ناجون من مركب رشيد المصرية يسردون «قصص الموت»

خطط المصري الشاب متولي محمد للوصول إلى أوروبا عبر البحر، لتحقيق حلمه بالعمل هناك، ورفع مستوى معيشة عائلته، لكن حلمه تحطم مع غرق مركب كان يقله مع 450 مهاجرًا، الأربعاء، قبالة رشيد (نحو ٣٠٠ كلم شمال القاهرة)، توفي 42 منهم.

وتم إنقاذ 163 شخصًا في مدينة رشيد التي تلتقي فيها مياه نهر النيل الهادئة بأمواج البحر المتوسط. وكشف نحو عشرة ناجين تحدثوا لـ«فرانس برس» عن وجود نحو ١٠٠ شخص في ثلاجة المركب الغارق.

42 قتيلا من بين 450 راكبًا راحوا ضحية «حلم الوصول لأوروبا» في عرض البحر المتوسط

ويرقد متولي (٢٨ عامًا) الذي يعمل حدادًا، في الدور الثاني من مستشفى رشيد العام، ويده اليسرى مربوطة بالأصفاد في سريره المعدني، فيما علقت له محاليل طبية في يده اليمنى. وقد جاء من محافظة الشرقية الفقيرة في دلتا النيل. يقول الشاب: «جازفت بحياتي وحياة ابني وزوجتي كي يعيشوا حياة كريمة، لأن الأسعار باتت لا تحتمل، زوجتي وابني لا أعرف أين هما، لقد نجوت وحدي، ويا ليتني لم أنج. سأظل أشعر بالذنب طول عمري». ولم يدفع متولي أي نقود قبل سفره، لكنه اتفق مع المهرب على دفع خمسين ألف جنيه لوسيط في إيطاليا، وكان يحلم بالعمل «أي شيء» في أوروبا.

ولقي أكثر من عشرة آلاف مهاجر حتفهم في البحر المتوسط عند محاولتهم الوصول إلى أوروبا منذ 2014 منهم 2800 منذ بداية 2016، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. ويضع المهربون مئات المهاجرين غير الشرعيين في مراكب متهالكة ما يعرضها للغرق في منتصف الطريق بفعل الأمواج العالية.

على مقربة من سرير متولي، يرقد الشاب بدر عبد الحافظ (٢٨ عامًا) يذرف الدموع في صمت. ويقول باقتضاب: «كنا ٤٠٠ تقريبًا (في المركب). كنت مع زوجتي وثلاثة أطفال، وكلهم ماتوا»، ثم ينفجر بالبكاء. وكان على متن مركب الصيد مصريون وسودانيون وصوماليون وسوريون يسعون إلى الوصول إلى إيطاليا، «أرض الأحلام» بالنسبة إلى المهاجرين غير القانونيين. ولا تتجاوز قدرة المركب على الاستيعاب المئة.

ويقول أحمد محمد (٢٧ سنة) في مستشفى رشيد: «مال المركب على جنبه وبدأ يغرق. كان ذلك كيوم القيامة. كل واحد يحاول إنقاذ نفسه». وسبح أحمد نحو عشرة كيلومترات قبل أن يتم انتشاله، مضيفًا: «مَن يعرف السباحة، راح يسبح، وتركوا النساء والأولاد».

على الشاطئ، بدأ عدد من أهالي المهاجرين المفقودين يفقدون صبرهم، الخميس، مع مرور الوقت وتضاؤل الآمال بالعثور على ناجين، بينما خرجت ثلاثة مراكب صيد للمشاركة في عمليات الإنقاذ مع خفر السواحل. سيدة متشحة بالسواد جلست على العشب بين النخل صرخت «فقط أريد جثته»، في إشارة إلى ابنها، فيما تحاول سيدات أخريات مواساتها.

مركز شرطة رشيد قسم الناجين الى مجموعتين الأولى تضم نحو سبعين شابا غالبيتهم من الجنسية المصرية والاخرى تضم نحو ٣٠ افريقيا وسوريين.

في الدور الأرضي لمركز شرطة رشيد، قسمت السلطات الناجين إلى مجموعتين، الأولى تضم نحو سبعين شابًا غالبيتهم من الجنسية المصرية ولا تتجاوز أعمارهم ١٧ عامًا والأخرى تضم نحو ٣٠ أفريقيًّا وسوريين؛ فيما أفترش نحو ٥٠ ناجيًّا الممرات في أدوار المركز، حيث تم تقديم مياه وملابس لهم.

ويقول أحدهم، وهو الطالب المصري محمد أحمد (١٧ عامًا) إنه استدان ٢٠ ألف جنيه لتحقيق حلم أسرته بالوصول لأوروبا والعمل فيها، متابعًا: «كل شيء ارتفع ثمنه هنا. لن أتمكن من جمع تكاليف الزواج في مصر. قلت أفكر في السفر لإيطاليا لتكوين نفسي.. كنت مع ١٠٤ أشخاص في الثلاجة على المركب، وأنا وصاحبي فقط مَن خرج منها».

على مقربة منه، تمددت السودانية سمية (٣٤ عامًا) التي دفعت ألفي دولار للوصول إلى زوجها في أوروبا. وتقول: «عدد كبير من الناس الذين كانوا في الثلاجة ماتوا. المركب أنقلب وأُقفلت الثلاجة عليهم، وغرقوا».

ويوضح نقيب في الشرطة، رفض ذكر اسمه، أن «النيابة ستجري تحقيقاتها مع الناجين للوقوف على ملابسات الحادث ومحاولة الوصول لعصابات المهربين ثم ستفرج عنهم جميعًا».
ويقول شرطي آخر إن قوات حرس الحدود تحبط محاولات هجرة غير شرعية بشكل يومي.

وأصبحت مصر نقطة انطلاق جديدة لآلاف الأفارقة والسوريين الراغبين في الهجرة هربًا من الحروب والنزاعات، فضلاً عن مئات الشباب المصريين الحالمين بفرص عمل وحياة أفضل.

 

 

المزيد من بوابة الوسط