التحرر من الاضطرابات النفسية بالتحدث عنها

صورة التقطت في 19 أغسطس 2021 للفنانة كراكس من شنغهاي وهي ترسم في أحد المقاهي (أ ف ب)

نتيجة لوتيرة الحياة السريعة، تشهد الصين زيادة كبيرة في عدد حالات القلق والاكتئاب، في ظل مجتمع يصم «المجاهرين» ممن يعانون من الاضطرابات النفسية.

فالفنانة كراكس من شنغهاي أخفت مدى سنوات معاناتها الاضطراب الثنائي القطب، الذي تتناوب لدى المصاب به فترات من السعادة الشديدة والحزن العميق. ولم يكن على علم بمرض كراكس سوى عائلتها وأقرب الأصدقاء إليها، وفق «فرانس برس».

وقالت الشابة (24 عاما) طالبة عدم ذكر اسمها الحقيقي: «يعتقد الناس أننا مجانين وأننا غير قادرين على الاندماج في المجتمع أو أننا نمضي حياتنا في مستشفى للأمراض النفسية».

وكان عقد العمل في وظيفتها السابقة ينص صراحة على أن أي اضطراب نفسي يمكن أن يؤدي إلى الفصل، وهذا ما دفعها إلى إخفاء تقلبات مزاجها وأفكارها الانتحارية.

أما اسمها المستعار كراكس (أي «شقوق» بالإنجليزية) فمستوحى من أعمالها التي تعتبرها بمثابة فتحات يمكن أن «تتيح دخول الضوء» إلى حياتها الحافلة بالاكتئابات «المؤلمة».

وتمثّل رسومها بالأبيض والأسود امرأة محاطة بأيدٍ ذات مخالب أو بفكين حادين. وتشرح أن الفن هو الطريقة الوحيدة لتعبّر عن ألمها ولكي تشعر بأنها «طبيعية».

وكراكس هي واحدة من نحو 173 مليون صيني يعانون اضطرابات نفسية، وفقًا لدراسة نشرت العام 2019 في مجلة «ذي لانست» العلمية. ولا تخضع الغالبية العظمى منهم لأي علاج.

ضعف
وأشارت تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن 54 مليون صيني يعانون الاكتئاب، في حين أن لدى 41 مليونًا منهم قلقًا مرضيًا.

وأعربت الحكومة الصينية العام الماضي عن قلقها، وتعهدت تعزيز وعي العامّة وتحسين سبل الحصول على العلاجات اللازمة. لكن الطريق إلى تحقيق ذلك لا يزال طويلاً.

فثقافة العمل قوية في الصين، وغالبًا ما يُنظر إلى الاضطرابات النفسية على أنها علامة على الضعف، وفق ما يؤكد تشن مينغيوان، وهو أمين معرض في شنغهاي مخصص لهذا الموضوع، يضم أعمال كراكس ونحو 80 فنانًا آخر.

ولا يزال اللجوء إلى العلاجات النفسية في بداياته في الدولة الآسيوية العملاقة. فالمرضى أنفسهم يشككون أحيانًا في فعالية هذه العلاجات، ويترددون في السعي إليها خشية الوصمة، على ما أفادت ليو غاويو، وهي معالجة نفسية من شنغهاي.

لكنّ الاختصاصية (25 عامًا) لاحظت مع ذلك أن الشباب الصينيين باتوا اليوم أقل تمسكًا ببعض الأحكام المسبقة في ما يتعلق بالاضطرابات النفسية.

إلا أن الصين تواجه نقصًا في المتخصصين في هذا المجال. وقالت ليو غاويو «ثمة القليل من الأساتذة لعدد كبير ممن قد يختارون دراسة الطب النفسي. إنها مشكلة مهمة».

وشدَّد طبيب نفسي طلب عدم ذكر اسمه لوكالة «فرانس برس» على ضرورة أن تصبح الصحة النفسية أولوية في مجال الصحة العامة، وإلا فإن الأشخاص المعنيين «سيظلون يعانون»، على قوله، و«لن يتمكنوا من العيش والعمل بشكل صحيح».

غير لامعين
إلا أن المشكلة ليست بهذه البساطة؛ إذ إن التوسع المُدني والوتيرة السريعة للحياة في الصين يؤديان إلى ضغط متزايد في ما يتعلق بالوظائف والمداخيل.

ويشكّل الشباب الفئة الأكثر عرضة للتأثر؛ إذ غالبًا ما تكثر الضغوط عليهم من والديهم للزواج وشراء مسكن وإنجاب أطفال في أقرب وقت ممكن، ما قد يؤدي إلى مزيد من القلق.

وشرحت المعالجة ليو غاويو أن «الشباب في الصين مختلفون عن أولئك» المنتمين إلى دول أخرى، إذ يخفون أمر اضطراباتهم النفسية تجنبًا لانتقادات ذويهم.

فالإفصاح عن اضطراباتهم لأهلهم «يعادل اعترافًا منهم بأنهم ليسوا لامعين؛ لا بل بأنهم غير أسوياء عقليًا»، بحسب أمين معرض شنغهاي تشين مينغيوان. وشدد على أن «هذا التكتم يحدّ من إمكان شفائهم». ويضاف إلى ذلك أن كُثرًا من كبار السن أو سكان القرى الصينيين ينظرون بريبة إلى علماء النفس.

وأقرّت ليو غاويو بأن والدها لا يستسيغ عملها كمعالجة نفسية، ولا ينفك ينصحها... بالتقدم لوظيفة في القطاع العام، نظرًا إلى أن العمل في الإدارات الحكومية يوفر استقرارًا أكبر في نظر الصينيين.

ورسم فنان آخر مشارك في معرض شنغهاي هو تشين تشي، لوحات تعكس صراعه مع القلق. وتواظب والدته على انتقاده لكونه، في رأيها، حبس نفسه في قفص وهمي صنعه هو بنفسه.

وقال تشين تشي «علينا أن نتحدث عن هذه الاضطرابات النفسية (...) وإلا فسيبقى جزء كامل من الناس في الظل».

المزيد من بوابة الوسط