د. عوض القويري لـ«بوابة الوسط»: نقص هذه الأدوية ينبئ بكارثة صحية في ليبيا

د. عوض القويري (بوابة الوسط)

تخيلته حوارا جافا لا يعرف سوى لغة الحقائق والأرقام، حوارا مع طبيب ومسؤول، غير أن البعد الإنساني لم يغب للحظة؛ فالدكتور عوض محمد القويري مدير عام المركز الوطني لتشخيص وعلاج مرض السكري في بنغازي، استفاض في الحديث – بكل وفاء – عن أستاذه الراحل الدكتور عثمان الكاديكي، الذي وصفه بأنه المؤسس الحقيقي للقطاع الصحي في ليبيا.

وجاء هذا الحوار، على هامش زيارة القويري إلى مصر لحضور مؤتمر دولي عن السكري، فتحدث عن المركز الوطني ببنغازي، وعن الوضع الصحي في البلاد وخاصة ما يتعلق بمرض ومرضى السكري، مع ذكريات خاصة جدا تكشف الكثير من الألغاز والأسرار.. وإلى تفاصيل الحوار.

توثيق ونظام
يقول الدكتور عوض القويري: «لدينا توثيق كامل لمرض السكري، من خلال تسجيل المرضى وتاريخهم المرضي، والوضع في ليبيا لا يختلف عن الوضع العالمي، بل نعتبر في حال أفضل من كثير من دول المنطقة، فبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية توصلت الدراسات إلى أن نسبة الإصابات من 14% إلى 17% وهذه معدلات لا تخرج عن المعدلات العالمية».

ويكمل: «هذه المعدلات هي نتيجة لتغير ظروف الحياة، فالناس يميلون إلى الركون والركود، مع الاعتماد على الأطعمة السريعة (fast food) والمحليات سريعة الامتصاص والمشروبات المحلاة، وكلها مواد وسلوكيات ساعدت على تفاقم السمنة، وهي البوابة الرئيسية للسكري، قديما كانت السمنة عربيا صفة نادرة، لكن الوضع الآن اختلف تماما فمعظم الناس يعانون من السمنة ولو بدرجات متفاوتة، حتى الأطفال باتوا معرضين للإصابة بالنوع الثاني من السكري.. وهذه النقطة تحديدا كانت أساس المؤتمر العربي للسكري».

إشارة: أقيمت في القاهرة، الأسبوع الماضي، فعاليات «المؤتمر العربي للسكري الثاني عشر» ( Arab Diabetes Forum) المعروف بالاختصار (ADF) بمشاركة ليبيا.

السمنة
ويشير الدكتور القويري إلى أن القضاء على السمنة هو مفتاح القضاء على كثير من الأمراض الخطيرة، ومنها السكري وبعض أنواع السرطانات والقلب ومشاكل الهيكل العظمي.

وعن تأثير تفشي وباء كورونا وبقاء الناس في منازلهم لفترات طويلة وتأثير ذلك في زيادة انتشار أمراض السكري، قال القويري مدير عام المركز الوطني لتشخيص وعلاج مرض السكري في بنغازي، إن منظمة الصحية العالمية أشارت إلى انتشار وتفاقم كثير من الأمراض المرتبطة بقلة الحركة، لهذا أوصت بحرية الحركة وممارسة الرياضة، شريطة ارتداء الكمامة طالما هناك اختلاط، إضافة إلى الحفاظ على التباعد الاجتماعي ووجود مسافة آمنة بين الأفراد في نفس المكان.. العالم الآن مقتنع بأن الكمامة هي العامل الأساسي في مكافحة فيروس كورونا لذا يوصي باستخدامها حتى بعد الحصول على اللقاح.

ويواصل بقوله إن ليبيا قررت خطة ناجحة، فعندما بدأ الحظر تطوع الكثير من الأطباء لتقديم الخدمة للمرضى والمواطنين بشكل عام «عن بعد» عن طريق التواصل مع الناس في بيوتهم بمختلف الطرق سواء الاتصال هاتفيا أو خدمة واتساب وفايبر والرسائل القصيرة sms، وتمكنا بالفعل من توجيه المرضى للتعامل مع السكري والأمراض المزمنة الأخرى.

