تايلاند.. ماذا بعد نهاية «موسم الأحزان»؟ (تقرير)

الحزن الذي يخيم على تايلاند منذ وفاة ملكها العتيد بوميبول أدولياديغ المعروف بـ«راما التاسع»، يوم الخميس الماضي، لا يعود إلي تقاليد شعبية متوارثة، ولا إلى شعبية الملك الراحل الذي قضى 70 عامًا في موقعه «المقدس» فحسب، وإنما أيضًا إلى الخوف على مستقبل المملكة الآسيوية ذات الصيت السياحي العالمي في عهد خليفته فاغيرالونغكورن.

وأوقف الحزن على الملك الراحل مظاهر الحياة في البلد الذي كان يُعرف قديمًا بـ«سيام»، فيما تسابق المواطنون إلى الشوارع لإظهار لوعتهم بأشكال متنوعة، ما دفع السلطة إلى تحذير التجار من التلاعب بأسعار الأقمشة السوداء التي تمثل مظهرًا تقليديًا للحداد. وبالتوازي، دعت السلطات السياح والمقيمين الأجانب إلى ارتداء ملابس داكنة والامتناع عن أي سلوك غير لائق أو مسيء، احترامًا للمشاعر الشعبية.

«فيسبوك» يضحي بـ82 مليون دولار احتراماً للحزن التايلاندي

في السياق نفسه، أعلنت شركة «فيسبوك»- في سابقة أولى بتاريخها- وقف عرض كل الإعلانات على شبكتها في تايلاند «في لفتة احترام لوفاة الملك»، مشيرة إلى أن ذلك يمثل «عرفًا ثقافيًا»، علمًا بأن تايلاند تُعد من أكبر أسواق الشبكة الاجتماعية بـ37 مليون مستخدم، كما أنها موطن أكثر هؤلاء المستخدمين نشاطًا، بحسب ما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

ويميل مستخدمو «فيسبوك» في تايلاند إلى النشر على الشبكة بمعدل أكبر بثلاثة مرات من متوسط النشر في مناطق العالم الأخرى، وذلك وفق ما لاحظ الرئيس التنفيذي للعمليات في مكتب الشركة في البلاد شيريل ساندبيرغ.

ولم توضح «فيسبوك» كم سيكلفها هذا القرار، لكن شركة أبحاث الإعلانات «أي ماركتر» قدرت أرباح الإعلانات التايلاندية على شبكة التواصل الاجتماعي بـ81.7 مليون دولار للعام الحالي.

مجموعة الموت
من جهة ثانية، ألقت حالة الحزن بأثرها على مسيرة المنتخب التايلاندي لكرة القدم في تصفيات مونديال روسيا 2018، فبينما لم تكشف السلطات التايلاندية موقفها من استمرار النشاط الرياضي، خلال فترة الحداد الرسمية، تعيش الفرق المنافسة أجواء من الغموض بشأن مصير مبارياتها المقبلة.

التصفيات الأسيوية لكأس العالم في انتظار قرار تايلاندي

ويلعب المنتخب التايلاندي في مجموعة الموت الآسيوية رفقة السعودية والإمارات والعراق واليابان وأستراليا، علمًا بأنه خسر مبارياته الأربع السابقة وتبدو فرصة في التأهل للمونديال شبه منتهية.

وكان مقررًا أن يحتضن ملعب «راجامانغالا» في بانكوك مباراة تايلاند وأستراليا، في 15 نوفمبر المقبل، في الجولة الخامسة من منافسات المجموعة، غير أن الاتحاد الأسترالي، أعلن أنه لم يتلق إخطارًا رسميًا بشأن مصير هذا اللقاء.

الأهم من ذلك، هو رفض ولي العهد «راما العاشر» البالغ من العمر 64 عامًا، التتويج ملكًا للبلاد إلا بعد انتهاء فترة الحداد الرسمي على والده، ما دعا السلطة إلى تعيين رئيس الوزراء الأسبق بريم تينسولانوندا (96 عامًا) وصيًا على العرش خلال هذه الفترة.

خلافة العرش
وحسب رئيس الوزراء التايلاندي، برايوث تشان أوتشا، فإن ولي العهد هو الذي طلب تأجيل مراسم تتويجه بسبب حزنه على والده، مضيفًا أنه دعا مواطنيه إلى عدم القلق بشأن العرش الشاغر، متمنيًا ألا يشعروا بالارتباك أو القلق إزاء شؤون الحكم، بما في ذلك خلافة العرش.

تطمينات ولي العهد غير كافية لطرد مخاوف مواطنيه

غير أن مختصين بالشأن التايلاندي رأوا أن هذا التطمين غير كاف للقضاء على مخاوف التايلانديين من الفراغ الذي خلفه الملك الراحل، صاحب الحكم الأطول والأكثر استقرارًا في تاريخ البلاد الحديث.

وكان بوميبول الذي تولى الحكم في العام 1946، إثر اغتيال شقيقه أناندا، بعد قرابة 14 عامًا من تحول بلاده إلى الملكية الدستورية، نجح في إقامة توازن بين السلطات، وفرض استقرارًا سياسيًا تضمن احتواء المؤسسة العسكرية التي ظلت مسيطرة على شؤون الحكم بدءًا من العام 1932 حتى العام 1957.

كما نجح «راما التاسع» في إعادة بعض الممارسات المتصلة بمكانة أسرته المعروفة بـ«سلالة شاكري» التي تحكم البلاد منذ العام 1782، ومن ذلك عادة السجود على اليدين والركبتين أمام الملك، باعتباره حامي البوذية ورمز الوحدة الوطنية.

