الانتخابات الرئاسية في فرنسا.. «بروتوس» يواجه اليسار ويفسد حلم اليمين بـ«الشانزليزيه»

بشعارات ورموز تركز على «قضايا المستقبل»، بدأ إيمانويل ماكرون الوجه الصاعد على مسرح السياسة الفرنسية حملته للفوز برئاسة الجمهورية التي كانت، حتى وقت قريب، شبه محسومة لصالح اليمين الساعي للاستفادة بالموجة الشعبوية حول العالم.

وقدم ماكرون (39 عاماً) نفسه، خلال مهرجان انتخابي أقامه مؤخراً في مدينة ليون، كوسطي يريد أن تكون فرنسا «أرض التجدد» عبر تحرير العمل وإعادة الالتزام بالشعار الوطني الذي يكاد يدخل طي النسيان «حرية - إخاء - مساواة»، على ما ذكرت قناة «فرانس 24».

وأظهر ماكرون أيضاً أنه يستطيع إخراج الشارع الفرنسي من حالة الاستقطاب المتزايد بين اليمين واليسار، لاسيما مع تنامي قوة المرشحة الشعبوية مارين لوبان التي تحلم بتكرار تجربة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في ظل استطلاعات رأي ترجح خوضها جولة الإعادة.

ماكرون، تحدث أمام 16 ألف من أنصاره عن «تجديد القيم الفرنسية»، دون أن يدير ظهره لـ«الأفكار التقدمية»

لكن ماكرون، الذي تحدث أمام 16 ألف من أنصاره عن «تجديد القيم الفرنسية»، دون أن يدير ظهره لـ«الأفكار التقدمية» ذات الطابع اليساري، سيكون مطالب بحكم هذا الاستقطاب، بعمل شاق يجنبه آثار هجوم مزدوج بدأ يستهدفه من جانب منافسيه، من اليسار كما اليمين.

وقال ماكرون، وسط تصفيق حاد: «أنا لا أقول لكم إن اليسار واليمين لم يعودا يعنيان شيئا، أو إنهما لم يعودا موجودين، أو إنهما الشيء نفسه، لكن ألا يمكن تجاوز هذه التقسيمات في لحظات تاريخية؟»، ما يعكس رغبته في التجاوز المبكر لانتقادات تلاحقه بالانقلاب على ماضيه.

وشغل ماكرون منصب وزير الاقتصاد (2014-2016)، لكنه تحول منذ استقالته في شهر أغسطس الماضي ليؤسس حركة «إلى الأمام»، إلى ظاهرة سياسية.

حركته «إلى الأمام»، استقطب عشرات الآلاف من المساندين، غالبيتهم من الشباب الذين يرون فيه الرجل السياسي النظيف

ولم يشرح ماكرون سبب استقالته من منصبه ولم يكشف عما إذا كان يفكر آنذاك في خوض غمار الانتخابات الرئاسية أو إذا كان بصدد تأسيس حزب سياسي، لكنه فضل العمل في الظل بعيداً عن أنظار الإعلام، حتى قرر تأسيس حركته «إلى الأمام»، التي استقطب عشرات الآلاف من المساندين، غالبيتهم من الشباب الذين يرون فيه الرجل السياسي النظيف الذي جاء بأفكار حديثة ويتحدث لغة أخرى غير لغة السياسيين الفرنسيين التقليديين.

ماكرون.. رجل المفاجآت
من يراجع سيرة ماكرون، سيجد أن نزوعه للمفاجآت ليس جديداً، فبعد مشوار دراسي ناجح توجه بالحصول على شهادة معهد العلوم السياسية بباريس (2001) والمدرسة العليا للإدارة بمدينة ستراسبورغ (2002-2004) إضافة إلى مؤسسات تربوية عريقة أخرى، قرر الانخراط في العمل السياسي، دون أن يظهر أي ولاء أيديولوجي أو تنظيمي.

وعلى المستوى الشخصي، ارتبط ماكرون، وهو لم يتجاوز الـ16 سنة بمدرسة للغة الفرنسية تدعى برجيت ترونيو كانت تكبره سنا بعشرين سنة، ثم تزوجها لاحقا، وصارت من بين أسباب نجاحه الرئيسية.

ويمثل دخول ماكرون سباق الانتخابات الرئاسية حلقة جديدة في مسيرته اللافتة، ذلك أنه تمكن خلال الأسابيع القليلة الماضية من جمع الآلاف من الأنصار الذين ينشدون التغيير.