وكما يوضح القويري، فإن مركز بنغازي هو أول مركز متخصص في أمراض السكري أنشئ في ليبيا، على يد الدكتور عثمان الكاديكي، في 20 أبريل 1969 في الجزء الجنوبي الغربي من مستشفى بنغازي الكبير، الذي عرف فيما بعد بمستشفى الجمهورية.

المؤسس الحقيقي للقطاع الصحي في ليبيا
وبالمناسبة هذا المستشفى تاريخي، وللأسف لم يعد له وجود الآن، فقد أُنشئ العام 1920 وكان الناس يميزونه باسم المستشفى الكبير، نظرا لوجود مستشفى آخر كانت مساحته أصغر، وأكثر ما ميز المستشفى «الكبير» موقعه، حيث أقيم على حدود مدينة بنغازي، فكان بمثابة حدٍ للمدينة، وبقايا السور ما زالت موجودة لذلك فهو تاريخ، واليوم الذي هدم فيه كان بمثابة كارثة، وذلك نظرا لقيمته التاريخية كما كان يضم مخابئ أثناء الحروب العالمية.

وحسب القويري، أنشأ الكاديكي هذا المركز، في إطار إطلاقه لعدد من البرامج الوطنية، لهذا يمكن أن نقول إن الدكتور الكاديكي هو المؤسس الحقيقي للنظام الصحي في ليبيا، إذ أطلق البرنامج الوطني لمكافحة الدرن في العام 1968، والبرنامج الوطني للسكري في العام 1969، من خلال أول مركز على مستوى العالم متخصص في تشخيص وعلاج السكري وتسجيل المرضى، والبرنامج الوطني لمكافحة البلهارسيا والتراكوما (Trachoma) والملاريا والجذام العام 1969 واستمر حتى العام 1973 حتى تم القضاء على هذه الأمراض الخطيرة البلهارسيا والملاريا والتراكوما والجذام، لهذا فله الفضل في إنقاذ ملايين الأروح من الليبيين من هذه الأمراض، كما أن مرض التراكوما مثلا سبب في فقدان البصر لدى كثير من الليبيين قبل أن يشرع الدكتور عثمان في إطلاق البرنامج الوطني والقضاء على هذا المرض. وميزة هذه الرجل أنه كان ينشيء البرنامج ثم يسلمه لمن يقوده بعده حتى يتمكن من إطلاق برامج أخرى.

مكافحة الدرن
يوضح القويري قائلا إن الكاديكي مثلا أنشأ المركز الوطني لمكافحة الدرن في خمس مدن ليبية كبيرة، وهذا المركز يحتوي على أجهزة الىشعة وكذلك العلاج، وكان هناك نظام للتسجيل خاص بالمركز، حيث يدخل المريض فيتلقى العلاج الرئيس لمدة 30 يوما، وبعدها يتلقى علاجا بالحبوب لمدة ثمانية أشهر ولضمان تلقي العلاج كانت الشرطة تتولى ضبط من لا يكمل العلاج وتجبره على تلقيه، لأن التهاون في هذا الأمر كان يسبب للمريض أن تنمو داخله بكتيريا مقاومة وهو ما يعني كارثة بالمعنى الحرفي للكلمة، كما أنشأ البرنامج الوطني للكلى في بنغازي.

ويشير الدكتور عوض القويري إلى أن الدكتور عثمان الكاديكي، تولى مسؤولية طب المناطق الحارة، ثم عميدا لكلية الطب من 1973 حتى 1976 عندما «أخرج بطريقة مهينة من قبل أعضاء اللجان الثورية ومنع من ممارسة العمل الحكومي لمدة خمسة عشر عاما»، وبالمناسبة هو الوحيد الذي كان يحمل الزمالة البريطانية من إدنبرة وجلاسكو وحاصل على ست دبلومات في الطب وهو الوحيد الذي يحمل كل هذه الدرجات العلمية في الوطن العربي، وفق القويري.

ويوضح الدكتور عوض القويري أن الكاديكي هو أيضا من وضع أسس التطعيمات في ليبيا، وأشهر تطعيم أدخله إلى البلاد وكان ذلك للمرة الأولى عربيا، هو تطعيم الدرن.

ويقول القويري إن ليبيا شهدت انهيارا تاما لمنظومة الصحة في ليبيا خلال فترة الثمانينيات، وسافر جميع الأطباء العرب تاركين مركز السكري في بداية التسعينيات، وتقاعد الدكتور عثمان في بداية التسعينيات، فكلن المركز وقتها خاليا على عروشه من الأطباء والمرضى في زحام.. كل شيء انهار بسبب سوء الإدارة في ذلك الوقت.

وعن تخصصه في أمراض السكري، يقول القويري: «كنت أنوي التخصص في الجراحة، وبالفعل بدأت في ذلك، قبل أن ألتقي بالدكتور عثمان وكان وقتها خارجا من محنة وفاة ابنته، إذ ظل عشر سنوات في بيته حزينا عليها، ووقتها حين تقابلنا سألني: (هل تخرجت لتكون طبيبا حقا أم أنك فقط تريد أن يقال إنك طبيب)، وطلب مني أن أزوره في المركز، فذهب بدافع الحياء، غير أنني من اليوم الأول للعمل معه تغير كل شيء، فالناس فعلا كانوا يحتاجون إلى وجودنا، ورحت أساعد في فحص المرضى».

ويواصل: «تعلمت من أساتذتي أخلاق الطب، فقد رأيت بعيني أساتذتي مثلا وهم يلبسون المرضى أحذيتهم بكل تواضع وإنسانية.. وكذلك تعلمت من الدكتور عثمان الكثير من أخلاقيات الطب، وألا أخجل من السؤال وألا أتحرج من قول إنني لا أعلم، فعلينا أن نبحث للوصول إلى ما لا نعرفه».

 تهريب الإنسولين من ليبيا
يضيف: «حين توليت إدارة الخدمات في المركز، في العام 1996، واجهت معاناة كبيرة لتوفير الأدوات والمحاليل.. وفي العام 2000 توليت إدارة المركز، لتبدأ المواجهة مع (الغول) الذي كان يسيطر على قطاع الصحة في ليبيا وقتها، فبعض المسؤولين الكبار كانوا يبيعون الإنسولين الذي يأتي لليبيا من الشركتين الرئيستيين في العالم، إحداهما أميركية والأخرى دنماركية، وكانت ليبيا وقتها هي الدولة العربية الوحيدة التي يدخلها الإنسولين بشكل رسمي، فيما اكتشف أن هذا الإنسولين يهرب إلى بعض الدول المجاورة رغم أن الشركات المصنعة لم تكن تورد إنتاجها لهذه الدول، ما دفعها لطلب التحقيق في الأمر.. من خلال التحقيق اكتشفت أن شخصيات بالصحة وراء تهريب هذه الأدوية التي كانت تحمل علامات تميزها عن غيرها مثل (not for sale) .. وبعد مواجهات صدر قرار بإقالتي وأغلقوا مكتبي ورغم ذلك واصلت العمل كطبيب».

ويقول الدكتور القويري: «بعدها انتقلت إلى المرج وكان لي دور في إعادة تنظيم المركز، وفي العام 2010 تدخل الدكتور عثمان لإعادتي إلى مركز السكري ببنغازي وحتى الآن».

ويوضح: «لدينا الآن منظومة صحية تخص مرض السكري وهي منضبطة للغاية، وتحولنا حاليا إلى البطاقة الإلكترونية والموقع الإلكتروني ما يعني أن أي من مرضانا يمكن أن يحصل على خدمة طبية على أعلى مستوى حتى ولو كان خارج ليبيا، فكل ما عليه أن يتابع مع طبيبه من خلال البطاقة والموقع عبر الإنترنت.. كذلك فعلنا استخدام الرسائل القصيرة sms للتواصل مع المريض وإبلاغه بكل التفاصيل سواء مواعيد الكشف أو تلقي العلاج وكذلك للتواصل في حالة الطواريء».

