السودان لا يزال يعاني صعوبات اقتصادية برغم إطاحة البشير.. طوابير الوقود والخبز مستمرة

سودانيون ينتظرون أمام مخبز في أم درمان، 11 مارس 2020. (فرانس برس).

تثير الثورات الحلم والأمل لدى الشعوب، لا سيما فيما يخص تحسن أحوالهم الاقتصادية، البعض يعتقد أنه بعد التخلص من الفساد المالي للأنظمة يمكن أن يهنأ الشعب برفاهية اقتصادية أو على الأقل حياة ذات مستوى جيد، غير أن ذلك لم يتحقق بالنسبة للسودانيين الذين توقعوا أن تتحول أوضاعهم إلى الأفضل عقب إطاحة نظام الرئيس السابق عمر البشير.

البشير حكم البلاد ثلاثين عاما وأطاحه الجيش في أبريل الماضي، لكنّ الأوضاع تدهورت بعد مضيّ نحو عام على هذه اللحظة التاريخية، ما يشكّل تهديدا للسلم الاجتماعي في بلد يشهد انتقالا للسلطة.

طوابير الوقود
وحسب تقرير لوكالة «فرانس برس»، فإن العبء الأكبر يقع على عامّة الشعب، إذ ينتظر الناس في العاصمة الخرطوم ست ساعات في طابور لتعبئة سيّاراتهم بالوقود، وثلاث ساعات للحصول على رغيف خبز لعائلاتهم.

وفيما تنقطع التغذية بالتيار الكهربائي عن المنازل نحو ستّ ساعات يوميّا، يبقى غاز الطبخ نادراً. أمّا مستخدمو وسائل النقل العامّ فيبقون ساعات طويلة تحت أشعّة الشمس الحارّة ووسط الغبار، في انتظار حافلة تأتي أو قد لا تأتي.

أوضاع لم تتحسن
حسن إبراهيم، سائق حافلة مواصلات، يقول بلهجة غاضبة: «منذ الصباح الباكر أقِف، ولا أثر للديزل. (وقتها كانت الساعة الحادية عشرة صباحا بالتوقيت المحلي)». وأضاف: «خرج الناس في المظاهرات لتحسين الوضع، فإذا كان الذين يَحكمون لا يستطيعون ذلك، عليهم أن يذهبوا».

وتفجّر الغضب للمرّة الأولى بعد إطاحة البشير، خلال تظاهرة نظّمها مئات الأشخاص في 20 فبراير الماضي احتجاجا على إقالة ضبّاط من الجيش ناصروا الاحتجاجات ضدّ حكم البشير.

لكنّ رقعة الاحتجاجات لم تتّسع، إذ إنّ رئيس الوزراء، عبدالله حمدوك، يحظى بشعبيّة كبيرة، خصوصاً بعد محاولة اغتياله الإثنين الماضي، وفق الوكالة الفرنسية.

السائق أحمد، وهو في الأربعينات من عمره يعمل على سيّارة نقل، ويقول أثناء وقوفه مع آخرين في طابور خارج محطّة وقود بالخرطوم: «نُعاني في الحصول على كلّ أنواع الوقود، منذ مساء الأمس أقف للحصول على الديزل لسيّارتي، والآن المحطة ليس بها وقود».

وكانت وزارة الطاقة والتعدين أعلنت الأربعاء الماضي أنّ مصفاة الخرطوم لتكرير النفط تعمل بطاقتها القصوى وتُنتج 70% من حاجة البلاد للبنزين و45% من الديزل و65% من غاز الطبخ.

ويتعيّن على فرد من كلّ عائلة الوقوف يوميا في طابور، للحصول على رغيف خبز. ويقول الشاب العشريني محمد عمر أثناء وقوفه مع آخرين في طابور أمام أحد المخابز في العاصمة: «منذ أربعة أشهر ونحن نقف يوميا لساعات في طابور للحصول على رغيف الخبز، فالحكومة كانت وعدت بحل الأزمة خلال شهر، لكن لم يحدث شيء».

معاناة ما بعد الانفصال
ومنذ انفصال جنوب السودان عن السودان العام 2011، يعاني اقتصاد البلاد من ارتفاع معدّلات التضخم وتراجع قيمة الجنيه السوداني إثر فقدان عائدات 470 ألف برميل يوميا.

وتسعى الحكومة إلى القيام بإصلاحات برئاسة حمدوك، الذي عمل لسنوات في الأمم المتحدة وتمّ تعيينه في أغسطس الماضي بعد اتّفاق سياسي بين العسكريين والمدنيّين، ليرأس حكومة لفترة انتقاليّة تمتدّ ثلاث سنوات وتنتهي بإجراء انتخابات عامّة.

ومقرر أن يعقد مؤتمر أصدقاء السودان الذي يضمّ دولا غربية على رأسها الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا ودول عربية، في يونيو المقبل في الخرطوم.

ويُتوقع أن تعقد حكومة حمدوك نهاية الشهر الجاري مؤتمرا اقتصاديا يشارك فيه متخصّصون، في محاولة لحلّ الأزمة الاقتصاديّة في البلاد. لكنّ الحكومة تشكو من أنّها ورثت وضعاً صعباً وخزينة مفلسة.

تركة الإفلاس
بدوره، قال وزير الثقافة والإعلام، الناطق باسم الحكومة، فيصل محمد صالح، للوكالة الفرنسية: «لقد ورثنا وضعا مفلسا، وهناك تباطؤ من المجتمع الدولي والإقليمي لا نملك له تفسيرا. لعلّهم لا يُدركون اللحظة الحرجة التي نحن فيها. نحن لا نريد صدقات من العالم، وبلادنا لديها موارد طبيعيّة لم تُستَغل، ولكنها تحتاج إلى التمويل للبدء باستغلالها».

ونبه بأن موسم حصاد القمح مبشّر جدا؛ لكنّه يُعاني نقصاً في آليّات الحصاد.

ويُعاني الاقتصاد السوداني جرّاء إدراج السودان على اللائحة الأميركيّة «للدول الراعية للإرهاب» منذ العام 1993 بعد اتهام وُجّه آنذاك لحكومة البشير بإقامة علاقات مع تنظيمات إسلاميّة متطرّفة، مثل تنظيم القاعدة الذي أقام مؤسّسه وزعيمه السابق أسامة بن لادن في السودان بين الأعوام 1992 و1996.

وتُحاول حكومة حمدوك الحصول على استثمارات غربية مباشرة عبرَ رفع اسم البلاد عن تلك اللائحة الأميركية؛ فيما وصفت مؤسسات اقتصادية دولية الوضع في السودان بأنه ينذر بالخطر.