النظام الصحي.. مشاكله وضرورة الإصلاح

الدكتور علي المبروك أبو قرين (بوابة الوسط)

في هذه المساحة يقدم المدير الأسبق لمستشفى علي بن عسكر - طرابلس، الدكتور علي المبروك أبو قرين ملخصًا عن النظام الصحي ومشاكله وضرورة الإصلاح، على أن ينفذ على هيئة (مشروع الإصلاح الصحي) وفق ما يطرح في هذه الورقة:

بالرغم مما تحقق من إنجازات عظيمة في العلوم الصحية فما زال الوضع الصحي لكثير من سكان العالم غير مرضٍ، مما يعوق التطور البشري ويحد من قدرة الأفراد على تحقيق إمكاناتهم والمتمثلة في الحياة المثمرة ويحرمهم من حق الحياة والموت بكرامة. ما زالت الخدمات الصحية في كثير من البلدان غير قادرة على تحسين صحة الأفراد.

ونظرًا للنقص في التوازن بين مستويات الرعاية الطبية (التعزيزية، والوقائية، والعلاجية والتأهيلية) جعل من نظم الرعاية الصحية تواجه مشكلتين وهما مستوى الفعالية المتدني وارتفاع التكاليف، وكما هو معلوم أن التطوير الشامل للنظم الصحية لا يهم القطاع الصحي وحده بل يشمل كل جوانب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فلا يتم تحسين صحة السكان إلا بالجهود المنسقة بين قطاع الصحة وباقي القطاعات الأخرى ذات العلاقة بالصحة مع المشاركة الواعية من المجتمعات المحلية.

والتأكيد على ضرورة التوزيع العادل للموارد الصحية وتسيير الخدمات الصحية الأساسية مثل الأفراد والأسر بشكل مرضي وبتكلفة يمكن تحملها.

ولتحقيق هدف الصحة للجميع وبالجميع يحتاج إلى إعادة توجيه للنظام الصحي بتطوير بنى تحتية تنظيمية مبنية على مفهوم الرعاية الصحية الأولية والتي تضمن المساواة والمسؤولية الاجتماعية وحقوق الإنسان.

وهذا يتطلب معرفة للمكونات الأساسية للنظام الصحي والعلاقات الوظيفية فيما بينها والظروف الاقتصادية والاجتماعية.

وعرض وتحليل النظام الصحي القائم يمكّن صناع القرار من تحديد خصائص النظام الصحي مع إمكانية مقارنته بالنظم الصحية الأخرى وتحديد الإصلاحات المطلوبة مع الوضع في الاعتبار أن النظام الصحي عبارة عن مكونات متعددة ذات علاقة متبادلة فيما بينها سواء كان في القطاع الصحي نفسه أو بين القطاعات الأخرى، والنظام الهادف هو الذي تعمل كل مكوناته معًا ويتكيف بعضها ببعض وأبسط النظم الصحية لها من المكونات الآتية:
- تنمية الموارد الصحية
- تنظيم الموارد
- تقديم الرعاية الصحية
- الدعم الاقتصادي والإدارة

مع ملاحظة أن كل المجتمعات تقريبًا تتجاوز الحاجة إلى الخدمات الصحية الموارد المتوافرة مما يستوجب إعطاء الأولوية للأهداف التي يجب أن يحققها النظام الصحي.

ولتحليل النظام الصحي بغرض إعادة توجيهه يجب القيام بالتحليل المفصل للمكونات الأساسية وعلى سبيل المثال:

تنمية الموارد الصحية
- القوى العاملة الصحية
- المرافق الصحية
- الإمداد والتجهيزات الطبية
- المعرفة الصحية

مع اعتبار أن التمويل المالي ما هو إلا أداة غير نوعية لقيمة يجب تحويلها إلى موارد معينة أو خدمات لتصبح جزءًا من النظام الصحي.

 تنظيم الموارد:
وهو تحويل الموارد المختلفة للنظام الصحي إلى أنشطة صحية وتمكينها من أداء وظيفتها بطريقة سليمة مما يتطلب إقامة علاقات فعَّالة بين مختلف الموارد الصحية وإتاحة الاتصال بين أفراد المجتمع والمراجع الصحية من خلال آليات تقديم الرعاية الصحية، وإذ نرى أن العلاقات المنظمة تختلف باختلاف أنماط النظام الصحي، ومن بين المجموعات الرئيسة المنظمة للموارد الصحية.
1- السلطات الصحية
2- الهيئات العامة
3- برامج التأمين الصحي إن وجدت
4- المجتمع المدني (الجمعيات الأهلية)
5- القطاع الخاص

تقديم الرعاية الصحية:
تصنف الخدمات الصحية حسب هدف الخدمات المقدمة منها:
1- المعززة للصحة وهي تتجاوز حدود الوظائف التقليدية لمؤسسات الرعاية الصحية.
2- الوقائية التي تتعدى حدود مكافحة الأمراض السارية.
3- التأهيلية وهي استصحاح الوظائف البدنية والعقلية والاجتماعية من خلال الإجراءات الطبية المناسبة.

