معركة حلب.. حسم كاذب أم ضربة قاضية؟!

بين هذين الاحتمالين، تتراوح تقديرات المحللين لسير المعارك في كبرى مدن الشمال السوري، فهناك من يرى في التقدم اللافت لقوات المعارضة ضربة حاسمة ستسحب البساط من تحت أقدام نظام بشار الأسد، لكن آخرين يجزمون بأن المسار العام للأزمة كلها محكوم بعوامل أكثر تعقيداً، أهمها الإرادات الدولية المتنافرة.

وتكتسب المواجهات في حلب أهمية كبيرة، بحسبان أن نتيجتها ستحدد صيغة أي حل سياسي للأزمة من جهة، وستؤثر في الوضع الإنساني المتدهور بالمدينة من الجهة الثانية، علماً بأن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) قد حذرت أخيراً من كارثة إنسانية محدقة بأهالي المدينة في حال استمرت المعارك.

وقالت هناء سنجر، ممثلة اليونيسيف في سورية: «الأطفال والعائلات في حلب يواجهون وضعاً خطيراً، فانقطاع (المياه والكهرباء) يأتي وسط موجة حر شديد، وهو ما يجعل الأطفال يواجهون احتمال الإصابة بأمراض تنقلها المياه. حياة الأطفال في خطر حقيقي».

الأمم المتحدة: أكثر من مليوني شخص في حلب معرضون للخطر إذا وقعوا تحت الحصار الكامل

وتخشى الأمم المتحدة من أن أكثر من مليوني شخص في حلب معرضون للخطر إذا وقعوا تحت الحصار الكامل، ودعت إلى فتح سبل المدينة التي تتعرض لقصف شديد، فوراً. ودعا مسؤول الإغاثة التابع للأمم المتحدة في سورية، يعقوب الحلو، والمنسق الإقليمي، كيفين كينيدي، في بيان الاثنين الماضي إلى «هدنة إنسانية» بالمدينة التي يعيش بها مليونا شخص، منهم 300 ألف تحت الحصار.

وكان جيش الفتح (جبهة النصرة سابقاً) سيطر في أقل من أسبوع على عشرات الكيلومترات جنوب حلب، بما في ذلك قواعد عسكرية تابعة لجيش النظام؛ مثل كلية المدفعية، والمدرسة الفنية الجوية التي مثلت معاقل ضخمة للنظام مليئة بالعتاد والمقاتلين.

وزاد من أهمية هذا التطور أن «جيش الفتح» والجماعات المسلحة الأخرى تمكنت من تجاوز الخطوط الدفاعية الأولى التي حصنها جيش النظام جيداً، في حين بدا سلاح الجو الروسي عاجزاً عن فعل أي شيء لإنقاذ جيش النظام والميليشيات الداعمة له.

وأرجع مراقبون تقدم المعارضة إلى تلقيها أسلحة جديدة من قوى إقليمية، وهو أمر نفاه أبو حمزة الحموي قائد «أجناد الشام» أحد فصائل جيش الفتح، حيث أكد في تصريحات صحفية أنهم استخدموا أسلحتهم التقليدية المعتادة، موضحاً أنهم لم يتلقوا أي دعم استثنائي.

واعتبر الحموي أن التحام الفصائل ووحدة كلمتها هو السبب وراء هذا التقدم، معرباً عن تفاؤله بفرص نجاح معركة فك حصار حلب، بينما ذكر الناطق باسم «جبهة فتح الشام»، أبو أنس الشامي، ان مقاتلي جيش الفتح نجحوا في تشتيت قوات النظام وميليشياته من خلال فتح جبهة زاد طولها على عشرين كلم في وقت واحد، مما أدى إلى تشتيت سلاح الجو وشل قدرة النظام على إرسال تعزيزات.

للأطلاع على (38) من «صحيفة الوسط» أضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

وأضاف الشامي أن قيادة «جيش الفتح» بعد أن قامت بالرصد والاستطلاع «توكلت على الله ولم تنتظر دعماً من أحد، فكسر المقاتلون الحصار في أقل من أسبوع نتيجة التوكل على الله والاعتصام به». أما جريدة «فايننشال تايمز» فألمحت إلى أن الهجوم ضد قوات الأسد في حلب تم بمساعدة خارجية، مشيرة إلى أنها استقت هذه المعلومات من مقابلات أجريت مع بعض النشطاء والثوار السوريين الذين طلبوا عدم إظهار هويتهم نظراً لحساسية الموضوع.

وقال أحد النشطاء الذين يتحركون بين الحدود السورية ـ التركية «أحصينا على الحدود عشرات الشاحنات التي تحمل الأسلحة، وهذا الأمر كان يتم يومياً ولمدة أسابيع؛ أسلحة ومدفعية، ولا نتحدث فقط عن بعض الذخائر والبنادق». وأكد اثنان من المسلحين أن عملية نقل الأموال واللوازم كانت مستمرة لأسابيع، وأنهما يعتقدان بأن هذه الأموال واللوازم كانت تأتي من داعمين إقليميين، وأنها كانت ترسل في شاحنات عبر الحدود التركية مع سورية، فيما ذكر آخرون أن المسؤولين الأميركيين الذين يدعمون قوات المعارضة المعتدلة غضوا الطرف عمداً على مشاركة جبهة «فتح الشام» في الهجوم لضمان إبقاء المعارضة على موطئ قدم لها في حلب.

وأشارت الجريدة إلى أن الداعمين الخارجيين للثوار زاد إحباطهم من تفويت المواعيد التي تم تحديدها لمحادثات السلام التي تتوسط فيها الولايات المتحدة وروسيا، حيث كان الموعد الأخير في الأول من أغسطس وتجاهلته واشنطن وموسكو.

 هل تكون معركة حلب بداية النهاية للأزمة السورية المشتعلة منذ 5 سنوات؟ أم أنها مجرد حلقة جديدة في دراما تأبى أن ترسو على شاطئ؟

وأعلنت قوى المعارضة عن نيتها البدء بالهجوم على كامل مدينة حلب فيما سمته «معركة تحرير حلب»، وهو ما ينذر -حسب مراقبين- بحرب قد تطول مدتها، خصوصاً أنها ستدور داخل أحياء سكنية، يصعب على طيران النظام و حلفائه الروس أن يسيطروا على أجوائها.

ويعني ذلك أن معركة حلب التي توصف بـ«المنازلة الكبرى» لن تفضي إلى حسم ميداني في المدى القريب، ما يبقى الأزمة برمتها رهناً بتناقضات القوى الدولية خاصة روسيا المتمسكة ـحسبما قال مبعوثها في مجلس الأمن خلال جلسة عقدت لبحث الوضع في حلب- بضرورة توقف عمليات المسلحين قبل بدء أي مفاوضات بين الحكومة والمعارضة، والولايات المتحدة التي تصر على تحميل الأسد مسؤولية تعثر جهود حل الأزمة وإنقاذ مواطنيه من المأساة الراهنة.

وعكست مداخلات ممثلي القوى الدولية خلال جلسة مجلس الأمن الدولي صعوبة التوصل إلى نقطة وسط يمكن الانطلاق من خلالها، لوقف التدهور على الساحة السورية، فيما حمل البيان الختامي صيغاً فضفاضة تدعو في العلن لوقف القتال وحماية المدنيين، لكنها تقر ضمنياً بأن الحرب في سورية مستمرة إلى حين!.

المزيد من بوابة الوسط