنهم يتشاركون في الواقع اضطهادًا عنصريًا في ظل نظام الأبارتيد.

وذكر التقرير أن «هذه الفضاءات هي القانون المدني - المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون مواطنين في إسرائيل، وقانون الإقامة الدائمة المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون في مدينة القدس، والقانون العسكري المطبق على الفلسطينيين الذين يعيشون منذ العام 1967 في ظل الاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة، ومنهم من يعيشون في مخيّمات اللجوء، والفضاء الأخير تمثله السياسة التي تمنع عودة الفلسطينيين سواء كانوا لاجئين أم منفيين، يعيشون خارج المناطق الواقعة تحت سيطرة إسرائيل».

ردود فعل
استنادًا إلى التقرير دعا فلسطينيون ومنظمات دولية إلى عزل إسرائيل. وقالت الخارجية الفلسطينية (الخميس) إن التقرير يدق ناقوس الخطر، مضيفة أنه «يجب أن يقود إلى صحوة في المجتمع الإسرائيلي للضغط على حكومته لوقف احتلالها واستيطانها وممارساتها العنصرية، قبل أن يغرق المجتمع الإسرائيلي نفسه في نظام الفصل العنصري».

وانتقدت الخارجية الفلسطينية دعوة أطراف لم تسمها، في إشارة إلى الولايات المتحدة، لسحب التقرير، وقالت إن سحبه أو إخفاءه لن يخفي حقيقة ما جاء فيه.أما حركة المقاومة الإسلامية (حماس) فقالت إن التقرير يستدعي من المجتمع الدولي عزل إسرائيل ومحاكمتها، والعمل على إنصاف الشعب الفلسطيني.

واعتبرت الحركة التقرير الأممي انتصارًا للحق الفلسطيني، وبمثابة «دليل تأكيد على إرهاب الكيان الصهيوني وجرائمه بحق شعبنا الفلسطيني».

المرصد الأورومتوسطي: تقرير الإسكوا وثيقة مهمة يجب أن تدفع المجتمع الدولي لمساءلة إسرائيل

من جانبه رأى المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن تقرير الإسكوا، التي تضم 18 بلدًا عربيًا، بينها فلسطين وتعمل على تعزيز التعاون والتنمية، «وثيقة مهمة يجب أن تدفع المجتمع الدولي إلى تفعيل آلية لمساءلة إسرائيل دوليًا».

ودعا المرصد المجتمع الدولي إلى العمل الجاد من أجل وقف الحالة التي تتصرف فيها إسرائيل كدولة فوق القانون من خلال تطبيقها شتى «أشكال التمييز العنصري ضد الشعب الفلسطيني».

واستباقًا للهجوم الإسرائيلي المتوقع تحدثت خلف عن «أدلة قطعية تدعم هذه الخلاصة»، لافتة إلى أن «التقرير تم بناؤه وفق الاستقصاء العلمي»، غير أن ذلك كله لم يشفع للجنة التي أعدت التقرير لدى الولايات المتحدة التي طلبت رسميًا سحبه، ولا لدى إسرائيل التي تحركت بكثافة للتشكيك في مصداقيته، وكذا محاصرة ريما خلف بالاتهام التقليدي: «معاداة السامية».وعلى الرغم من تاريخ خلف الطويل في العمل بين جنبات الأمم المتحدة، سواء كمساعدة للأمين العام للأمم المتحدة ومديرة إقليمية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ( 2000 – 2006)، أو كرئيسة للمجلس الاستشاري لصندوق الأمم المتحدة للديمقراطية (2006-2007)، فإن المنظمة الدولية لم تستطع توفير الحماية الكافية لها في مواجهة الهجوم الأميركي، بل أنها تخلت عنها بطريقة غير مباشرة، ثم زادت على ذلك فقررت سحب التقرير من موقعها الرسمي على الإنترنت.

الأمين العام للأمم المتحدة ينأى بنفسه عن التقرير والمنظمة الدولية تقرر سحبه

ونأى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بنفسه عن التقرير، وقال إنه وضع دون مشورة مسبقة مع الأمانة العامة للمنظمة، فيما قال الناطق باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن التقرير نشر دون أي تشاور مسبق مع أمانة الأمم المتحدة، ولا يعكس وجهة نظر الأمين العام.

ولقي موقف الأمم المتحدة تقديرًا من السفيرة الأميركية لديها نيكي هايلي، التي أشادت بموقف غوتيريش وطالبت بسحبه كليًا، متضامنة في ذلك مع الموقف الإسرائيلي. ومع الإعلان عن سحب التقرير، عادت السفيرة الأميركية إلى الإشادة دون أن تتطرق لصحة ما جاء بمتن «الوثيقة» الأممية.

