مدير «أونكتاد» يجيب على سؤال: ما نصيب الدول النامية من فاتورة الحرب التجارية..؟

..وسط صخب طبول الحرب في المشهد الاقتصادي العالمي، ما يزال العالم يحاول إدارة التوقعات بشأن مسارات ومآلات هذا النمط الصراعي في العلاقات الاقتصادية، بعد فرض الإدارة الأميركية تعريفات على واردات الصلب والألومنيوم بنسبة 25 و10 % على الترتيب..
لكن السؤال الذي لم يجيب عنه الكثيرون، ما هو حجم انعكاسات هذا الصراع على الدول النامية.. في هذا المقال الذي تعيد «بوابة الوسط» نشره نقلا عن موقع «بروجيكت سينديكيت»، يحاول الأمين العام لمنظمة مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية «أونكتاد» ميكيسا كيتوي رصد التداعيات، وهذا نص المقال:

«يقول مثل أفريقي قديم: «عندما تتقاتل الأفيال فإن الحشائش والأعشاب هي التي تعاني». ويصدق القول نفسه على الحروب التجارية الكاملة النطاق: فعندما تتصادم الاقتصادات الكبرى، تكون البلدان النامية بين الاقتصادات الأشد تضرراً.

في الأول من يونيو، فرضت الإدارة الأميركية تعريفات على واردات الصلب والألومنيوم بنسبة 25 و10 % على الترتيب . ولن تؤثر هذه الرسوم على الصين فحسب، بل وأيضاً كندا والمكسيك ودول الاتحاد الأوروبي.وكما لاحظت سيسيليا مالستروم، مفوضة الاتحاد الأوروبي لشؤون التجارة، في مناسبة عقدها مؤخراً مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، «لسنا في حرب تجارية، لكنها ربما تندلع». وهو وضع لابد أن يصيب الجميع بالقلق والانزعاج.

نحن نعلم من التاريخ أن لا أحد يخرج من حرب تجارية «فائزاً». وتمثل زيادات الرسوم الجمركية من قِبَل دول تجارية كبرى تقويضاً للجهود المبذولة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لإزالة الحواجز التجارية وتسهيل التجارة العالمية. فمنذ بدء سريان الاتفاق العام بشأن التعريفات الجمركية والتجارة (الجات) في العام 1947، انخفض متوسط قيمة التعريفات المعمول بها في مختلف أنحاء العالَم بنحو 85 %.

ولم يكن ذلك من قبيل المصادفة؛ بل كان نتيجة للتعاون المتعدد الأطراف، وثماني جولات من مفاوضات التجارة العالمية، أولاً بموجب اتفاقية الجات، ثم بموجب منظمة التجارة العالمية التي خلفتها. وكان خفض التعريفات الجمركية، إلى جانب التقدم التكنولوجي، سبباً في دفع التوسع غير العادي في التجارة العالمية الذي شهدناه خلال سنوات حياتنا. ففي العام 1960، كانت التجارة كحصة من الناتج المحلي الإجمالي 24 %؛ واليوم تقترب من 60%.

وعمل توسع التجارة على تغذية النمو الاقتصادي، وخلق الوظائف، وزيادة دخول الأسر في مختلف أنحاء العالَم. وهو عامل أساسي وراء نهوض الجنوب العالمي، حيث شهدت العشرات من الدول النامية نمواً اقتصادياً قوياً وتغيرات اجتماعية إيجابية. كما أتاح توسع التجارة تحقيق واحد من أكبر الإنجازات في تاريخ البشرية: انتشال مليار إنسان من براثن الفقر في غضون عشرين عاماً فقط.

بيد أن فوائد التوسع التجاري لم تعم الجميع بالتساوي. وفي بعض الحالات، أسفر هذا التوسع عن تدهور البيئة والنزوح الاقتصادي، حيث يشعر كثيرون الآن بأنهم ترِكوا وراء الركب. وهناك قضايا جادة ومشروعة لابد من معالجتها. لكن النزعة الأحادية ليست الطريقة للقيام بذلك. فالتحديات العالمية تحتاج إلى حلول عالمية.

من المؤسف أن التدابير التجارية الحالية تنذر بموقف يخرج منه الجميع خاسرين. ففي حال اندلاع حرب تجارية، سوف تخسر الشركات عبر مجموعة واسعة من القطاعات الأرباح، وسوف يفقد العمال وظائفهم. وتخسر الحكومات العائدات، ويصبح أمام المستهلكين خيارات أقل بين المنتجات. وبصرف النظر عن مواقعها، سوف تتكبد الشركات والحكومات والأسر تكاليف أعلى.

الأسوأ من ذلك أن حرباً تجارية عالمية ربما تعرض نظام التجارة المتعدد الأطراف ذاته للخطر. وسوف تفضي دون أدنى شك إلى زيادات في التعريفات أكبر كثيراً من أي شيء مثيل في التاريخ الحديث. وتظهر أبحاث الأونكتاد أن متوسط التعريفات قد يرتفع من مستويات لا تُذكَر إلى نحو 30 % على المصدرين الأميركيين، و35 % على المصدرين من الاتحاد الأوروبي، و40 % على المصدرين الصينيين. وعلى هذا، فحتى إذا كانت «الأفيال» تتمتع بوزن اقتصادي كاف لتحمل حرب تجارية، فإنها لن تستفيد منها.

بطبيعة الحال، ستكون الدول النامية التي لم تلعب أي دور في إشعال الصراع أقل قدرة على تحمل تكاليفه. ففي المتوسط، ربما ترتفع التعريفات المطبقة على صادرات الدول النامية من 3 % إلى 37 %. ولكن في حين أن متوسط التعريفات الجمركية التي تؤثر على دول مثل نيجيريا وزمبابوي لن يزيد في الأرجح على 10 %، فإن التعريفات ضد المكسيك ربما تصل إلى 60 %. وعلى نحو مماثل، ربما تواجه دول مثل كوستاريكا، وإثيوبيا، وسريلانكا، وبنغلاديش، وتركيا تعريفات تتراوح بين و50 %. علاوة على ذلك، ستكون الحرب التجارية بمثابة ضربة قاسية لأشد دول العالَم فقراً، فضلاً عن الأمل في مضاعفة «نصيب الدول الأقل نمواً في الصادرات العالمية» بحلول العام 2020 بموجب أهداف التنمية المستدامة.

كما تهدد الحرب التجارية التعافي الاقتصادي الهش بعد الأزمة المالية العالمية التي اندلعت قبل عشر سنوات، وبالتالي تقويض النمو وجهود التنمية في مختلف أنحاء العالَم. كما ستحد مثل هذه الحرب من إمكانية استخدام التجارة لتلبية الأهداف العالمية. وسوف يكون الضرر الناجم عن حرب تجارية شاملة محسوساً بوضوح خارج نطاق التجارة الدولية. إذ يعكس مناخ التجارة اليوم اتجاهاً عالمياً مقلقاً نحو الأحادية القومية.

والآن، تتخلى عن التعاون الدولي الدول الذي ساعد في إعادة تشكيل العالَم الذي نعيش فيه اليوم نحو الأفضل من خلال التجارة، وربما يخلف هذا التحول عواقب بالغة الخطورة على مجالات أخرى مثل الجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ وضمان السلام والرخاء للجميع.
وعلى هذا فإن أسهل طريقة لكسب حرب تجارية هو تجنبها تماماً.