ماكرون يؤكد على ضرورة ألا يكون هناك منبوذون ومنسيون في فرنسا مع تحسين القدرة الشرائية للمواطنين

وحسب أوديل دوكلو (63 عاماً) المدرسة المتقاعدة التي تسجلت عضواً في حركة «إلى الأمام» وشاركت في أول تجمع انتخابي لها في ليون «قبل اليوم كنت أنتخب الحزب الاشتراكي.

إلا أن زوجي، ومنذ سنوات عدة، يكرر أمامي أنه لا بد من تجاوز مفهوم اليمين واليسار، وأقنعني بإيمانويل ماكرون».

وعزز ماكرون هذه الصورة، بتأكيده المتكرر على ضرورة ألا يكون هناك منبوذون ومنسيون في فرنسا وضرورة تحسين القدرة الشرائية للمواطنين في حال انتخابه رئيسا للبلاد وبالدفاع عن مشروع متناغم يقوم على رؤية شاملة.

كما تعهد بخفض كلفة العمل للمؤسسات العمومية وإبقاء نظام العمل 35 ساعة في الأسبوع وتحسين القدرة الشرائية للموظفين.

وعلى الرغم من دوره في عهد هولاند، لا يصنف إيمانويل ماكرون في «خانة سياسية»، فهو لا ينتمي لليسار ولا لليمين. كما أنه لم يعلن ولو مرة واحدة أنه يدعم التوجه اليساري أو الحزب الاشتراكي. لا ينتمي بذلك لأي تيار سياسي تقليدي بل يشق طريقه برفقة مسانديه ويبلور أفكاراً جديدة أصبحت تلقى صدى كبيراً في المجتمع الفرنسي.

اليمين الفرنسي يصف ماكرون بـ«العميل» ويرى فيه عقبة أمام وصول مرشحه فرانسوا فيون إلى الشانزليزيه

ويصف اليمين الفرنسي ماكرون بـ«العميل» ويرى فيه المنافس الأشرس والذي يمكن أن يشكل عقبة أمام وصول مرشحه فرانسوا فيون إلى الشانزليزيه.

أما الحزب الاشتراكي فيطلق عليه «بروتوس جديد»، في إشارة إلي السياسي الفيلسوف الذي شارك في قتل الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر العام 44 قبل ميلاد المسيح، رغم أنه هو الذي صقل مسيرته ومنحه كل النعمات والخيرات.

وفي تقدير الاشتراكيين، يبدو ماكرون «مخادعاً» كونه خدع الرئيس فرانسوا هولاند الذي عينه وزيراً، بعدما عمل مستشارا له في قصر الإليزيه في 2012. كما تبدو استقالته بداية بحثه المنفرد عن السلطة العليا، دون أن يتساءل عن تداعيات الترشح ضد رئيس قدم له كل الدعم والمساندة من أجل البروز في الساحة السياسية الفرنسية والأوروبية، حسب «فرانس برس».

فرص ماكرون
لا تزال حركة «إلى الأمام» تجذب المزيد من الشباب ورجال الثقافة وحتى بعض السياسيين الذين أعلنوا مساندتهم لماكرون في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لكن الحزب الاشتراكي يرى فيه المنافس المباشر الذي يمكن أن يشتت صفوف اليسار ويسمح لزعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان بالتأهل إلى الجولة الثانية مثلما وقع في 2002 عندما جاء والدها جان ماري لوبان في المرتبة الثانية بعد جاك شيراك في حين استبعد ليونيل جوسبان ممثل اليسار.

ورغم النداءات التي وجهها له الحزب الاشتراكي لكي يشارك في الانتخابات التمهيدية مثل باقي المرشحين في صفه، رفض ماكرون الاستجابة لها بحجة أنه رجل حر لا يمكن وضعه في خانة سياسية ما.

استطلاعات الرأي تكشف للمرة الأولى أن ماكرون سينتقل إلى الدورة الثانية في السابع من مايو المقبل

وذكرت قناة «فرانس24» أن بعض المتتبعين للسياسة الفرنسية يصفون ماكرون بـ«الديمقراطي الليبرالي»، مشيرين إلى أنه «يلقى الدعم من الجناح اليميني للحزب الاشتراكي ومن بعض السياسيين من اليمين والوسط. كان مقرباً من رئيس الحكومة السابق الراحل ميشال روكار الذي أثر كثيراً في مساره السياسي».

وقالت «فرانس 24» إن ماكرون في طليعة الشخصيات السياسية المحبوبة من قبل الفرنسيين، مشيرة إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة، كشفت للمرة الأولى أن ماكرون سينتقل إلى الدورة الثانية في السابع من مايو المقبل، مع مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان. وفي هذه الحالة، سيتمكن من الفوز على لوبان بسهولة.

المزيد من بوابة الوسط