وقالت مندوبة واشنطن: «عندما يصدر شخص تقريرًا زائفًا وتشهيرًا باسم الأمم المتحدة، فمن المناسب أن يقدم هذا الشخص استقالته»، فيما قال مندوب إسرائيل داني دانون إن «قرار الأمين العام خطوة هامة لإنهاء التحيز ضد إسرائيل في الأمم المتحدة».

في المقابل رأت القوى الفلسطينية والإسلامية قرار الأمم المتحدة خضوعًا لضغوط إسرائيلية، منوهة إلى أن مضمون التقرير سيبقى شهادة على «الحقيقة العنصرية لإسرائيل».

وحذرت منظمة التعاون الإسلامي من أن سحب التقرير يشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها القائمة على «الفصل العنصري».
وأعرب الأمين العام للمنظمة، يوسف بن أحمد العثيمين، عن «أسفه العميق» لسحب التقرير الذي رأى أنه «يعبر بشكل موضوعي عن حقيقة سياسات إسرائيل القائمة على الاحتلال والاضطهاد والاستيطان والفصل العنصري».

وأضاف العثيمين أن «سحب تقرير الأمم المتحدة بشأن الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الفصل العنصري سيؤدي إلى نتائج عكسية، وسيحرم المجتمع الدولي من الوصول إلى استنتاجات هذه الوثيقة الموضوعية والمهنية، ويشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها القائمة على الفصل العنصري».

ريما خلف لأمين الأمم المتحدة:أتفهم القلق الذي ينتابك بسبب هذه الأيام الصعبة التي لا تترك لك خيارات كثيرة

ودعا العثيمين الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى «اتخاذ تدابير لوضع حد لسياسات إسرائيل العنصرية وانتهاكاتها المتواصلة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة».
في السياق نفسه قرر المندوبون العرب في الأمم المتحدة تشكيل وفد من مندوبي فلسطين وعُمان والعراق للقاء غوتيريش ومتابعة هذه القضية، وذلك بعد اجتماعً طارئ دعا إليه المندوب الفلسطيني رياض منصور.

أما ريما خلف نفسها فأعلنت تمسكها بكل ما جاء في التقرير، قبل أن تتقدم بخطاب استقالة، رأى مراقبون أنه يمثل في ذاته وثيقة إدانة للأمم المتحدة ومعها الولايات المتحدة وإسرائيل، مكررة بذلك ما فعله الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي، عندما دان العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان العام 1995، الذي عُرف يومئذ بـ«عناقيد الغضب».

وسجلت ريما خلف، المولودة في العام 1953، في نص استقالتها مآخذها على المنظمة الدولية، وأولها سيادة «ازدواجية المعايير» داخلها وخضوعها لضغوط القوى الكبرى، فضلاً عن ضعف الأمين العام في مواجهة التهديدات.

نص الاستقالة / الوثيقة
خاطبت ريما خلف الأمين العام قائلة: «لقد فكرت مليًا في الرسالة التي بعثتها لي من خلال مديرة ديوانك. وأؤكد أنني لم أشكك للحظة في حقك بإصدار تعليماتك بسحب التقرير من موقع الإسكوا الإلكتروني، كما لم أشكك في أن علينا جميعًا كموظفين لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة أن ننفذ تعليمات أمينها العام. وأنا أعرف على وجه اليقين التزامك بمبادئ حقوق الإنسان عامة وموقفك إزاء حقوق الشعب الفلسطيني خاصة. وأنا أتفهم كذلك القلق الذي ينتابك بسبب هذه الأيام الصعبة والتي لا تترك لك خيارات كثيرة».

ريما خلف لغوتيريش:ليس خافيًا علي ما تتعرض له الأمم المتحدة، وما تتعرض له أنت شخصيًا، من ضغوط وتهديدات

وأضافت: «ليس خافيًا علي ما تتعرض له الأمم المتحدة، وما تتعرض له أنت شخصيًا، من ضغوط وتهديدات على يد دول من ذوات السطوة والنفوذ، بسبب إصدار تقرير الإسكوا (الممارسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني ومسألة الأبارتيد). وأنا لا أستغرب أن تلجأ هذه الدول التي تديرها اليوم حكومات قليلة الاكتراث بالقيم الدولية وحقوق الإنسان، إلى أساليب التخويف والتهديد حين تعجز عن الدفاع عن سياساتها وممارساتها المنتهكة للقانون. وبديهي أن يهاجم المجرم من يدافعون عن قضايا ضحاياه. لكنني أجد نفسي غير قابلة للخضوع إلى هذه الضغوط».

