للحرب وجوه أخرى أفظع.. ثلاث مآسٍ في «الخندق الموحل» بالموصل

بسبب المعارك الحامية بمدينة الموصل بين القوات العراقية المدعومة دوليًّا، وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، يواجه المدنيون أوضاعًا مأساوية، تبدأ بالحرمان من الغذاء ولا تنتهي عند التشرد والاعتقال والتعذيب، حيث يوجد ما هو أقسى.

هناك؛ في المدينة التي حوَّلها تنظيم «داعش» في منتصف العام 2015 مركزًا لقيادته الرئيسية، ثم قررت الحكومة العراقية استعادتها، يوجد آباء يقفون على قارعة الطريق، حاملين جثث أطفالهم، في انتظار لحظة هدوء تمكِّنهم من مواراتهم الثرى.. وهناك أيضًا أمهات ينظرن من بعيد إلى ركام منازل تهدمت على أطفالهن الصغار، ولا يملكن القدرة على إخراجهن، حتى ولو موتى.

قال فيصل: «عندي 18 جثة أحتاج لدفنها. عائلة أخي.. الجثث ملقاة في الحديقة الآن»

في تقرير عن أوضاع هؤلاء المدنيين، التقت وكالة «رويترز»، شهاب عايد وعددًا آخر من الرجال، بينما كانوا يدفعون عربة تحمل جثتي ابنه وزوجته الملفوفتين في بطانية عبر خندق موحل على بعد ثلاثة كيلومترات من بيت الأسرة المتهدم في الموصل.

وخلفهم جاءت أربع عربات أخرى محملة بجثث قضى أصحابها نحبهم قبل أيام في غارات جوية، قال الرجال إنها أسفرت عن سقوط 21 قتيلاً من أقاربهم وجيرانهم في منطقة يسيطر عليها مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في وقت سابق من الأسبوع.
ابني أحمد
سحب عايد، العامل البالغ من العمر 40 عامًا، البطانية فظهر ابنه الوحيد أحمد - الذي مات وعمره ثلاثة أعوام ونصف العام -جثة هامدة مغمضة العينين وبالخد الأيمن فتحة كبيرة، وقال عايد: «الغارات دمرت ثلاثة بيوت».

سحب عايد، البطانية فظهر ابنه الوحيد جثة هامدة مغمضة العينين وبالخد الأيمن فتحة كبيرة

وأضاف: «مقاتلو الدولة الإسلامية كانوا يطلقون النار من بيتنا ومن الطريق في الخارج وكنا نختبئ في الداخل. وبعد 15 دقيقة وقعت الغارات».وقال والدموع تنهمر من عينيه: «أخرجنا الجثث من وسط الركام والآن سندفنها ثم أعود لبناتي الثلاث الباقيات».

وتابع أن روائح تحلل الجثث بدأت تفوح، لكن الوضع لم يصبح آمنًا بما يكفي لمغادرة الحي سوى الآن بعد اختفاء مقاتلي التنظيم منه ودفع العربات إلى مطار الموصل، حيث يمكن لحافلة نقل الجثث إلى أقرب قرية لدفنها.

ويعد أصحاب هذه الجثث أحدث ضحايا يسقطون عرضًا في المعركة المتصاعدة بين القوات العراقية المدعومة من الولايات المتحدة ومقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية المتحصنين في وسط الموصل، آخر معاقلهم الكبرى في العراق.

وقد أبدت جماعات حقوقية قلقها لتصاعد أعداد القتلى في صفوف المدنيين، إذ يقاتل مسلحو التنظيم من البيوت والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، ويرد الجيش العراقي والتحالف الذي تدعمه الولايات المتحدة على هذا التهديد باستخدام أسلحة ثقيلة لدعم القوات على الأرض.

