حرب الإشاعات تعرقل حملات التطعيم في باكستان

حملة التلقيح ضد شلل الاطفال باسلام اباد في 26 أبريل 2019 (أ ف ب)

تحارب فرق طبية في إسلام أباد مدعومة بشرطيين مسلحين في «معركة الإشاعات»، وهي تحدٍ آخر على هامش حملتها للتلقيح ضد شلل الأطفال.

وفي أحد الأحياء العشوائية في العاصمة، يهدهد أولياء أمور أطفالهم الباكين في حين يتولى عناصر الصحة وضع قطرات اللقاح في أفواههم. ويتجمهر جيران من حولهم في حين تراقب الشرطة المكان، حسب «فرانس برس».

وفي ناحية أخرى من المدينة في بناية فخمة أمضى عنصر الصحة عدة دقائق في حوار لإقناع والدين يرفضان تلقيح أطفالهما. وتمكن في نهاية الأمر من إقناعهما، لكن زملاء له فشلوا في أماكن أخرى في ذلك.

وقالت الممرضة نزيهة خليل «بعض الناس يتصرفون بشكل سيء ويغلقون أبوابهم في وجوهنا ولا يريدون حتى مجرد الاستماع إلينا (..) الناس أصابهم الخوف منذ حادثة بيشاور».

وكان تلامذة في ثلاث مدارس قرب بيشاور (شمال غرب) اشتكوا من مضاعفات للقاح ضد شلل الأطفال. ورغم عدم اكتشاف أي مرض لديهم، فإن حالة من الهلع سادت المنطقة. كما نقل عشرات آلاف الأطفال بشكل عاجل إلى العديد من المستشفيات. وتم حرق مركز صحي.

ونفت السلطات في تقرير وجود أي «حادث طبي» مؤكدة «عدم الإبقاء على أي طفل ليلًا» في المستشفى ونسبت حالة الهلع إلى «مؤامرة مخطط لها مسبقا».

لكن انعكاسات ذلك على الميدان مفزعة. ففي إسلام أباد تسجل عشرة آلاف حالة رفض للتلقيح يوميا، مقابل ما بين 200 و300 حالة في السابق خلال فترة الحملة بأكملها، بحسب محمد عاصف رحيم وهو من كوادر مكافحة شلل الأطفال في إسلام أباد.

والأسوأ أن موظفة صحة وشرطيين يرافقان فرق التلقيح، قتلوا هذا الاسبوع في مشهد يعيد إلى الأذهان الفترات شديدة القتامة في تاريخ مكافحة شلل الأطفال هذا المرض المعدي الذي أدى إلى وفاة أكثر من 100 ألف شخص منذ ديسمبر 2012. كما ضرب أو أهين عشرات من موظفي التلقيح منذ تلك الواقعة، بحسب مسؤولين.

مرض شلل الأطفال مستوطن في ثلاث دول فقط هي باكستان وافغانستان ونيجيريا. كما رصدت سلالة نادرة منه مؤخرا في بابوا غينيا الجديدة. لكن التلقيح الذي يتيح اجتثاث المرض يواجه ارتيابا متواصلا في باكستان.

وكان تنظيم وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) لحملة تلقيح زائفة بغرض العثور على أسامة بن لادن، الذي قتله الأميركيون في 2011 بشمال غرب باكستان، أنتج حالات مقاومة لحملات التلقيح.

ويشيع بعض عناصر طالبان ومشائخ متطرفين أن التلاقيح تحتوي على مكونات محرمة دينيًا كشحم الخنزير، أو أنها تسبب العقم بغرض خفض عدد السكان، بحسب هذه الشائعات.

وفي الوقت الذي كانت تقترب فيه باكستان، مع حملات التلقيح المكثفة التي شملت ملايين الأطفال، ورغم كل شيء من اجتثاث مرض شلل الاطفال، ظهرت الحركة المناهضة للتلقيح.

وأدت هذه الظاهرة التي غذتها مزاعم لا أساس لها طبيا وانتشرت عبر الانترنت، إلى عودة ظهور أمراض كانت اجتثت من البلاد وشديدة العدوى في العالم كله.

وتم في الأشهر الأخيرة إغراق شبكات التواصل الاجتماعي في باكستان بريبورتاجات وأشرطة فيديو مزيفة تمت مشاهدتها مئات آلاف المرات في بعض الأحيان خصوصا منذ حادثة بيشاور. وعلق محمد عاصف رحيم «إن ما يزعجنا هو الدعاية المضللة أو الضارة»، وفق «فرانس برس».

وكانت حملات التضليل الإعلامي ضاعفت ثلاث مرات حالات رفض التلقيح التي ارتفعت من 40 ألف حالة في 2017 الى 125 ألف حالة في 2018، بحسب ما لاحظ رانا صفدر من المعهد الوطني للصحة بباكستان.

وأضاف «الناس هنا معلوماتهم قليلة ويرون أستاذا من الولايات المتحدة أو غيرها يعارض التلقيح فيصبح من السهل إقناعهم».

وأثر التضليل في رفع عدد الإصابات بشلل الاطفال. ففي حين تراجع من 306 إصابات في 2014 إلى ثمانٍ في 2017، عادت الإصابات وارتفعت إلى 12 في 2018 بحسب منظمة الصحة العالمية. وسجلت ثماني إصابات حتى الآن في 2019. وتابع صفدر «هناك ارتفاع اليوم» لعدد الإصابات بالمرض ما يستدعي مضاعفة الجهد في مكافحته.