الأرجنتينيون يفقدون الثقة في عملتهم ويحولونها إلى الدولار

واجهة أحد مكاتب الصيرفة في بوينوس ايريس في 2 سبتمبر 2019.(فرانس برس)

ما أن تتسلم أوجينيا راتبها المقوم بالبيزو الأرجنتيني حتى تحوله إلى الدولار وتخبئه في منزلها، أسوة بكثير من الأرجنتينيين الذين يرزحون تحت أزمات اقتصادية متكررة، ما يجعلهم يخشون إيداع أموالهم في المصارف أكثر من خوفهم من التعرض للسرقة.

تقول هذه المحامية (43 عامًا)، رافضة كشفت عن اسمها، كما كل الذين تحدثت إليهم وكالة «فرانس برس» بهذا الشأن، «لم يعد لديّ ثقة في البيزو. هذا الأمر ليس وليد اللحظة، بل يعود إلى فترة طويلة سابقة».

بعد عقود من موجات التضخم والانكماش الاقتصادي وتخفيض قيمة العملة، يفضل عديد الأرجنتينيين تحويل أموالهم إلى الدولار وتخبئة مدخراتهم «تحت الفراش» وفقًا للتعبير الشعبي المستخدم.

تضع أوجينيا مدخراتها في الحمام، وتقول: «أفضِّل أن أتعرض للسرقة على يد أحد اللصوص، من أن أضع أموالي في المصرف»، في الواقع، إن انعدام الثقة بالمؤسسات المصرفية ليس أمرًا جديدًا أو وليد الساعة.

يقول ماتياس راخنيرمان، الاقتصادي في شركة إيكولاتينا: «تاريخيًّا، كل الذين جمعوا مدخراتهم بالبيزو خسروا نتيجة إفلاس النظام المصرفي على عكس الذين ادخروا بالدولار».

في منتصف العام 2019، سحبت صوفيا (52 عامًا) مدخراتها بالدولار من المصرف، خشية من تطور الأزمة الاقتصادية وتفاقمها بعد عودة اليسار البيروني إلى السلطة إثر فوزه بالانتخابات في أكتوبر الماضي، وتساءلت قائلة: «ما كان عساي أن أفعل غير ذلك؟» مشيرة إلى أن العملة المحلية فقدت 40% من قيمتها في العام 2019 فقط.

بعد فترة وجيزة من توليه منصبه، تبنى ألبرتو فرنانديز، الرئيس البيروني الجديد المنتمي إلى اليسار الوسط، مجموعة من التدابير الطارئة لمواجهة التضخم الذي وصل إلى أكثر من 53% في العام 2019، وتفاقم معدل الفقر في البلاد والارتفاع الصاروخي في الدين العام ووصوله إلى 91% من إجمالي الناتج المحلي.

كذلك فرض ضريبة بنسبة 30% على شراء العملات الأجنبية لزيادة احتياطات البلاد بها، وحافظ على الضوابط المفروضة على العملات الأجنبية مع إبقائه الحد الأقصى للسحوبات النقدية عند 200 دولار شهريًّا لكل شخص، وهو الإجراء الذي وضعه سلفه، من اليمين الوسط، ماوريسيو ماكري (2015-2019).

خزائن في المصارف
في الواقع، بقي سعر البيزو في مقابل الدولار مستقرًّا، إذ يساوي كل دولار 63 بيزو، وفقًا لسعر الصرف الرسمي، حتى ولو وصل في السوق الموازية إلى 83 بيزو. وعمليًّا تسعى الحكومة إلى مكافأة مَن يعيد أمواله إلى البلاد، لكن على الرغم من ذلك، لا تزال المراهنة على البيزو أمرًا صعبًا بالنسبة إلى المقيمين في الأرجنتين وفق ما يؤكد محللون.

يقول ماتياس راخنيرمان: «في هذا البلد، تاريخ طويل من الانتهاك الممنهج للحماية القانونية للمدخر. غالبًا ما تستحوذ الحكومة على مدخرات القطاع الخاص أو تستبدلها بسندات»، مضيفًا: «لقد تكرر هذا الأمر مرات عدة، خصوصًا في العام 2001»، عندما تخلفت البلاد عن سداد ديونها».

لا يزال شبح العام 2001 يطارد الأرجنتينيين، ففي تلك السنة، أقدم الرئيس السابق فرناندو دي لا روا، على مبادرة لمنع تسريب السيولة من المصارف المحلية في محاولة للتغلب على الأزمة، ونص التدبير على سحب 250 بيزو، أي ما يساوي 250 دولارًا في ذلك الوقت، من المصارف كحد أقصى أسبوعيًّا، مع حظر تحويل الأموال إلى خارج البلاد.

فضلًا عن أن التحويل القسري للحسابات بالدولار إلى البيزو الذي خفضت قيمته، جعل الأرجنتينيين يخسرون جزءًا كبيرًا من مدخراتهم. ومنذ ذلك الوقت، يدخر الكثير منهم أموالهم خارج البلاد، ووفقًا للمصرف المركزي، يمتلك الأرجنتينيون أكثر من 300 مليار دولار في الخارج، ويدخرونها في مصارف في الولايات المتحدة وسويسرا والأوروغواي.

إلى ذلك، يحذر الاقتصاديون من هذا النزف المتواصل في الدولارات، والناتج بالأساس عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها النظام المصرفي. ويقول ماتياس راخنيرمان: «يؤدي هذا الأمر إلى تقلص حجم النظام المالي بحيث يصبح من الصعب عكس هذا الاتجاه».

عمليًّا، زاد التدهور الاقتصادي من الطلب على الخزائن في المصارف الأرجنتينية، لدرجة أن بعضها اضطر إلى تنظيم لوائح انتظار، وتسعى فابيانا وهي طبيبة تبلغ 56 عامًا، إلى وضع 40 ألف دولار في خزنة ولكنها لم تتمكن من ذلك، إذ تشير إلى أن «هناك الكثير من الأشخاص قبلي».