ثروات الليبيين تنتظر «الوفاق» في محاكم لندن (تقرير)

أصبح مصير مليارات الدولارات الليبية في ساحات القضاء البريطاني رهنًا لمباشرة حكومة الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج مهامها، ويشير المراقبون إلى أن هذا الملف الساخن لم يعد يتحمل الانتظار أو التسويف السياسي، خصوصًا بعد ما شهدته العاصمة البريطانية (لندن) هذا الأسبوع من مداولات في قضية المؤسسة الليبية للاستثمار مع بنكي «جولدمان ساكس» و«سوسيتيه جنرال»، أو بشأن الملاحقات القضائية ضد المصرفي فردريك مارينو المتهم باختلاس قرابة 64.6 مليون دولار من قيمة الأصول الليبية الموجودة في لندن، التابعة لمحفظة «ليبيا - أفريقيا».

تنازع الشرعيات
كان يوم الاثنين الماضي موعداً لمعركة قضائية مهمة، أرجأت خلالها المحكمة العليا في لندن جلسة الاستماع في النزاع بين كل من عبدالمجيد دريش وحسن بوهادي على شرعية أي منهما في تولي رئاسة المؤسسة الليبية للاستثمار، وقررت استمرار غطاء الحماية على الدعاوى المرفوعة ضد كل من بنكي «جولدمان ساكس» و«سوسيتيه جنرال» في لندن. وخلال الجلسة قال القاضي البريطاني ويليام بلير، شقيق رئيس الوزراء الأسبق توني بلير: «من السابق لأوانه تحديد الجهة التي يحق لها تمثيل المؤسسة في ظل الجهود المبذولة حاليًا لتشكيل حكومة الوفاق».
ومن ثم أعلن أن «المحكمة تحيل الاختصاص للحكومة الجديدة بعد تشكيلها، لتعيد تشكيل مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار»، معلنًا تلقيه خطابًا من وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث بأن مجلس النواب يمثل «السلطة التشريعية لدولة ليبيا».

شقيق بلير يؤجل النزاع القانوني لـ«الليبية للاستثمار» انتظارًا لحكومة السراج

ويمثل الفصل في هذا النزاع القضائي مرحلة ضرورية لبدء الدعوى القضائية ضد بنكي «جولدمان ساكس» و«سوسيتيه جنرال» أمام المحاكم الإنجليزية، على خلفية اتهام المؤسسة الليبية للاستثمار البنكين بسوء إدارة أكثر من ثلاثة مليارات دولار. وفي حالة فوز مؤسسة الاستثمار في هذه القضايا، فإنها ستدر مليارات الجنيهات الإسترلينية من التعويضات.

تدبير وقائي
وعقب جلسة الاثنين، قال رئيس المؤسسة الليبية للاستثمار حسن بو هادي : إن «موقف مجلس الإدارة كان واضحًا للغاية، الأمر الذي قاده لبذل قصارى جهده لحماية الدعاوى المرفوعة ضد (جولدمان ساكس) و(سوسيتيه جنرال) بلندن». لكنه أضاف: «إن الحراسة القضائية في يوليو 2015 كانت بمثابة التدبير الوقائي، فضلاً عن أن القاضي أكد اليوم أن غطاء الحماية ما زال مستمرًا ريثما يتم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية». وأردف: «رغم الظروف العصيبة والحرجة التي تعانيها ليبيا اليوم، فإنه يحدونا الأمل الأكيد في انبثاق حكومة توافق وطني. ومع ذلك، وحتى ذلك الحين، فإن مجلس إدارة المؤسسة الليبية للاستثمار قد أخذ على عاتقه مسؤولية القيام بكل ما في وسعه لحماية أصول المؤسسة الليبية للاستثمار».

وتعتبر المؤسسة الليبية للاستثمار، التي تأسست سنة 2006، الصندوق السيادي للثروة الليبية. وجزءاً لا يتجزأ من المنظومة الديمقراطية في ليبيا وجسم منبثق من الحكومة التي قام مجلس النواب بتشكيلها، التي بدورها تشكل مجلس أمناء المؤسسة الليبية للاستثمار. ووفقاً لما ورد تحديده في القانون رقم 13 لسنة 2010، فالغرض المنشود من المؤسسة الليبية للاستثمار هو خلق مصادر متنوعة للثروة لصالح الأجيال المستقبلية في ليبيا من خلال الاستثمار على الصعيد الدولي وبرؤية مستدامة وطويلة الأجل.

يذكر أن تلك ليست المرة الأولى التي تفصل فيها المحاكم الإنجليزية في قضايا من هذا النوع، إذ سبق لها الفصل في قضايا مماثلة كان أبرزها نزاع بشأن الصومال في العام 1993.

اختلاس
ولم تكن قضية المؤسسة الليبية للاستثمار هي القضية الوحيدة هذا الأسبوع، إذ أقامت «إف إم كابيتال بارتنرز» لإدارة الأصول في لندن، دعاوى قضائية ضد المصرفي فردريك مارينو واتهمته بـ«اختلاس» الأصول الليبية وسوء التصرف بها خلال فترة إدارته، إذ وافق على صرف مكافآت كبيرة في الفترة بين العامين 2009- 2014 وصرف أموال لأغراض شخصية وتسبب في خسارة نحو 64.6 مليون دولار من قيمة الأموال الليبية.

دعاوى قضائية ضد مصرفي بريطاني بتهم «اختلاس» الأصول الليبية

وأنشئت مؤسسة «إف إم كابيتال» في يوليو 2009- بعد اجتماع عقده مارينو مع عبدالفتاح شريف نائب الرئيس التنفيذي لمحفظة «ليبيا - أفريقيا» للاستثمار، التابعة لمؤسسة الاستثمار الليبية، التي استثمرت فيها ما قيمته 800 مليون جنيه.وعقب قيام ثورة 2011، توقف المديرون الليبيون عن إدارة الأصول الليبية وتركوا لمارينو حرية التصرف في الأموال الليبية. ووفقاً للأوراق الرسمية، استخدم مارينو الأموال الليبية في تنفيذ مشاريع لإعادة الهيكلة والإدارة ودفع رسوم لرحلات خاصة به، تتضمن استئجار طائرات هليكوبتر ورسوم إقامة في فنادق فاخرة،حسب وكالة «بلومبيرغ»، التي أكدت أن مارينو دفع نحو 230 ألف دولار تكاليف إقامة في فندق، بينها 42 ألف دولار رسوم ركن سيارته، مستغلاً الفوضى السياسية التي أعقبت إطاحة القذافي وغياب حكومة مركزية في ليبيا.

ووفقًا لـ«بلومبيرغ»، ارتفع مرتب مارينو إلى 240 ألف دولار سنويًا ابتداء من مايو 2011، من 100 ألف دولار، وتلقى مكافآت تصل إلى نحو ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، فضلاً عن مصاريف شخصية تصل إلى 225 ألف جنيه إسترليني خلال شهر يناير 2014 فقط، إلى جانب أموال لزوجته وأحد أقاربه، وقال مارينو: «إن قرار الموافقة على زيادة راتبه ومكافآته جاء بالإجماع من قبل مجلس إدارة الشركة وبحضور ممثلين عن الحكومة الليبية».

وانتظارًا لحكومة الوفاق، يبقى البحث عن حقوق الليبيين وثرواتهم الضائعة في ساحات القضاء البريطاني، انتظارًا لانفراج الأزمة السياسية.. فهل سيتحقق ذلك قريبًا؟!

المزيد من بوابة الوسط