ودائمًا ما تتم دراسة الرعاية الصحية تبعًا لمستوى تعقيدها أو التسلسل الذي يتم به تقديم الحاجات الصحية للمجتمع، وعادة ما تشمل الرعاية الصحية الأولية والثانوية والثالثية.

ولتأمين رعاية صحية فعَّالة ومتلائمة مع حاجة الأفراد يجب الحفاظ على علاقة مستمرة بين مستويات الرعاية الثلاثة، ولضمان التوزيع العادل للرعاية الصحية يتطلب الاهتمام بأنجع الطرق لتخصيص واستعمال الموارد الصحية، ولأن الرعاية الصحية هي حق اجتماعي لكل السكان مما يتطلب تخطيطًا دقيقًا.

الدعم الاقتصادي
كل الموارد الصحية وآليات تقديم الرعاية الصحية تحتاج إلى دعم اقتصادي مما يستوجب وجود إجراءات لتأمين وصول الأموال من خلال قنوات معينة إلى النظام الصحي مع الوضع في الاعتبار دائمًا عدم القدرة على التنبؤ من قبل الأفراد بالحاجة إلى الرعاية الصحية العلاجية خلافًا للمأكل والمأوى والملبس، وكما نعلم أن قدرة الأفراد على دفع تكاليف الخدمات الصحية بالقياس إلى احتياجاتها تتوقف على مستوى الدخل، لهذا يجب وضع آليات معينة للدعم الاقتصادي للنظام الصحي.

وفي مجتمعنا في الفترة الأخيرة نستطيع أن نحدد المورد الرئيس للدعم في غالبيته القطاع العام، وفي جزء منه للقطاع الخاص الذي أصبح يتنامى ولكن للأسف بعشوائية.

ومن المهم فهم التنمية الاقتصادية المعقدة للنظم الصحية لأن لكل طريقة مضاعفات اجتماعية خطيرة.

فالقطاع الخاص مثلًا تعني أن الخدمات الصحية تصل إلى الفرد عن طريق المال الضروري المتوافر، وهذا قد لا يتلاءم مع الحاجات الصحية المتفاوتة للأفراد والضمان الاجتماعي أو التأمين الصحي إن وجد هما إجراءان وقائيان من المرض الذي لا يمكن التنبؤ به ويؤمنان التمويل اللازم كلما حدث المرض ولا يتمتع بذلك إلا المؤمن عليهم. لذلك إن الدعم الوارد من الإيرادات العامة يضمن توافر الخدمات لكل الأفراد دون تمييز.

ومهما كانت مجموعات آليات الدعم الاقتصادي المستعملة لابد أن يكون المبلغ الإجمالي للتمويل كافيًا ليصبح النظام الصحي فعَّالًا.

 الإدارة:
إن الإدارة هي العامل الأساسي في التنظيم والتشغيل الفعَّال لضمان حسن سير العمل في النظام الصحي.

إن إدارة الصحة في جوهرها نظام للأدوار والوظائف والمهام الإدارية التي ينفذها الأفراد على مختلف المستويات الإدارية لتحسين صحة المجتمع.

ومنها إدخال أو تدعيم عملية متكاملة لتحديد السياسات الصحية قابلة للتطبيق على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وملائمة لها وتحديد البرامج ذات الأولوية لترجمة السياسات إلى أعمال وتأمين الأموال من الميزانية العامة للصحة لهذه البرامج ذات الأولوية وتطبيقها من خلال النظام الصحي مع رصد ومراقبة وتقييم البرامج والخدمات الصحية والمؤسسات التي تقدم هذه الخدمات وتأمين الدعم الإعلامي لها.

