انقطاع الكهرباء يرهق أصحاب الورش الصناعية في حلب

ورشة تعمل في مدينة حلب بينما لا يزال جزء منها مدمرا في 30 أغسطس 2021. (أ ف ب)

ما إن تلامس عقارب الساعة السادسة مساء حتى يسود الصمت في حي كرم القاطرجي في حلب، مع توقّف ضجيج آلات الورش الصناعية جراء انقطاع الكهرباء يومياً عن أحياء عدة في المدينة الواقعة في شمال سوريا. ويوضّب أصحاب المؤسسات وعمالهم حاجياتهم، يغلقون محالهم ويغادرون باكراً مكاناً اعتادوا العمل فيه ليلاً نهاراً في الماضي في مدينة شكلت قبل اندلاع النزاع في العام 2011 العاصمة الاقتصادية لسورية، قبل أن تقضي سنوات من المعارك وتداعيات الحرب على المرافق والخدمات الرئيسية فيها.

ويقول محمود مجقيني (31 عاماً) لوكالة «فرانس برس» من ورشته المخصصة لحياكة الشاش الطبي «لا أستطيع أن أقول إن الحرب انتهت إلا حين تعود آلياتي لتعمل على مدار الساعة».

واستنزفت سنوات الحرب قطاعي الطاقة والكهرباء مع خروج أبرز حقول النفط والغاز عن سيطرة دمشق من جهة، وتضرّر محطات توليد وأنابيب في المعارك من جهة أخرى. وتحول العقوبات الاقتصادية على دمشق دون وصول بواخر النفط بشكل منتظم إلى سورية. وتشهد مناطق سيطرة الحكومة منذ سنوات ساعات تقنين طويلة وصلت خلال الأشهر الماضية في بعض المناطق إلى نحو عشرين ساعة يومياً، بسبب عدم توفر الفيول والغاز اللازمين لتشغيل محطات التوليد.

وتقع ورشة محمود حيث تعمل أربع آلات حياكة من أصل ثماني جراء غياب اليد العاملة، في الطابق الثالث من مبنى متضرر. ولا يزال جدار الورشة المطل على الشارع مدمراً، ويشكل المرور إلى جانبه خطراً على محمود وولديه، وفق ما يقولون. ويتابع محمود «لو كانت الكهرباء متوفرة بشكل أطول، لعملنا أكثر، وتمكنت من ترميم الجدار المدمر.. لكن الوضع الحالي لا يسمح بذلك». ويضيف «نعمل حالياً على حافة الموت».

البدء من الصفر في حلب
في المناطق الصناعية داخل مدينة حلب، على غرار حي كرم القاطرجي، تتوفر منذ نحو عام كهرباء الدولة أربعة أيام في الأسبوع، من السادسة صباحاً حتى السادسة مساء. وفي أحيان كثيرة، تخضع هذه المدة للتقنين.أما في الأيام المتبقية، فلا تأتي كهرباء الدولة أبداً، فلا يجد الصناعيون أمامهم حلاً إلا بتشغيل المولدات التي تعمل على المازوت لساعات محدودة أو التوقف عن العمل تماماً. وتعتمد محافظة حلب نظام تقنين في المناطق الصناعية أفضل من تلك السكنية، التي تشهد ساعات تقنين أطول. ويعتمد سكان المدينة بشكل واسع على الاشتراك في مولدات خاصة.

وشهدت مدينة حلب معارك طاحنة بين القوات الحكومية وفصائل معارضة بدءاً من العام 2012. وفي نهاية 2016، وبعد حصار طويل وهجوم عسكري واسع على الأحياء الشرقية التي كانت تحت سيطرة الفصائل المعارضة، استعادت القوات الحكومية السيطرة على كامل المدينة وجرى إجلاء آلاف المقاتلين المعارضين منها.واعتادت المناطق الصناعية، وعددها أكثر من عشر في المدينة، قبل الحرب العمل ليلاً نهاراً. لكنّ المعارك أخرجت المئات من المعامل والورش من الخدمة، قبل أن يستعيد بعضها وتيرة الإنتاج بشكل محدود وتدريجي، تبعاً لساعات توفر الكهرباء.

ورغم إزالة كميات ضخمة من الأنقاض وفتح طرق عدة، لكنّ عودة البنى التحتية لا تزال خجولة في أحياء عدّة. ويقول المدير العام للشركة العامة للكهرباء في حلب محمّد الصالح لـ«فرانس برس»: «بدأنا العمل لإعادة تأهيل المنظومة الكهربائية في المناطق المتضررة منذ العام 2017، لكن المسألة ليست بهذه السهولة». ويُضيف «دخلنا إلى الأحياء الشرقية لحلب ولم نجد لا نواقل ولا أعمدة ولا محطات توليد الكهرباء. نبدأ من الصفر مُجدداً».

مواطن سوري: أستثمر كل دقيقة
وأعلنت الشركة العامة للكهرباء في حلب في فبراير بدء مشروع إعادة تأهيل المحطة الحرارية في المحافظة بدعم إيراني. وتعدّ من المحطات الرئيسية في البلاد خارج الخدمة ومن شأن إعادة العمل بها أن يسهم في توفير الكهرباء لحلب وضواحيها. ووقعت دمشق وطهران في سبتمبر 2017 مذكرة تفاهم «للتعاون في مجال القطاع الكهربائي» تتضمن إلى إعادة تأهيل محطة حلب، إنشاء محطة توليد طاقة في اللاذقية وصيانة وتأهيل قطاعات كهربائية في مناطق أخرى.

في حي كرم القاطرحي، يتذكر عبد السلام مزيك سنوات مضت كانت المنطقة الصناعية تضج خلالها بأصوات آلات المعامل والورشات. ويتحسّر على أيام لم تكن تتوقف خلالها آلياته عن العمل. ويفتح عبد السلام (52 عاماً)، وهو صاحب ورشة لحياكة الأقمشة الملونة، أبواب مصنعه لأربعة أيام فقط في الأسبوع. ويقول لـ«فرانس برس»: «أستثمر كل دقيقة تأتي فيها الكهرباء»، موضحاً أنه قبل النزاع «كنا نعمل بدون توقف ولو للحظة واحدة».

وبحسب نائب رئيس غرفة صناعة حلب مصطفى كواية، ضمّت حلب قبل الحرب «35 ألف معمل ومنشأة، لكن العدد تراجع في ذروة الحرب إلى نحو 2500 منشأة». وبعد سيطرة القوات الحكومية على كامل المدينة، عادت تقريباً نحو 19 ألف منشأة إلى العمل. ودارت عجلة الإنتاج مجدداً «بنسبة لا تزيد عن النصف»، وفق كواية، «بعدما خسرنا نحو 50% من إنتاجنا» مقارنة مع ما قبل 2011.

ويستعين عبد السلام الذي أعاد فتح ورشته قبل ثلاثة أعوام، بعاملين فقط، إذ «لا ضرورة لعدد أكبر من العمال ضمن هذا الوقت المحدود للعمل»، وفق ما يقول. ويطل من شرفة ورشته على مبان حوله معظمها متضرر بشكل كبير، بينها ما هو مهدم وبينها ما تصدعت جدرانه وباتت آيلة للسقوط. ويقول «يُعرف الصناعي الحلبي بحبه للعمل في كل الظروف ما ينقصنا اليوم هو الكهرباء».

المزيد من بوابة الوسط