اللبنانيون يتوافدون إلى المتاجر لتخزين السلع الغذائية خشية تفاقم الأوضاع الاقتصادية

رجل يتسوق في أحد متاجر العاصمة اللبنانية بيروت، 9 نوفمبر 2019. (فرانس برس)

تدفق اللبنانيون على المتاجر الغذائية في العاصمة بيروت، خلال اليومين الماضيين، لشراء احتياجاتهم الأساسية خشية انقطاعها أو استباقا لارتفاع حاد في أسعارها، في خضمّ موجة احتجاجات غير مسبوقة ضد الطبقة السياسية انطلقت في 17 أكتوبر الماضي.

وذكرت وكالة «فرانس برس»، أن المستهلكين يتهافتون إلى برادات اللحوم والأجبان وقسم الخضار والفاكهة ويملأون الممرات المخصصة للحبوب والمعلبات، فيما تخلو ممرات أخرى للكماليات مثل المشروبات الكحولية والحلويات من الزبائن.

وفي أحد المتاجر الكبرى في بيروت، تضع امرأة أربعينية أكياسا من الفاصولياء فوق كومة من المواد الغذائية الأخرى في عربتها، على غرار آخرين توافدوا لشراء الحاجيات الأساسية، وتقول: «لا أذكر أننا قمنا بالتمون بهذه الطريقة من قبل نحن مخنوقون، نتموّن تحسباً للأيام المقبلة والمرحلة الضبابية التي تنتظرنا»، مضيفة: «في السابق كنت كل ما آتي إلى السوبرماركت، أقول لأولادي: اشتروا ما تريدون، أما الآن فممنوع عليهم سوى اختيار شيء واحد فقط لأنني أريد أن أشتري المواد الغذائية فقط». 

اقرأ أيضا: الباعة المتجوّلون يجدون زبائنهم في تظاهرات بيروت  

وتسبب الحراك الشعبي المُطالب برحيل الطبقة السياسية، والذي بدأ على خلفية مطالب معيشية، بشلل في البلاد شمل إغلاق المصارف لأسبوعين، وبعد إعادة فتحها تبين أن أزمة السيولة -أحد أسباب غضب اللبنانيين قبل التحرك الشعبي- باتت أكثر حدّة، إذ ظهرت للمرة الأولى خلال الصيف -منذ أكثر من عقدين- سوق صرف موازية يُباع الدولار فيها أحيانا بقيمة تصل إلى 1800 ليرة، فيما لا يزال السعر الرسمي لليرة ثابتا على 1507.

واتخذت المصارف اللبنانية إجراءات للحدّ من بيع الدولار وفرضت خلال الأسبوع الحالي قيوداً إضافية بعد توقف دام أسبوعين جراء الاحتجاجات الشعبية. ولم يعد بإمكان المواطنين الحصول على الدولار وهي عملة معتمدة في التداول في لبنان، من الصراف الآلي، بينما يطلب منهم تسديد بعض مدفوعاتهم من قروض وفواتير بالدولار. 

موجة هلع
وفي وقت حذّرت محطات الوقود من انتهاء مخزون البنزين لديها، أعلن نقيب المستشفيات، أن مخزون الأدوية والمستلزمات الطبية الحالي يكفي شهرا واحداً فقط؛ نتيجة الإجراءات المشددة التي اتخذتها المصارف اللبنانية للحدّ من بيع الدولار الضروري للشراء من المستوردين.

اقرأ أيضا: مستشفيات لبنان تهدد بالإقفال ليوم واحد بسبب «تحويل الدولار»  

وتسبب كل ذلك بموجة هلع انعكست على حركة الشراء في المتاجر الغذائية، فأكدت مسؤولة صالة المواد الغذائية في مؤسسة تجارية في محلّة فرن الشباك شرق العاصمة تدعى غيرين سيف، أن «الحركة أكثر من العادة وتشبه أيام الأعياد من حيث الزحمة.. هذا كله بسبب الخوف من انقطاع المواد الأساسية. يشتري الناس الخبز والطحين والسكر والحبوب والمعلبات والمستلزمات المنزلية مثل المحارم، ويستغنون عن كل ما يعدّ كماليات».

وأدى الحراك الشعبي إلى استقالة الحكومة، لكن لم يبدأ رئيس الجمهورية ميشال عون باستشارات جديدة لبدء تشكيل حكومة جديدة. ومن الواضح أن الطبقة الحاكمة تسعى إلى إنقاذ مكتسباتها والاحتفاظ بمواقعها بينما يتمسك المحتجون بالمطالبة بحكومة مستقلة. وبالتالي لا مؤشرات بعد على خطوات تؤدي الى حلول، وحاول المسؤولون طمأنة مخاوف الناس، فقد عقد عون ومسؤولون ماليون ومصرفيون بينهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، اجتماعا أعلنوا على إثره أن «لا داعي للهلع» مؤكدين اتخاذهم تدابير لتيسير أمور المودعين المالية، وفق الوكالة الفرنسية.

فوضى بالأسعار
من جهته، أوضح رئيس جمعية المستهلك غير الحكومية زهير برو، أن التجار الكبار غير القادرين على الحصول على الدولارات من المصارف يبيعون بضائعهم للتجار الصغار بسعر الصرف الذي يناسبهم، مضيفا: «البلد في مرحلة فوضى بالأسعار.. والارتفاع طال العديد من المواد من البيض إلى اللحوم والأجبان والألبان، والخضار بنسب مختلفة»، وهو ما أكدت احدى الزبائن: «أسعار الفول والأرز والفاصولياء تضاعفت والزحمة عليها بشكل أساسي».

وقد وثّقت الجمعية، وفق شكاوى المواطنين التي تصلها، ارتفاعاً بنسبة 7% في أسعار اللحوم وأكثر من 25% في أسعار الخضار على سبيل المثال.

من خلف براد اللحوم في أحد المتاجر، يقول جزار يدعى فادي صليبي، أثناء تقطيعه اللحم: «في الأيام الأخيرة، بتنا نعمل من الثامنة صباحاً حتى العاشرة مساءً من دون توقف.

ويصطفّ كثر غالبيتهم من النساء في قسم الخضار والفاكهة. وتأتي إحداهنّ بأكياسٍ مليئة لتضعها في عربتها الممتلئة. ولا تتيح الزحمة للعامل على الميزان التوقّف لحظة عن العمل. وأمام صناديق الدفع، يقف المواطنون في طوابير طويلة.

ويقول مواطن يدعى أنطوان ديراني، بعدما ملأ عربته بمواد غذائية: «نحن نعيش في صلب الأزمة.. نتموّن اليوم ليكون لدينا احتياطات في المنزل»، مسترجعا بالذاكرة سنوات الحرب الأهلية (1975-1990)، وتمنى ألا تعود تلك الأيام: «أذكر تماماً كيف كنا نقف في الصفّ ونترجى البائعين للحصول على ربطة خبز فقط».