عوائق
يكشف القويري مدير عام المركز الوطني لتشخيص وعلاج مرض السكري في بنغازي وجود مشكلتين في عملية التطوير هذه، وهما يخصا المريض نفسه، أولهما تتعلق بالاسم، فكثير من الناس لهم اسم رسمي مسجل في الأوراق واسم آخر يعرفه به الناس، وبعضهم حين يعطينا اسمه يبلغنا بالاسم غير الرسمي، وهو ما يحدث مشكلة في عملية التسجيل. والمشكلة الثانية تمثلت في رقم الهاتف المحمول، فنحن نطلب الرقم للتواصل مع المريض عن طريق الرسائل التوعوية أو تلك التي تحمل معلومات وتعليمات علاجية، وحين تطلب رقم سيدة مثلا يرفض زوجها ذلك ويعطينا رقمه الشخصي، وحين ترسل الرسائل قد يغفل عن إبلاغ زوجته أو ابنته أو أخته بها سواء بعدم الاهتمام أو بالتأخر في عملية الإبلاغ أو نسيان الأمر تماما، كما أن بعض الناس كانوا يعطوننا الرقم ثم يقومون بتغيير الشريحة والحصول على رقم جديد دون إبلاغنا».

ويشدد القويري على أن مرض السكري يضرب جميع أجهزة الجسم، ولذلك فهو لا يحتاج إلى علاج فقط، بل إلى متابعة دورية لأعضاء الجسم بإجراء الفحوصات والتحاليل.

ويضيف: «مشكلة أخرى تواجه المرضى لكنهم يهملونها، لأسباب اجتماعية خاطئة وهي الضعف الجنسي، فالعلاقة بين مرض السكري والجنس وطيدة، إذ أنه غالبًا الأشخاص المصابون بمرض السكري يعانون من الضعف الجنسي.. لهذا فالمصاب بالضعف الجنسي لا يذهب للطبيب من باب إنه (عيب) أن يفعل ذلك.. هي ثقافة يجب تغييرها، كما يجب تغيير ثقافتنا تجاه مرض السكري بشكل عام، لنركز أكثر على عملية الوقاية التي تحمينا من الإصابة بالسكري من الأساس».

كارثة صحية
وعن أبرز المشاكل التي تواجه القطاع الصحي في ليبيا حاليا، يقول القويري إن الأمر يتمثل في عدم وجود ميزانيات ثابتة وكافية، في ظل وجود نقص كبير جدا بل «انعدام» وجود الأدوية خاصة أدوية الأورام وسيولة الدم والسكر والقلب، وأهم الأدوية التي تؤثر في حياة المواطنين مثل أدوية الأورام وسيولة الدم، مع وجود نقص شديد في علاج مضادات مرض السيولة المعروف بالهيموفيليا، موضحا: «وإذا لم تتدارك الحكومة والبرلمان هذا الموضوع سنقع في ورطة كبيرة جدا لا يحمد عقباها».

وعن التوعية والوقاية، يقول الدكتور عوض محمد القويري مدير عام المركز الوطني لتشخيص وعلاج مرض السكري في بنغازي: «أولا على المواطن أو مريض السكر أن يعرف من هم الناس العرضة للإصابة بالسكري، وهم: من يعانون وزنا زائدا، ومن شارفوا على الأربعين ولديهم إصابة بالضغط، ومن لديهم نسبة دهون مرتفعة والسيدة التي وضعت طفلا وزنه يفوق ثلاثة كيلوغرامات ونصف الكيلوغرام، عليهم تجنب تناول السكريات والبعد عن النشويات مع الإكثار من تناول الألياف (في الخضروات خاصة، فضلا عن ممارسة الرياضة، وكذلك يجب إجراء الفحوصات بشكل دوري».

د. عوض القويري، يسار (بوابة الوسط)
د. عوض القويري (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط