رمضان بن طاهر: أقطاب الصراع في ليبيا بعد الثورة تتجاهل الصالح العام

"الصراع الذي تطور في ليبيا عقب إطاحة نظام القذافي يبدو للمراقب أنه صراع على مصالح وامتيازات شخصية أو فئوية وليس على الصالح العام"، حسبما يقرر أستاذ علم الاجتماع السياسي رمضان بن طاهر، في تصريحات إلى "بوابة الوسط".

ويوضح ابن طاهر، خلال اتصال هاتفي، أن كل طرف من أطراف الصراع في ليبيا حاليا يريد أن يستحوذ على أكبر مكان في الحيز السياسي بصرف النظر عن طبيعة الصالح العام. ويرى أستاذ على الاجتماع السياسي في جامعة عمر المختار بالبيضاء، أن المجتمع الليبي منذ أن قامت الثورة وهو يموج بكثير من الصراعات والتفاعلات ما بين قوى اجتماعية وسياسية مختلفة، مشيرا إلى أن تطور الأحداث كشف عن تبلور قطبين لهذا الصراع هما تيار القوى الإسلامية وتحالف القوى الوطنية بزعامة جبريل، بينما تتأرجح بعض القوى القبلية الأخرى بين الطرفين. "جميع هذه القوى يتحرك بمعزل عن الشارع"، على حد قول ابن طاهر الذي يوضح أن أهم ما يميز هذا الصراع هو أنه غير متجانس بل ومتناقض في بعض الأحيان.

قيادة غير مؤهلة
يعرب ابن طاهر عن اعتقاده بأن ليبيا لا تزال تعيش في خضم المرحلة الانتقالية، معتبرًا أن مشاكل البلاد ازدادت تعقيدًا لأسباب موروثة من العهد السابق، وأضيفت إليها آثار المرحلة الانتقالية الناجمة عن أخطاء المجلس الانتقالي. واعتبر ابن طاهر ذلك الوضع طبيعيا بالنظر إلى قلة خبرة المجلس الانتقالي السياسية، مضيفا أن المؤتمر الوطني بدوره لم يكن مؤهلًا للقيادة. وقال، في إشارة إلى أعضاء المؤتمر الوطني، "هم يعلمون ذلك كما نعلمه نحن"، موضحا أن ذلك "ليس تقليلا من شأنهم (أعضاء المؤتمر) وإنما نقد للذات".

 رمضان بن طاهر: تحركات قوى مجهولة تزج بـ "ليبيا" في صراعات عبثية لا فائدة منها سوى إطالة المرحلة الانتقالية

وانتقد ابن طاهر تغليب الأطراف السياسية الممثلة داخل المؤتمر البعد السياسي في تعاملها بدلا مما يصفه بالاعتبار "التأسيسي". ويلفت أستاذ علم الاجتماع السياسية إلى ارتباط هذا الضعف في القيادة بتكاثر الضغوط والمشاكل التي يحددها في بروز التطرف الديني والإعلامي وانتشار المليشيات القبلية والحزبية والإجرامية وازدياد المطالب الفئوية وتفاقم الفساد، مشيرا إلى أن "غياب المؤسسة الأمنية والعسكرية جعل ليبيا مسرحا لقوى خارجية تتحرك في مساحة لا نراها بشكل واضح، وكذلك لأطراف أخرى مجهولة تلعب في ليبيا. وأوضح أن تحركات هذه القوى التي لا نعلم أحيانا وبشكل محدد مصدرها يزج بليبيا في صراعات عبثية ولا فائدة منها سوى إطالة المرحلة الانتقالية، على حد قوله.

وفيما يتعلق بالبناء المؤسسي عقب الثورة، يلفت ابن طاهر النظر إلى وجود نوعين من المؤسسات في الدولة، الأولى سياسية والثانية سيادية، موضحا أن السياسية تتمثل في البرلمان والحكومة ورئيس الدولة، والسيادية تتمثل في مؤسسة الجيش والشرطة والقضاء والتعليم. "نحن في ليبيا لم نصنع الدستور الذي يحدد طبيعة المؤسسات السياسة ولم نضع الأسس الأولى بعد لبناء المؤسسات السيادية وما يقتضيه هذا العمل من توافق واتفاق على رؤية مجتمعية يشارك فيها الجميع ولا يستثنى منها أحد"، على حد قول ابن طاهر، الذي يشير إلى أن "الصراع اليوم لا يزال مستمرا حول مفهوم الدولة وطابعها السيادي والسياسي بين شبكات المصالح وحول محاولة احتكار السلطة من أطراف محددة".

بين إطاحة القذافي وإطاحة النظام
في تفسير ما يبدو تباعد بين الشارع والقائمين على العملية السياسية في البلاد، يوضح ابن طاهر أن الثورة الليبية لها وضع فريد من نوعه، قائلا "عدّ الليبيون، بحكم طيبتهم، أن إسقاط القذافي هو نجاح حقيقي وأعطوا ثقتهم للمجلس الانتقالي وجددوا هذه الثقة في المؤتمر الوطني. لكن حدث سوء تفاهم بين الثورة وبين المجلس الانتقالي ومن بعده المؤتمر الوطني، لأن الثورة اعتبرت أن إطاحة القذافي هى الخطوة الأولى للإطاحة بالنظام كاملا وأن المؤتمر الوطني سيقوم بباقي المهمة وهى الإطاحة بالنظام كاملا بشخوصه وممارساته". "لكن للأسف -على حد قول ابن طاهر- دخل المؤتمر في صراع سياسي برلماني مبكر وبدد الوقت في مسائل سياسية تتعلق بتغلب كتلة على أخرى".

ويصف الأستاذ في جامعة عمر المختار هذه الممارسة بـ "الحياد عن المطلوب"، مشيرا إلى أن المؤتمر الوطني استمر بالعقلية نفسها وأنتج، على حد تعبير ابن طاهر، "قانونا مشوها للعزل السياسي لايزال الجدال قائما حوله إلى اليوم".

ويخلص ابن طاهر إلى أن الثورة الليبية شهدت "توفر الشجاعة وغياب الحكمة"، معتبرا أنه في ظل هذا الوضع "لايزال النظام القديم موجودا في السلطة وإن كان بشكل غير علني. وأوضح أن "الطبقة التي استفادت من حكم القذافي تظهر اليوم بشكل خفي وتستفيد من الثورة ولا تريد الاستقرار لهذا البلد".

ويحذر ابن طاهر من خطورة أحوال البلد، مشيرا إلى أن التفكير في المستقبل لا ينبغي أن يكون بمعايير التفاؤل أو التشاؤم، ولكن بمواجهة الحقائق. ويوضح أن "روحا وثورية لا تزال تسري في جسد هذا المجتمع، بينما تحاول أرواح شريرة تفكيكه وبث الفتنة والفرقة بين أبنائه"، على حد قوله.

في ظل هذه المعطيات، يطالب ابن طاهر بالاستمرار في انتخاب لجنة الستين والدعوة إلى انتخابات عاجلة للمؤتمر الوطني، واعتبار ما مضى تجربة يمكن الاستفادة منها، متوقعا أن تفرز أي انتخابات قادمة خيارًا أفضل. كما أعرب عن اعتقاده بضرورة العمل على تكوين جبهة وطنية تجمع كل التيارات دون استثناء. وقال "البلد في حالة أزمة وهناك أطماع داخلية وخارجية ولا نملك إلا التوحد والتوافق لمواجهة المخاطر وأن لايكون هناك فضل لليبي على ليبي إلا بالكفاءة والإنجاز".

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط