«حاويات الشاي والماء» تكشف اعتمادات مزيفة بملايين الدولارات (تقرير)

لا تزال أرصفة الموانئ الليبية تزدحم بالحاويات الفارغة المستورد باعتمادات مستندية وهمية، فيما يصفه المراقبون بأكبر عمليات فساد مالي إداري وتلاعب بالعملة تعيشه البلاد منذ اندلاع ثورة 17 فبراير، لكن بعض تلك الحاويات تتمكن من الإفلات من السلطات الجمركية، نتيجة الإهمال الإداري أو انعدام الضمير، مما يقود إلى ما حدث في مدينة الخمس شرق العاصمة طرابلس أخيراً.

فقد تمكن جهاز مكافحة الجريمة بالخمس من ضبط 7 حاويات وقت خروجها من ميناء البحري للمدينة وإحالتها إلى جهات التحقيق يوم الخميس الماضي، وقال مصدر مسؤول بمكافحة الجريمة بالخمس إلى «الوسط» إن الاعتماد المستندي الخاص بتلك الحاوية كان يخص مواد غذائية تقدر بملايين الدولارات، لكن جهود الضبط والتفتيش كشفت أن علب شاي كانت في مقدمة السلع المستوردة، أما باقي الحاوية فكان تحتوي مياه شرب». وتحفظ المصدر عن ذكر اسم الشركة صاحبة الاعتماد أو المصرف الذي قرره إلى حين الانتهاء من التحقيق.ووصف ما حدث بأنه «جريمة اقتصادية كبرى في حق المواطن وإهدار للمال العام» مؤكداً «اليقظة في تعقب هذا النوع من الجرائم التي تضر باقتصاد البلاد في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ الوطن».

مصدر أمني: جريمة اقتصادية كبرى في حق المواطن وإهدار للمال العام

إهدار المال العام
وكان أعضاء من الجهاز تمكنوا من ضبط حاوية 40 قدماً من المفترض أنها محملة بالمواد المنزلية، حسب أوراق الاستيراد، وبمداهمة الحاوية اكتشف رجال الأمن أنها تحتوي مواد منزلية في مقدمة البضائع، لكن باقي محتوياتها كانت كمية ضخمة من الألعاب النارية، ومن ثم جرى إحالة القضية إلى جهات الاختصاص. وتزايدت هذه النوعية من الجرائم أخيراً، مع الكشف عن وجود أكثر من 500 حاوية مجهولة الهوية في ميناء طبرق التجاري منذ أكثر من خمسة أشهر، كما عثرت مديرية الأمن بطبرق على ثلاث حاويات بميناء طبرق التجاري وداخلها 45 مليون حبة ترامادول قادمة من الهند عن طريق إحدى الوكالات الملاحية الليبية .

ويقول الاتحاد الوطني التجاري إن المشكلة بدأت منذ نهاية العام 2014، موضحاً أن «شركات التوريد و الاستيراد كانت تعمل بصورة منتظمة ودون عوائق، أن الأسعار كانت مستقرة»، موضحا أن «كانت المصارف تلبي كافة الطلبات على العملة الأجنبية، مع سرعة فتح الاعتمادات والحوالات البنكية، ولم يكن هناك فارق كبير بين السعر في البنوك والسوق السوداء»ويوضح الاتحاد «أصبحت المصارف غير قادرة على تلبية كافة الطلبات على العملات الأجنبية بسبب استمرار إقفال الحقول النفطية وتدني الإيرادات من العملات الأجنبية لمصرف ليبيا المركزي» مشيراً إلى أن «الفارق بين سعري الصرف الرسمي والموازي أصبح في حالة صعود مستمر وكبير».ويؤكد أن «الاعتمادات المستندية والحوالات البنكية تحولت إلى وسيلة لتهريب العملة ومصدر لتمويل التجارة وغيرها، إلا أنها أصبحت حكراً للشركات الفاسدة، وازداد حجم الفساد في هذه الفترة» 

طوابير خارج البنوك
وعقد المصرف المركزي اجتماعاً مطلع هذا الشهر، جرى الاتفاق فيه على تسريع فتح التعامل بالاعتمادات المستندية، وقبول المستندات الخاصة بالسلع الأساسية ولمدة محدودة بعد الحصول على الموافقة بالتغطية، وذلك بضمان تدفق السلع إلى السوق في أسرع وقت ممكن، بعد رصد مبلغ وقدره (ثلاثة مليارات ومئة وخمسون مليون دولار). وضم الاجتماع ممثلين عن كل من مصرف المركزي والاتحاد العام لغرف التجارة والاتحاد التجاري الوطني الليبي، بالإضافة إلى مجموعات من أصحاب مصانع الدقيق والأعلاف وتجار المواد الغذائية واللحوم وأصحاب شركات الأدوية.

الاتحاد الوطني التجاري: المشكلة بدأت منذ نهاية 2014 والاعتمادات حكر على الفاسدين

وكشف تقرير أعدته «دويتشه فيله» «عقود بيع» يبرمها تجار السوق السوداء، وصفهم بـ«محتالين ينتحلون صفة رجال أعمال» مع الليبيين، المصطفين في طوابير خارج البنوك انتظاراً لسحب المرتبات المتأخرة، تقضي باستيراد بضاعة من أي دولة مثل تركيا أو مالطا، على أن يوفر موظف بالبنك خطاب ائتمان لتفعيل عملية إيداع العملة الأجنبية بالخارج مقابل عمولة 15%، لكن هذه العقود مزيفة والبضائع المذكورة لن تصل البلاد قط. وعقب توقيع «عقود البيع»، يتابع تجار العملة عملية سحب الدولار ويرسلونها إلى ليبيا، ليجري تداول الدولار في السوق السوداء بأربعة دينارات، في الوقت الذي يصل فيه سعر الصرف الرسمي للدولار إلى 1.40 دينار فقط.

فساد
وقال موظف بأحد المصارف، طلب عدم ذكر اسمه: «يمكنك الذهاب إلى أي ميناء بطرابلس وستجد الحاويات تأتي خاوية أو بها 20% فقط من الحمولة المذكورة في العقود، ويغض موظفو الجمارك الطرف عن تلك الحاويات بسبب الرشاوى التي يتقاضونها». وفي إشارة إلى الفساد المتفشي داخل البنوك، قال مهندس، طلب عدم ذكر اسمه: «إن موظفي البنوك الفاسدين يرفضون أي طلب لفتح حساب مصرفي جديد أو بطاقة ائتمان قبل الحصول على 15% عمولة عن كل عملية تحويل، ولهذا اضطر إلى تبديل العملة خارج البنك». وأضاف: «في تركيا، يحمل ليبيون عدداً كبيراً من بطاقات الفيزا لسحب الدولار في الخارج وإدخاله ليبيا في صورة نقدية لبيعه في السوق السوداء».

 

المزيد من بوابة الوسط