مشاكل النظام الصحي

مشاكل تطوير الموارد الصحية:
إن النظام الصحي يعاني في كل الأحوال من مشاكل جوهرية تتعلق بتطوير الموارد البشرية مثلًا من نقص في العناصر الطبية والطبية المساعدة مقارنة بالاحتياج الفعلي مع وجود كثير من المشاكل النوعية منها المدارس المختلفة التي تم تدريب العناصر الطبية بها ولم يكن حسب الاحتياج الفعلي للبلاد، وكذلك التوزيع الجغرافي للعاملين بالقطاع الصحي غير متوازن مع الهجرة للمدن الكبرى والتي تتمركز بها المستشفيات، والذي أدى بدوره لزيادة الطلب على المعدات والمرافق المتخصصة مع ملاحظة العلاقات الضعيفة بين الاختصاصات والمسؤوليات بين كل من التخطيط والتمويل وإنشاء والمرافق وصيانتها.

مع ملاحظة أن الاهتمام بالتكنولوجيا الصحية يتزايد مع تزايد تكلفتها مما يستوجب التخطيط الجيد لاقتناء التكنولوجيا بما يكون مرتبطًا بفائدتها وحاجتها للسكان، ويتطلب كذلك منح الاستقلالية للوحدات الصحية.

مع ملاحظة أن السعي وراء الضرورة التكنولوجية الملحة يؤثر على كل النظام الصحي.

مشاكل تنظيم الموارد:
في كثير من الأحيان لا يكون تنظيم الموارد فعّالاً أي لا يحقق الحد الأقصى من العاملين والمرافق، وغالبًا ما تتمثل المحددات الأساسية لتوزيع الموارد في قوى السوق أكثر من تمثلها في التقييم الموضوعي للحاجات الاجتماعية والإنسانية.
وإن وجد القطاع الخاص فغالبًا لا يتعاون مع القطاع العام مما يؤثر سلبيًا على النظام الصحي.

مشاكل تقديم الرعاية الصحية:
نتيجة للتنظيم غير الفعّال للموارد ينجم عنه سوء تكييف أنماط تقديم الرعاية الصحية مع متطلبات العلوم الطبية، وهذا ينطوي على استعمال التكنولوجيا غير المتلائمة مع الاحتياجات مما يترتب عليه عدم تكيف أنماط تقديم الرعاية الصحية مع حاجات المجتمع.

مشاكل الدعم الاقتصادي:
غالبًا ما يكون الدعم الاقتصادي للخدمات الصحية أدنى بكثير من المطلوب للإيتاء بالاحتياجات الصحية للمجتمع، وكثيرًا ما يساهم ضعف التخطيط وتمويل النظم الصحية إلى تفاقم العجز، ومع تنامي القطاع الخاص قد يؤدي إلى أن يفوق التمويل الصحي بالقطاع الخاص نظيره في القطاع العام والذي يؤدي بدوره إلى انعدام العدالة في توزيع الخدمات الصحية والحصول عليها.

مع ملاحظة أن الزيادة في عدد العاملين بالقطاع والزيادة في المرافق الصحية تنشر الطلب عليها مما يؤدي إلى زيادة في الإنفاق مما يترتب عليه الزيادة في تكاليف الرعاية الصحية أحيانًا دون زيادة مكافئة في التغطية الصحية أو تحسين للوضع الصحي للمجتمع مما يتطلب الاعتماد على الحسابات الصحية.

الحسابات الصحية:
- التصنيف الدقيق لأنماط وأهداف جميع المصاريف وجميع الفاعلية في النظام الصحي.
- حسابات كاملة لجميع المصاريف الصحية بغض النظر عن المنشأ والغاية أو موضوع المصروف.
- الأسلوب الدقيق في الجمع والفهرسة وتقدير جميع تدفقات الأموال المتعلقة بالنفقات الصحية.
عندما يبنى نظام الحسابات الصحية الوطنية بناءً كاملًا فإنه يتمم أنظمة السجلات والتقارير لتقديم صورة حول إنجاز النظام الصحي.
ويمكن استخدام الحسابات الصحية لإظهار العلاقة بين المصاريف الصحية وإجمالي المنتوج الاقتصادي.
نظام الحسابات الصحية يظهر الروابط بين التمويل والإنتاج في مجال الخدمات الصحية ومستلزماتها من الأدوات والمعدات.
حيث إن الهدف الرئيس للحسابات الصحية هو دعم النظام الصحي.

وحيث إن النظم الصحية وجدت لتحصيل المنافع للمجتمع والتي تهدف إلى دعم الصحة أو استعادتها أو المحافظة عليها، يجب أن يقيم إنجاز النظام الصحي ليس فقط فيما يتعلق بمستوى المنافع التي يحققها ولكن بمدى توزيعها على المجتمعات وبشكل عادل ومتساوٍ.

الحسابات الصحية يمكنها تقديم معلومات تتعلق بتصميم سياسات أفضل للنظام الصحي.

