أزمة «كورونا» تدفع آلاف الأطفال في الأردن إلى سوق العمل

الفتى الأردني عمر يعمل في إصلاح المدافئ بورشة في عمان. 10 يناير 2021. (أ ف ب)

يشعر عمر الذي يبلغ 14 عامًا، الذي عطلت جائحة فيروس «كورونا المستجد» حلمه بأن يصبح طيارا، بحسرة كلما مرّ صباحًا أمام مدرسته المغلقة في إحدى مناطق عمان الشعبية وهو في طريقه إلى عمله في محل لإصلاح المدافئ، وأدى توقف التدريس في المدارس منذ منتصف مارس 2020 إلى التحاق آلاف الأطفال بسوق العمل، خصوصًا مع فقدان كثير من الأسر مصادر دخلها المعتادة بسبب تداعيات تدابير الإغلاق على الوضع الاقتصادي، وفقا لوكالة «فرانس برس».

وانضم هؤلاء الأطفال لنحو 76 ألف طفل عامل في الأردن، وفقًا لأرقام رسمية نشرت العام 2016، رغم أن القوانين تحظر عمل الأطفال تحت سن 16 عامًا، ويعمل عمر في محل لإصلاح مدافئ الكيروسين «الكاز» و«الغاز» في منطقة الأشرفية الشعبية في عمان الشرقية منذ نحو أربعة أشهر قرابة 12 ساعة يوميًّا، خصوصًا في ظل عدم فتح المدارس، ويقول الفتى الذي اتسخت ملابسه ويداه بالسواد مبتسما: «آمل بأن تنتهي هذه الجائحة لأعود لإكمال دراستي وتحقيق حلمي كي أصبح طيارًا أجوب العالم»، لكن على التلميذ في الصف السابع الانتظار، فقد قررت الحكومة إعادة فتح دور الحضانة والمدارس للصفوف الثلاثة الأولى والثانوية العامة في السابع من الشهر المقبل، ولباقي الطلاب في الشهر الذي يليه، ويقول عمر بفخر: «أنا أعمل كي أساعد أهلي في مصروف البيت».

لا فرص عمل منذ تفشي «كورونا»
ولا تزال مدافئ الكيروسين «الكاز» و«الغاز» وسيلة تدفئة قليلة الكلفة وواسعة الانتشار في الأردن وسط غلاء تكاليف المعيشة، حيث يشكو عمر اتساخ ملابسه الدائم وتطاير رائحة الكاز منها، قائلاً: «عند عودتي إلى المنزل أغتسل وأستحم، لكن رغم ذلك تبقى رائحة الكاز تفوح من يدي»، ويشير الطفل البشوش إلى أنه بالكاد يجد وقتًا في المساء ليجلس مع شقيقته الصغيرة ووالديه، إذ ينام باكرًا ليصحو باكرا، ويحصل عمر على ثلاثة دنانير يوميًّا تساعد أسرته في إيجار البيت البالغ 130 دينارًا (نحو 183 دولارًا) خصوصًا أن والده عامل بالأجر اليومي «مياوم» لم يعد يجد فرص عمل مثل عشرات الآلاف غيره منذ تفشي فيروس «كورونا المستجد».

ويقول خضر أبو زيد (58 عامًا) الذي يؤجر عشرات العربات يوميًّا منذ نحو 24 عامًا في السوق الشعبية في منطقة الوحدات المكتظة بالسكان في عمان، إنه منذ إغلاق المدارس «زاد عدد الأطفال الذين يستأجرون العربات»، ويضيف: «الآن الذين يقومون بالتحميل في السوق هم صغار بين 12 و17 عامًا»، ويجني كل منهم نحو خمسة دنانير يوميًّا (نحو سبعة دولارات) وأحيانًا أكثر.

وهذا ينطبق على مصطفى (12 عامًا) الذي يصحو باكرًا يوميًّا ليستأجر عربة ينقل عليها البضائع في السوق، حيث يقول مصطفى وهو ينتظر تسلم عربة استأجرها بعد أن جرى إصلاحها: «لا توجد مدارس الآن. أعمل منذ أشهر بشكل يومي، أنقل الخضار والدجاج في السوق»، ويضيف وهو يدفع العربة: «أعمل من التاسعة صباحًا حتى التاسعة مساء تقريبا»، ويجني مصطفى يوميًّا نحو خمسة دنانير يدفع منها دينارًا واحدًا إيجارًا للعربة ويعطي النقود لأهله ليساعدهم، فشقيقاه ووالده عمال مياومون لا يجدون عملاً كل الوقت.

وبلغ معدل الفقر، وفق الأرقام الرسمية في الأردن في خريف 2020، نحو 15.7%، بينما توقع البنك الدولي زيادة معدلات الفقر في المدى القصير 11% وارتفع معدل البطالة في المملكة العام 2020 ليصل إلى نحو 23%، في بلد تجاوز دينه العام 102% من الناتج الداخلي.

ويقول مدير «المرصد العمالي الأردني» (غير حكومي) أحمد عوض إن «العاملين الأساسيين المؤثرين على زيادة أو نقصان عمل الأطفال هما مستوى الفقر وفعالية نظام التعليم في المرحلة الأساسية، والمساران تأثرا سلبا» خلال جائحة «كوفيد-19»، ويوضح: «معدلات الفقر زادت بشكل ملموس مع انخفاض مستويات الأجور نتيجة اختلال العرض والطلب والإغلاقات والإجراءات الحكومية، وهناك من سرح من عمله. والجانب الثاني الأساسي هو التعليم وكما تعلم في الفصلين الدراسيين، لم يكن هناك تعليم وجاهي».

وترى منسقة «منظمة العمل الدولية» في الأردن، فريدة خان، أن وضع عمالة الأطفال في الأردن «مقلق»، خصوصًا مع عدم كفاءة نظام التعليم الإلكتروني، وتضيف: «معظم العائلات لديها مستوى بسيط من التعليم ولا تتمكن من مساعدة أطفالها في التعلم عن بعد»، ناهيك عن تشتت ذهن الأطفال في المنزل، مشيرة إلى أن «الأهالي الذين يفقدون دخلهم يواجهون خيارات صعبة فيدفعون أبناءهم إلى سوق العمل لتعويض الدخل المفقود، خصوصًا مع استمرار إغلاق المدارس»، حيث تسعى منظمة العمل الدولية لجعل العام 2021 عام القضاء على عمالة الأطفال.

وارتفع عدد الأطفال العاملين في الأردن من نحو 33 ألفًا العام 2007 الى قرابة 76 ألفًا العام 2016، ويعمل نحو 45 ألفًا منهم في أعمال تصنف خطرة، وفقًا لأرقام رسمية، وتقول ممثلة منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في الأردن تانيا شابويزات لـ«فرانس برس» السبت: «ليست لدينا أرقام جديدة محددة، لكننا نعلم أن الأرقام تضاعفت بين عامي 2007 و2016، ونعتقد أنه مع الجائحة ستكون الأرقام أسوأ»، مضيفة: «نشعر بالقلق من أن الأرقام في ارتفاع، ومن المنطقي أن ترتفع لأننا نعلم أن معدلات الفقر في ارتفاع».

وتكشف شابويزات قائلة: «نعلم أن واحدا من كل أربعة أطفال لا يدخل إلى منصات التعلم عن بعد، وفقط 31% من مجموع الأطفال لديهم إنترنت»، مشيرة إلى أن«نظام التعلم عن بعد قد يكون فعالاً لبعض الأردنيين، ولكن يهمنا من هم الأكثر ضعفا. وبالنسبة إلى هؤلاء القضية معقدة للغاية».

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط