«كورونا» يفاقم أوجاع سكان «زقاق السرطان»

مصنع دينكا في منطقة ريزرف بولاية لويزيانا الأميركية في 12 أغسطس 2021 (أ ف ب)

ظهرت خلال العقود القليلة الماضية أكثر من مئة مصفاة ومصنع بتروكيميائي، في ولاية لويزيانا الأميركية، كخلايا سرطانية في جسم هذه البقعة الجغرافية، الممتدة على طول 140 كيلومترًا.

هذا التشبيه يناسب تمامًا تداعيات التلوّث الناجم عن هذه المنشآت، الذي أدّى إلى انتشار السرطان بنسبة كبيرة بين سكّان المنطقة، وفق «فرانس برس».

أهلًا بكم في «كانسر آللي» (زُقاق السرطان). هنا، بين نيو أورلينز وباتون روج، يُعرّض التلوث الصناعي السكان - ومعظمهم من الأميركيين السود - لخطر الإصابة بالسرطان بنسبة تفوق الـ50 ضعفًا من معدل الإصابات في الولايات المتحدة، وفقًا لوكالة حماية البيئة الأميركية.

وناضل ناشطون بيئيون طيلة سنوات من أجل تنقية الهواء والتربة والمياه. لكن «زقاق السرطان» تصدَّر عناوين الصحف لسبب آخر في ربيع العام المنصرم. فقد شهدت إحدى مقاطعات لويزيانا أعلى معدّل وفيات جرّاء الإصابة بفيروس كورونا في الولايات المتّحدة.

وقال روبرت تايلور، 79 سنة، وهو أحد سكّان مقاطعة سانت جون ذي باتيست «انتشر (الفيروس) في المجتمع بكامله، وكان الناس مرعوبين».

وكان الفيروس يودي يوميًا بحياة ثلاثة أشخاص في ذروة الموجة الأولى من الإصابات بـ«كورونا» في أبريل 2020 في هذه المنطقة التي تسكنها 43 ألف نسمة، ممّا سجّل رقمًا قياسيًا حينها في الولايات المتّحدة.

ويروي أنجيلو برنارد (64 سنة) الذي أمضى نصف حياته في العمل بمصفاة «ماراثون»، مرتديًا زيّا أزرق قديمًا مطرّزًا باسمه «لقد غيّر ذلك طريقة عيشنا».

ويضيف: «هنا في مجتمعنا المحلّي في ريزرف، كنّا نمضي كل أوقاتنا سويًا (...) غير أنّني لا أخرج حاليا إلّا عند الضرورة».

التلقيح
منذ ذاك الوقت، أُصيب حوالي 13% من سكّان المقاطعة بفيروس كورونا، وقد فاقم تفشي متحوّرة «دلتا» الوضع، إذ ارتفع عدد الإصابات بقوة خلال الأسابيع القليلة الماضية.

إلّا أن عدد الوفيات لم يتخط الثمانية خلال الصيف، ربّما بفضل تلقيح ما يُقرب من نصف عدد سكّان المقاطعة التي سجّلت إحدى أعلى نسب الإقبال على التلقيح في ولاية لويزيانا (39.4%).

وكان سكان المقاطعة قد تهافتوا على تلقّي اللقاح المضاد لفيروس كورونا بعد مأساة العام 2020.

ويقول روبرت مور عشية عيد ميلاده الثمانين: «أقبلنا على تلقي اللقاح فور علمنا بفعاليته».

وكان روبرت مور قد كرّس معظم حياته للعمل في مصنع «دوبون» الذي وظّف الكثير من سكّان ريزرف منذ إنشائه عام 1968.

وأقيم المصنع في موقع مزرعة قديمة وهو يضم شبكة أنابيب متشابكة تمتدّ اثنتان منها باتجاه نهر مسيسيبي المجاور لسحب المياه العكرة. واشترته شركة «دينكا» اليابانية العام 2015.

هذا المصنع هو الموقع الوحيد في الولايات المتحدة الذي ينتج مادّة نيوبرين (مطّاط صناعي) المستخدمة بشكل خاص لتصنيع بزات الغوص والقفازات والعوازل الكهربائية.

ولإنتاج هذه المادة، يستخدم هذا المصنع الكلوروبرين، وهو منتج كيميائي صنّفته وكالة حماية البيئة الأميركية العام 2010 على أنّه مادة مسرطنة محتملة.

وحدّدت حينها الوكالة حدًّا أقصى لانبعاث الكلوروبرين الموصى به عند 0.2 ميكروغرام لكلّ متر مكعّب.

معرضون للخطر
لم يُفاجأ روبرت تايلور كثيرًا بفضيحة التلوث الصناعي، لأنّه لطالما تساءل حول سبب تفشّي السرطان في أنحاء بلدة ريزرف؛ حيث أُصيبت أيضًا والدته وأخته وزوجته وبعض أبناء إخوته.

وحين تفشّى فيروس كورونا هناك، لاحظ تايلور نتائج ضعف جهاز السكّان المناعي بعد تعرّضهم طيلة سنوات للانبعاثات الكيميائية السّامّة من معمل «دوبون-دينكا».

ويقول: «حذّرونا من أننا معرضون للخطر (...) وأثبت فيروس كورونا بطريقة رهيبة أنّ هذا صحيح».

ويقول الناطق باسم شركة دينكا: «إنّ الاتهامات لا أساس لها ولا تستند إلى أي دليل علمي».

ويشرح خوليو فيغيروا المتخصص في الأمراض المعدية في جامعة ولاية لويزيانا، كيف أنّ «بعض المواد الكيميائية يمكن أن يكون لها بلا شك تأثيرات على جهاز المناعة»، مشيرًا إلى أن «الكثير من الأمراض والتحديات الاجتماعية والعوامل الاجتماعية والاقتصادية» تجعل السكّان «معرضين للخطر».

وكان الرئيس الأميركي جو بايدن اعترف بوجود «زقاق السرطان» بعد فترة وجيزة من دخوله البيت الأبيض، معبّرًا عن استعداده «للاستجابة للكوارث الصحية والبيئية والاقتصادية (التي تثقل كاهل) مجتمعات أصحاب البشرة الملونة» في الولايات المتحدة.

وأكثر من 60% من عدد سكان ريزرف البالغ عددهم 9000 نسمة هم سود، إضافة إلى كون معدل الفقر يساوي ضعفين ونصف ضعف المعدل الوطني للفقر.

ويضاف إلى الأزمة الاقتصادية ما وصفه خبراء الأمم المتحدة بـ «العنصرية البيئية» بحيث كانت الأرض خصبة لوقوع كارثة صحية عندما تفشّى وباء «كوفيد-19».

ويأمل أنجيلو برنارد أن تكون هذه المحنة الجديدة فرصة للولايات المتّحدة للتغلب على انقساماتها. ويقول: «يسمح الله بحصول هذا كله لسبب ما. وعلينا أن نجد الطريقة الصحيحة للالتقاء، لتلقيح الناس».

المزيد من بوابة الوسط