أسر هاربة من الموصل تتحدث عن ارتفاع أعداد القتلى من المدنيين ومقاتلو «داعش»يفرون في كثير من الحالات

وتحدثت أسر هاربة من الموصل في الأسابيع الأخيرة عن ارتفاع أعداد القتلى من المدنيين في الغارات الجوية، وقالت إن مقاتلي التنظيم يفرون في كثير من الحالات قبل أن تسقط القنابل.
وقال محمد محمود، ضابط الشرطة السابق البالغ من العمر 40 عامًا، «عندما يرى التحالف قناصًا على بيت تمر خمس أو عشر دقائق قبل قصف البيت»وأضاف: «لكنهم لا يقتلون مسلحي داعش. فداعش ينسحبون والغارات تقتل المدنيين. أسر بأكملها».
ومن الأساليب التي لجأ إليها التنظيم منذ بدء الهجوم على الموصل في أكتوبر الماضي استخدام السيارات الملغومة والقناصة وإمطار القوات والسكان على السواء بالقذائف والاحتماء بين السكان المدنيين.

ويوم الجمعة، بينما كان عايد ومن معه يدفعون عربات الموتى كانت طائرات الهليكوبتر تقصف مواقع في الموصل، كما أطلقت قوات صواريخ «غراد» من منطقة بعيدة على المدينة.

أكياس الجثث
قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية إن المعركة التي تستهدف السيطرة على الشطر الغربي من الموصل «أقذر وأشد فتكًا بالمدنيين» من معركة استعادة الشطر الشرقي التي اكتملت فصولها في يناير الماضي.

وذكرت المنظمة أن وحدات وزارة الداخلية العراقية استخدمت في الآونة الأخيرة صواريخ غير موجهة في غرب الموصل.وأضافت في بيان: «إن طبيعتها العشوائية تجعل استخدامها في المناطق المأهولة بالمدنيين انتهاكًا خطيرًا لقوانين الحرب».

من ناحية أخرى تقول الأمم المتحدة إنها تلقت تقارير كثيرة عن مقتل مدنيين في الغارات الجوية.ولم يتضح عدد القتلى من المدنيين في حملة الموصل سواء على أيدي التنظيم بما في ذلك الإعدامات أو بنيران القوات العراقية والتحالف، وتباينت تقديرات السكان ومؤسسات الرقابة والجيش.ويعترف التحالف الذي يدعم القوات العراقية بالقوة الجوية والمستشارين العسكريين بالتسبب في وفيات غير مقصودة بين المدنيين.

جماعة حقوقية تُكذب الرواية الرسمية وتقدر عدد القتلى بما لا يقل عن 2590 مدنيًّا

وهذا الشهر قال الجيش الأميركي إن العدد الإجمالي من المدنيين الذي قتلته نيران التحالف منذ بداية العمليات ضد التنظيم العام 2014 في العراق وسورية يبلغ 220 فردًا.

وتقول جماعة «إيروورز» التي يديرها صحفيون لمراقبة الخسائر البشرية في صفوف المدنيين إن ما لا يقل عن 2590 مدنيًّا قُتلوا على الأرجح بنيران التحالف منذ العام 2014 من بينهم عشرات في الموصل في الأسبوع الأول من شهر مارس الجاري وحده.

وقال مسؤولون عسكريون إن قوات التحالف والقوات العراقية حرصت في الغالب على تحاشي سقوط قتلى بين المدنيين، وهو ما كان سببًا في إبطاء تقدم بعض العمليات الهجومية في شرق الموصل العام الماضي.

لكن معركة الشطر الغربي التي توجد فيها المدينة القديمة أصعب، واستطاع مقاتلو التنظيم تثبيت القوات العراقية أيامًا في بعض المناطق دون تحقيق أي تقدم يذكر.

وتبيِّن الشواهد أن مستوى التدمير أكبر، حيث سويت عشرات المنازل بالأرض وامتلأت طرق بالحفر الكبيرة من جراء الضربات الجوية.وفي حي المأمون، حيث كان الدمار واسعًا، كان أحد الرجال يسير بتثاقل يوم الثلاثاء الماضي في طريق يغطيه الوحل بحثًا عن أكياس للجثث.

وقال الرجل ويدعى فيصل بلهجة أقرب إلى تقرير الواقع: «عندي 18 جثة أحتاج لدفنها. عائلة أخي». وأضاف أن الجثث ملقاة في الحديقة الآن.