يساعد نظام الحسابات الصحية في تقديم الأسس لتقييم الموارد المالية كافة المتاحة للنظام الصحي مما يساعد على وضع الاستراتيجيات في زيادة الموارد المتاحة ومعرفة الممول للرعاية الصحية وحجم العبء المالي، وكل هذا يعتبر من أبعاد التخطيط الاقتصادي وتحليل الكفاية الاقتصادية مما يساعد في اتخاذ القرار المناسب.

وكذلك من أهم مميزات نظام الحسابات الصحية هو كيفية توزيع الاعتمادات المالية للرعاية الصحية على الأوجه المختلفة للخدمات والمداخلات والفعاليات التي يقوم بها النظام الصحي وينتجها، وكذلك تحديد من المستفيد من مصاريف الرعاية الصحية.

وفي كثير من الأحيان يعتبر المزيد من التمويل والموارد المالية ذات الإدارة الجيدة خطوة في طريق تحسين النظم الصحية، وخصوصًا تلك التي تصل إلى التوزيع العادل للأعباء المالية والإقلال من تأثيراتها السلبية على غير القادرين.

مع الملاحظة أن الحسابات الصحية لا تميز بين المصاريف الفعّالة والمصاريف غير الفعّالة مما يستوجب ضرورة الحصول على معلومات غير مالية مأخوذة من المصادر المختلفة كدراسات المسح السكاني والدراسات الوبائية وغيرها.

لتقييم المصاريف الصحية يفترض أن نأخذ في الاعتبار عددًا من الأبعاد والتحليلات مثال:
1- مصادر التمويل
2- وكلاء التمويل
3- الوظائف
4- تكاليف الموارد
5- الحالة الاجتماعية، والاقتصادية، للمستفيدين
6- الحالة الصحية للمستفيدين
7- المناطق والأقاليم

مشاكل إدارة النظام الصحي:
من مشاكل إدارة النظام الصحي عادة هي مركزية اتخاذ القرار مع ضعف الإدارات المحلية والنقص في الإداريين المتخصصين دوي الخبرة والمهارة والنقص في المعلومات، وأن الاعتماد على الإدارة العمودية مع الافتقار للإشراف الضروري وضعف العلاقات الأفقية بين القطاع الصحي والقطاعات الأخرى ذات الصلة هذا إن وجدت أصلًا مع عدم مساهمة المجتمع في وضع السياسة الصحية.

مع ملاحظة الأداء الضعيف للآليات التنظيمية مثل ترصد الإصحاح البيئي ومراقبة نوعية الرعاية الصحية ومنح التراخيص للمزاولة ومراقبة الأدوية والمرافق ومراقبة التكاليف والأسعار، حتى إن بعضها قد يفتقد إلى الإجراءات التنظيمية.

ومهما كانت الموارد المتوافرة في النظام الصحي فإن استعمالها إلى الحد الأقصى يمكن أن يعوقه النقص في القدرات، والمهارات الإدارية على مختلف المستويات.

بما أن الأنظمة الصحية الوطنية لها كثير من التشابه وكثير من الاختلاف كالمستفيدين من الخدمات، وخصوصًا في نمط الثقافة والتاريخ والنظام الاقتصادي والديناميكية الاجتماعية.

ولكن الأجزاء الأساسية للأنظمة الصحية متشابهة تمامًا لكل دول العالم، لذلك نوصي باستخدام جداول التصنيف الدولي في الحسابات الصحية (ICHA)، والذي أنشأته وطورته منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD).

هذا من ناحية الإجراءات الحسابية والتي تساعد المحاسبين الصحيين في ممارسة أعمالهم بشكل علمي.

مما يتطلب ضرورة التركيز على تكليف المتخصصين في الإدارة الصحية وإدارة النظم الصحية واستمرار رفع الكفاءة واكتساب المهارات لتلك العناصر بالتدريب المستمر مع تقوية العلاقات الأفقية بين النظام الصحي والقطاعات الأخرى.

مع الأخذ في الاعتبار لترشيد الإنفاق وضمان تقديم خدمات صحية متميزة تحقق الرضا لكل من المستفيدين ومقدمي الخدمة، ضرورة تطبيق نظم الجودة بالقطاع الصحي والمؤسسات الصحية واعتماد معايير الخدمات الصحية كانت محلية أو إقليمية أو دولية مع ضرورة إيجاد هيئة وطنية لاعتماد المؤسسات الصحية المطابقة للمعايير المعتمدة.

المزيد من بوابة الوسط