وتابعت: «لا بصفتي موظفةً دوليةً بل بصفتي إنسانًا سويًا فحسب، أؤمن، شأني في ذلك شأنك، بالقيم والمبادئ الإنسانية السامية التي طالما شكلت قوى الخير في التاريخ، والتي أُسست عليها منظمتنا هذه، الأمم المتحدة. وأؤمن مثلك أيضًا بأن التمييز ضد أي إنسان على أساس الدين أو لون البشرة أو الجنس أو العرق أمر غير مقبول، ولا يمكن أن يصبح مقبولاً بفعل الحسابات السياسية أو سلطان القوة. وأؤمن أن قول كلمة الحق في وجه جائر متسلط، ليس حقًا للناس فحسب، بل هو واجب عليهم».

وأضافت: «في فترة لا تتجاوز الشهرين وجهت لي تعليمات بسحب تقريرين أصدرتهما الإسكوا، لا لشوائبَ تعيب المضمون ولا بالضرورة لأنك تختلف مع هذا المضمون، بل بسبب الضغوطات السياسية لدول مسؤولة عن انتهاكات صارخة لحقوق شعوب المنطقة ولحقوق الإنسان عمومًا».

ريما خلف: لقد رأيت رؤي العين كيف أن أهل هذه المنطقة يمرون بمرحلة من المعاناة والألم غير مسبوقة في تاريخهم

أكثر من ذلك قالت خلف: «لقد رأيت رؤي العين كيف أن أهل هذه المنطقة يمرون بمرحلة من المعاناة والألم غير مسبوقة في تاريخهم الحديث؛ وإن طوفان الكوارث الذي يعمهم اليوم لم يكن إلا نتيجة لسيل من المظالم، تم التغاضي عنها، أو التغطية عليها، أو المساهمة المعلنة فيها من قبل حكومات ذات هيمنة وتجبر من المنطقة ومن خارجها. إن هذه الحكومات ذاتها هي التي تضغط عليك اليوم لتكتم صوت الحق والدعوة للعدل الماثلة في هذا التقرير».

واستطردت قائلة: «واضعةً في الاعتبار كل ما سبق، لا يسعني إلا أن أؤكد على إصراري على استنتاجات تقرير الإسكوا القائلة بأن إسرائيل قد أسست نظام فصل عنصري، أبارتايد يهدف إلى تسلط جماعة عرقية على أخرى».

وتابعت: «إن الأدلة التي يقدمها التقرير قاطعة وتكفيني هنا الإشارة إلى أن أيًا ممن هاجموا التقرير لم يمسوا محتواه بكلمة واحدة. وإني أرى واجبي أن أسلط الضوء على الحقيقة لا أن أتستر عليها وأكتم الشهادة والدليل. والحقيقة المؤلمة هي أن نظام فصل عنصري، أبارتايد، ما زال قائمًا في القرن الحادي والعشرين، وهذا أمر لا يمكن قبوله في أي قانون، ولا أن يبرر أخلاقيًا بأي شكل من الأشكال».

وأضافت: «إنني في قولي هذا لا أدعي لنفسي أخلاقًا أسمى من أخلاقك أو نظرًا أثقب من نظرك، غاية الأمر أن موقفي هذا قد يكون نتيجة لعمر كامل قضيته هنا، في هذه المنطقة، شاهدة على العواقب الوخيمة لكبت الناس ومنعهم من التعبير عن مظالمهم بالوسائل السلمية».

وعليه وبعد إمعان النظر في الأمر قالت خلف، إنها: «أدركت أنني أنا أيضًا لا خيار لي. أنا لا أستطيع أن أسحب، مرة أخرى، تقريرًا للأمم المتحدة، ممتازَ البحثِ والتوثيقِ، عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. غير أنني أدرك أيضًا، أن التعليمات الواضحة للأمين العام للأمم المتحدة لا بد من أن تنفذ».

وختمت قائلة:«لذلك فإن هذه العقدة لا تحل إلا بأن أتنحى جانبًا وأترك لغيري أن يقوم بما يمنعني ضميري من القيام به. وإنني أدرك أنه لم يبق لي في الخدمة غير أسبوعين، لذلك فاستقالتي هذه لا تهدف إلى الضغط السياسي عليك. إنما أستقيل، ببساطة، لأنني أرى أن واجبي تجاه الشعوب التي نعمل لها، وتجاه الأمم المتحدة، وتجاه نفسي، ألا أكتم شهادة حق عن جريمة ماثلة تسبب كل هذه المعاناة لكل هذه الأعداد من البشر».