عهد الانقلابات
وشهد عهد «راما التاسع »عدة انقلابات عسكرية أسست لعلاقة ملتبسة وشائكة بين مراكز السلطة في البلاد، وآخرها انقلاب 2014، إلا أن الملك الراحل ظل قادرًا- بدعم الموالين له- على استعادة زمام الأمور سريعًا، مع بقائه بعيدًا عن التدخل المباشر في الصراع السياسي المحتدم واحتفاظه بمكانته الرمزية لدى مختلف المكونات الاجتماعية بالبلاد.

«راما التاسع» حكم البلاد 70 عاماً ولم يتأثر بالانقلابات العسكرية المتكررة

ومعلوم أن تايلاند، ومعناها الحرفي: بلد الأحرار، تضم نحو 66 مليون نسمة يتوزعون على عدد من العرقيات أهمها التايلاند (75 %) ، والصينيون (14% ) والملايو (3%)، غير أن هذا التنوع النسبي يوازيه هيمنة للديانة البوذية التي يعتنقها نحو 95 % من المواطنين.

ثروة طائلة ونساء
أما الملك الجديد وهو الابن الوحيد لـ«راما التاسع» بجانب 3 بنات، فيحمل سيرة عسكرية متميزة، إذ تخرج من الكلية العسكرية الملكية في كانبيرا وعمل ضابطًا في الجيش التايلاندي وتدرب مع القوات البريطانية والأسترالية والأميركية وهو طيار عسكري مؤهل، سبق له أن أدى عمليات قتالية ضد الفيتناميين عبر توغل عسكري في الحدود الكمبودية التايلاندية.

لكن هذه السيرة غير كافية، كما يقول محللون، لطمأنة التايلانديين على مستقبلهم مع الملك الجديد البالغ من العمر 64 عامًا، خاصة في ظل الشائع عن سلوكياته المثيرة، وآخرها ظهوره مع زوجته الثالثة مرتديًا حمالة صدر، وجسمه مغطا بالوشم، على ما ذكرت صحيفة «بيلد» الألمانية، التي كشفت أيضًا عن شرائه فيلا في بافاريا لزوجته بتكلفة 10 ملايين يورو، علمًا بأن العلاقات النسائية تعد أبرز سمات الملك الجديد الذي عُرف أيضًا بقسوته الواضحة، خصوصًا مع أبنائه الذين جرد الكثير منهم من أسمائهم وألقابهم ويعيشون الآن في المنفى.

سيرة الملك الجديد ..سجل عسكري حافل و شخصي مثير للقلق

ويشكل المبلغ السابق نسبة لا تذكر من الثروة التي آلت للملك الجديد والتي تقدر بـ 59 مليار دولار، تعادل سدس إجمالي الناتج المحلي للبلاد، حسب تقديرات منشورة منذ العام 2014.

وتعد العائلة الملكية في تايلاند واحدة من أغنى العائلات في العالم، وذلك بفضل ما تملكه من عقارات وممتلكات يديرها «مكتب ممتلكات التاج»، الذي أنشئ العام 1936 وكانت تشرف عليها الحكومة المدنية، ولكن تغيرت الأوضاع في 1948، وأصبح له قانون كامل ينص على إعفاء جميع المؤسسات التابعة له من الضرائب على الدخل والشركات.

أملاك العائلة
ووفقًا لدراسة أجريت العام 2014 من قبل الأستاذ الجامعي التايلاندي بروفانت أويانونت، وأعادت صحيفة «لكسبريس» الفرنسية نشر مقتطفات منها، فإن هذه الهيئة تملك ما مجموعه 59.4 مليار دولار، فضلاً عن حصص في قطاعات الأشغال العامة والمصارف والتأمين والعقارات.

وتبلغ عائدات المكتب المعفية من الضرائب حوالي 300 مليون دولار سنويًا. وقالت الصحيفة إنه وفقًا للقانون يمكن للملك أن يتصرف بعائدات المكتب ويعين مديرًا له، ويمكن استخدام الأموال لنفقات العائلة الملكية ولتمويل ظهور الملك في الأماكن العامة ولصيانة القصور الملكية وكل النفقات تحتاج إلى توقيع الملك وليس أي نواب له أو موكل عنه.

أملاك الأسرة الحاكمة تُقدر بـ 59 مليار دولار وينظمها قانون خاص

ولا يعد سجل فاجيرالونجكورن الحافل بالتصرفات الغريبة هو المصدر الرئيس للقلق المتزايد من صعوده إلى السلطة، فهناك أيضا علاقته الشخصية مع رئيس الوزراء المخلوع وإمبراطور الأعمال تاكسين شيناواترا، الذي قدم له سيارةً فاخرة عند انتخابه لأول مرة عام 2001.
ويرى محللون أن المخاوف من حصول فاجيرالونجكورن على قاعدة دعم بين الناخبين ، كانت سبباً رئيساً في الانقلابات التي أطاحت بتاكسين ومن ثم شقيقته ينجلوك شيناواترا -رئيسة وزراء أيضاً- من السلطة، عامي 2006 و2014.
ومع ذلك، بدأ جنرالات الجيش – خلال العامين الماضيين - في التودد إلى ولي العهد ، أملاً في توطيد علاقاتهم معه بدلاً من تركه فريسةً لضغوطات منافسٍ سياسيٍ منفي.

المزيد من بوابة الوسط