أزمة المياه تهدد مناطق زراعية جنوب المغرب

المزارع حيدر يسير وسط حقل لأشجار الليمون اليابسة في أغادير. 22 أكتوبر 2020. (فرانس برس)

أضحت معظم المزارع الشاسعة على امتداد السهول القريبة من مدينة أغادير في جنوب المغرب جرداء إلا من بقع خضرة نادرة، بعد حرمانها من مياه السدود لضمان تزويد سكان المدينة بمياه الشرب، في ظل أزمة جفاف حادة.

متجولًا وسط أشجار برتقال اصفرت أوراقها وتشققت جذوعها من شدة العطش في واحدة من المزارع المتضررة بمنطقة آيت ملول في ضواحي أغادير، يقول المزارع أحمد الدريوش متحسرًا: «هذه الأشجار عمرها نحو عشرين عامًا، لكنها ماتت الآن بسبب قطع مياه الري عنا».

ويضيف الخمسيني الذي يرأس جمعية للمزارعين منفعلًا: «لا أفهم لماذا لم يبحثوا عن حلول أخرى لتوفير مياه الشروب بدل تشريد المزارعين»، لكن السلطات لم تجد حلًا آخر غير تحويل مياه السدود التي كانت تروي مزارع المنطقة، الأولى في المغرب على مستوى صادرات الحوامض والبواكر، إلى مدينة أغادير ومحيطها لتأمين مياه الشرب لقرابة مليون شخص، فقد أدت سنوات متتالية من الجفاف إلى تراجع مخزون السدود المائية بالمغرب إلى مستوى لا يتجاوز 37% في أكتوبر مقابل 45.6% في الفترة نفسها من العام الماضي، وبلغ هذا التراجع «مستوى غير مسبوق يقدر بنحو 94% في جهة سوس ماسة الزراعية»، بحسب المسؤول في وكالة «الحوض المائي»، عبد الحميد أسليخ.

كما تسبب في قطع مياه الشرب عن سكان أغادير منذ بداية أكتوبر بين العاشرة مساءً والخامسة صباحًا، إلا أن أسليخ يؤكد أنه إجراء «احترازي فقط مكَّن من اقتصاد عشرين في المئة من المياه التي كانت تبذّر ليلًا»، في المقابل، انقطعت مياه السقي تمامًا عن مزارعي الجهة ولم يبقَ لهم سوى رجاء الأمطار، أو الاعتماد على المياه الجوفية التي تراجعت كثيرًا ويصعب تحمل تكاليف استخراجها بالنسبة للصغار منهم.

المياه تغمر سد عبد المؤمن
بعدما كانت المياه تغمر سد عبد المؤمن على مشارف أغادير إلى حد جذب مغامرين من هواة السباحة، صار قعره اليوم عاريًا إلا من برك ماء ضحلة، تبدو معها عبارة «ممنوع السباحة» على لافتة تحذيرية في إحدى جنباته غير ذات معنى، ويمكن رؤية راعٍ يسير خلف بضع رؤوس من الماعز نحو حشائش وسط جوف السد الذي تحتضنه مرتفعات الأطلس الصغير. أما أشجار الأرغان الشهيرة على امتداد تلك الجبال، فتحولت خضرتها إلى سواد.

على الجانب المقابل لهذه الجبال باتجاه الجنوب، ذبلت أشجار الزيتون بسبب انقطاع مياه السد عنها منذ 2017، باستثناء أجزاء صغيرة في بساتين مزارعين كبار استعانوا بمياه الآبار، وروت مياه السد مزرعة عبد الرحمان (31 عامًا) المتوسطة لسنوات جنى خلالها أصنافًا عديدة من الخضر والفواكه، لكنه يجد نفسه اليوم «مضطرًا لاكتفاء بزراعة هكتار واحد لأن مياه البئر مالحة ولا تضمن جودة كل المزروعات».

ويضيف متأملًا شجيرات صبار تخترقها شقوق من شدة العطش: «لم أشهد جفافًا كهذا، ليرحمنا الله»، ولم يقتصر وقف سقي المزارع بمياه السدود على جهة سوس ماسة بل يشمل أيضًا أراضي زراعية في منطقتي الحوز في ضواحي مراكش ودكالة باتجاه الشمال، بحسب وزارة الفلاحة والصيد البحري «في انتظار تحسُّن مخزون السدود» إذا كانت السماء أقل بخلًا هذا الخريف. وتبدو آمال الإنعاش الاقتصادي إجمالًا مرهونة بكرم السماء لكون الزراعة أهم قطاع في المغرب.

أولوية المياه للإنسان
وفضل حيدر (25 عامًا) التخلي تمامًا عن زراعة حقله هذا الخريف مكتفيًا بالاتجار في الخضراوات للمساعدة في إعالة أسرة من خمسة أفراد.

ويقول الشاب متجولًا وسط حقل عارٍ تحت شمس حارة: «الأولوية للإنسان، لا بد من توفير مياه الشرب أولًا»، مشيرًا إلى أن نحو 10 فقط من أصل 200 عضو في جمعية للمزارعين غامروا بغرس حقولهم هذا الخريف، لكنه يستدرك: «الوضع الحالي لا تتحمله السماء لوحدها، بل هو نتيجة قرارات غير راشدة استنزفت المياه لإنتاج فواكه وخضر تستهلك المياه كثيرًا».

وتؤكد وزارة الفلاحة أن مخطط المغرب الأخضر الذي أُطلق في 2008 لتطوير القطاع، «مكَّن من اقتصاد ملياري متر مكعب من مياه الري»، وإضافة إلى قطع الري عن المزارعين، قررت السلطات «منع ري ملاعب الغولف وحدائق الفنادق بالماء الموجه للشرب» في أغادير، و«التشجيع على استعمال المياه المستعملة المعالجة»، وفق أسليخ. لكنها تراهن على الخصوص على بدء العمل في أبريل المقبل بمحطة لتحلية مياه البحر على المحيط الأطلسي لسد العجز في الماء الشرب بالنسبة لأغادير ومحيطها، فضلًا عن استعمالها لري جزء من الأراضي الزراعية بالمنطقة.

وتسبب شح الأمطار هذا العام، إلى جانب التداعيات الاقتصادية لأزمة «كوفيد-19»، في انكماش اقتصادي بمعدل 6.3% هو الأسوأ منذ 24 عامًا، وفق المصرف المركزي المغربي، فضلًا عن فقدان نحو 78 ألف وظيفة في القطاع الزراعي، بحسب تقديرات رسمية.

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط