«قطاع الرؤوس» يمزجون العلم بالسحر

صورة ملتقطة في 5 فبراير 2020 تظهر هتان بي تأخذ عينة من الدم من مريض لاجراء فحص ملاريا في لاهي في شمال غرب بورما (أ ف ب)

يمتزج العلم بالسحر لدى قبائل «ناغا» في أقاصي بورما، التي عُرفت بقطع رؤوس خصومها في السابق، لهذا لا تعجب حين ترى هتان بي تشخص الملاريا بالاعتماد على الطب المعاصر، فيما تضحي والدتها بدواجن لراحة الأرواح في الأدغال.

ففي قرية ساتبالاو شاونغ في أقصى شمال بورما قرب الحدود الهندية، توارثت عائلة هتان بي طقوس الشامانية عبر الأجيال. وهم يستقبلون المرضى طلبًا للشفاء وأيضًا الأشخاص الراغبين في تساقط الأمطار أو لمرافقة أرواح الموتى، وفق «فرانس برس».

جانغ نغون والدة هتان بي، هي آخر المعالجات في هذه الجماعة. وتقول: «ضحينا بدجاجة» لنطلب من الأرواح معالجة مريض وبالفعل «أجدى ذلك نفعًا».

أما هتان بي (24 عامًا) فتلقت تدريبًا على مبادئ الطب المعاصر في هذه المنطقة النائية، التي يتعين التنقل بالقوارب والدراجات النارية لأكثر من تسع ساعات أحيانًا قبل بلوغ المدينة الأقرب.

وتؤكد الشابة وهي جالسة أمام منزلها المصنوع من الخيزران، الذي تستخدمه كعيادة، أنها لا تتنافس مع والدتها. وتقول: «الناس يقصدونني أولاً ثم يتوجهون إليها عندما لا يلحظون تحسنًا في صحتهم».

طالع: الجماجم والأوشام تميز آخر محاربي قبائل بورما

ويتوزع أفراد شعوب الناغا في بورما البالغ عددهم نحو 400 ألف شخص، على عشرات القبائل ذات اللهجات المتقاربة والعادات الخاصة التي تمزج الطقوس الإحيائية مع شعائر مسيحية، أدخلتها بعثات من المرسلين في السنوات الأخيرة.

وتواجه أفراد القبائل من شعوب ناغا في حروب على الأراضي، وصل الأمر خلالها إلى قطع رؤوس أعدائهم لرفعها كغنائم.

استمرت هذه الممارسات حتى ستينات القرن الماضي، بحسب بعض الشهادات. ويقول زاو مين لاي المدير الإقليمي لمنظمة «ميديكل أكشن ميانمار» غير الحكومية التي تزور أفراد هذه القبائل مرة شهريًّا، إن «اللغة والنقص في وسائل النقل والاتصال تشكل أبرز التحديات».

الملاريا وكساح الأطفال
ويرتكز نجاح منظمته على شبكتها الواسعة، إذ تلقى متطوع تدريبًا في كل القرى الـ275 التي تقطنها قبائل الـ«ناغا» وهو يقيم فيها باستمرار. وتقضي مهمته بتوزيع الأدوية الأكثر شيوعًا من المسكنات إلى أملاح الترطيب مرورًا بوسائل الكشف عن السل وخصوصًا الملاريا.

وتراجع هذا المرض بنسبة 90% في بورما بين 2010 و2017 وفق منظمة الصحة العالمية، لكنه لا يزال يطرح مشكلة لدى هذه القبائل من قاطعي الرؤوس السابقين، إذ أنه يحصد المزيد من الأرواح في صفوفهم. ويعالج الأطباء المتدربون أيضًا باستمرار إصابات بمرض كساح الأطفال الناجم عن النقص في الفيتامين «د. ».

ويسعى فريق زاو مين لاي لمعرفة سبب الانتشار الكبير لهذا المرض في أراضي قبائل «ناغا»، حيث سُجلت نحو 300 حالة. ومن الفرضيات المطروحة سوء التغذية والاستعداد الوراثي ونقص الشمس في الأدغال الكثيفة.

واستحال دور هؤلاء الأطباء المتدربين ضروريًّا على مر السنوات، خصوصًا في موسم الأمطار عندما يصبح سلوك الطرقات متعذرًا بفعل الوحول وانزلاقات التربة ما يترك القرى في عزلة تامة.

كذلك تساعد المنظمة غير الحكومية في حالات ترتدي طابعًا طارئًا أكثر، في نقل المرضى إلى المستشفى الأقرب، حسب «فرانس برس».

ويوضح مون وهو مزارع في سن الثلاثين: «ليست لدينا دراجات نارية أو أموال لدفع ثمن التنقل بدراجات الأجرة».

لكن بموازاة دخول الطب المعاصر إلى القرية، يسجل تراجع في طقوس الشامانية. وتنصح جانغ نغون القرويين الأكثر تعليمًا بالتوجه نحو الطب المعاصر.

وتقول: «أنا أتقدم في السن وبصري يتراجع»، وهي تدرك أن أحدًا لن يضطلع بدورها كمعالجة تقليدية بعد رحيلها.