حياة جديدة لنساء معنفات بفضل أطباء الأسنان

تايس دي أزيفيدو في صورة في منزلها في ساو باولو في البرازيل (أ ف ب)

لا يقتصر دور الأسنان على مضغ الطعام، فالأفواه ذات الأسنان المحطمة غالبًا ما تعكس حياة محطمة، وراءها قصص مآساوية.

وتعاني ملايين النساء في البرازيل تعنيفًا منزليًّا على أيدي شركائهن، وفي معظم الحالات يوجه الرجال ضرباتهم على وجوههن وأسنانهن بغية تشويههن وتحطيمهن نفسيًّا.

عانت أنا كلوديا روشا فيريرا سوء المعاملة على أيدي شركاء لها مذ كانت في الخامسة عشرة، وقد خلف ذلك العنف خسائر جسدية ونفسية، حسب «فرانس برس».

وقالت فيريرا: «لم يتبقَ لي ألا أربع أسنان أمامية. لم أكن أخرج لأنني كنت أشعر بالإحراج». وهي تعتبر من بين المحظوظات.

استردت ثقتها بنفسها وعادت ترتسم الابتسامة على وجهها بفضل طبيب الأسنان أرماندو بيفا، وهو جزء من شبكة غير حكومية من المتطوعين الذين يعيدون بناء أسنان النساء المعنفات وحياتهن.

وقالت روشا إن ترميم أسنانها كان بمثابة «حلم» بالنسبة إليها وقد غير حياتها. لكن قبل استعادة ابتسامتها المشرقة، مرت روشا ببعض الأوقات القاتمة.

طالع أيضا: افتتاح مركز خدمات الأسنان في طرابلس بعد إقفاله 6 أشهر

وروت الشابة السوداء البالغة 39 عامًا، التي تعمل في شركة لتصميم الغرافيكس: «بدأت الاعتداءات الجسدية عندما كنت أبلغ 15 عامًا وكنت وقتها حاملًا بابنتي الأولى».

وتابعت: «بدأ (شريكي) يلكمني فتركته. لكن بعد ذلك، راح والد ابنتي الثانية يضربني. سقطت أسناني واحدة تلو الأخرى».

وأشارت روشا التي تعيش في أحد الأحياء الفقيرة في منطقة ساو كريستوفاو في ريو دي جانيرو إلى انه في مدن الصفيح الفقيرة هذه، «يقول الرجال إنهم يحبون ضرب نسائهم كي لا يعجب بهن أحد. وهم يتركون بصماتهم على وجوههن».

لم تترك روشا شريكها الثاني الذي كان يعنفها لأنها لم تكن تملك الأموال اللازمة لتقوم بتلك الخطوة. كما أنه لم يكن بمقدورها الذهاب إلى منزل والدتها التي طردتها في سن مبكرة.

وقصة والدتها مشابهة لقصتها، فهي عنفت طيلة حياتها ولم يتبقَ في واجهة فمها إلا سن واحدة، وفق روشا التي أضافت: «لم أبتسم منذ كنت في الثامنة عشرة».

وذات يوم، بعثت برسالة على «إنستغرام» لممثلة كانت معجبة بها جدًّا. لم تطلب مالًا لكنها طلبت المساعدة قائلة فيها إنها تريد أسنانًا جميلة مثل أسنان الممثلة. استجابت الممثلة لطلبها وجعلت روشا تتواصل مع أطباء الأسنان المتطوعين.

استغرقت عملية ترميم الأسنان التي أجراها بيفا لروشا نحو سنة في عيادته العصرية في حي بارا دا تيهوكا في ريو دي جانيرو.

وهو لجأ إلى تقنية زرع الأسنان لإعادة بناء ابتسامة روشا وثقتها بنفسها. وأعربت روشا عن سعادتها الكبيرة بهذا الأمر وقالت: «لن أقبل بعد الآن أن أتعرض للضرب مرة أخرى».

قالت 27 % من بين 16 مليون امرأة في البرازيل إنهن تعرضن لنوع من الإيذاء الجسدي أو النفسي العام الماضي، وفقًا للمنتدى البرازيلي للأمن العام. ومن بين تلك الحوادث، 42% كانت حالات عنف منزلي وكانت النساء السوداوات الأكثر تعرضًا.

وتعتبر هذه الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية من أكثر البلدان عنفًا مع 57 ألف جريمة قتل حدثت في العام الماضي وحده. وتسببت الأزمة الاقتصادية المتواصلة بـ12 مليون شخص عاطل عن العمل ويائس وهذا الأمر من شأنه أن يكون أرضًا خصبة للعنف ضد المرأة. وقال بيفا: «أدركنا أن عدد النساء اللواتي وقعن ضحايا العنف المنزلي كان ضخمًا».

طالع أيضا: طقم أسنان يتسبب في كارثة لمريض

في العام 2012، أسس طبيب الأسنان فابيو بيبانكوس منظمة «أبولونياس دو بيم» غير الحكومية، وقد سميت كذلك تيمنًا باسم القديسة أبولونيا، شفيعة الأسنان. فقد جرى تعذيبها من خلال اقتلاع أسنانها، وفقًا للروايات المسيحية. وأضاف بيفا أن أكثر من ألف امرأة خضعت لعملية زراعة أسنان حتى الآن.

تمتد شبكة أطباء الأسنان المتطوعين إلى 12 دولة أخرى في أميركا اللاتينية، إضافة إلى البرتغال. وفي المجموع، هناك 1700 طبيب يعملون مع نساء معنفات بموارد محدودة. لكن هناك شرط واحد، وهو عدم عودتهن إلى شركائهن المعنفين.

في البرازيل، حيث طب الأسنان متطور جدًّا، تخضع كل امرأة بالمتوسط لخمس أو ست عمليات زرع، وفق «فرانس برس».

وعادة ما تبلغ كلفة علاجات مماثلة ما يعادل 7300 دولار. أما بالنسبة إلى هؤلاء النساء، فهن يحصلن على التمويل اللازم عن طريق تبرعات خاصة من جهات مختلفة.

وتابع بيفا: «في البرازيل، يحق لهؤلاء النساء بالحصول على الرعاية الصحية النفسية والمساعدة القانونية لكن لا يحق لهن أي مساعدة في ما يتعلق بطب الأسنان».

وأوضح «تكون لدى المهاجمين رغبة في تحطيم رغبة المرأة بالابتسام. ونحن نرى ان معظمهن فقدن أكثر من نصف أسنانهن في الفك الأعلى».

وهذا التشويه قد يمنع النساء من الحصول على وظائف والابتسام والضحك وتناول الطعام بشكل جيد. قالت تايس دي أزيفيدو التي تعيش في ساو باولو: «ليس لديك أدنى فكرة كيف يعيش المرء بلا أسنان».

وأضافت هذه المتحولة البالغة من العمر ٧٠ عامًا التي خضعت لعملية زرع لأسنانها قبل سنتين «عندما حصلت على أسناني، كان من المدهش تناول تفاحة».

وتابعت أنها تعرضت للهجوم مرارًا وتكرارًا منذ بدأت تخرج إلى المجتمع كامرأة متحولة جنسيًّا، وهو الأمر الذي دفع عائلتها إلى نبذها. وختمت: «ما أعطوني إياه أهم بكثير مما كنت أتصور».

المزيد من بوابة الوسط