رسوم الصلب والألومنيوم.. هل تشعل الحرب التجارية؟

ما الذي سوف يترتب على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض الرسوم الجمركية على الفولاذ والألومنيوم؟ وكيف سترد الدول المتضررة على هذه الرسوم، خصوصاً الصين والاتحاد الأوروبي؟ وهل بدأ العدد التنازلي لاندلاع الحرب التجارية بين القوى الاقتصادية الكبرى؟ لتكون رسوم ترامب «الخطأ الأكبر بين أخطاء سياساته منذ توليه الرئاسة» على حد وصف «وول ستريت جورنال».

المخاوف بدأت مع قرار ترامب في 8 مارس فرض رسوم جمركية تصل إلى 25% على واردات الصلب و10% على واردات الألومنيوم، متجاهلاً التحذيرات المتكررة من عدد من حلفائه في طليعتهم الاتحاد الأوروبي. لكن الإجراء الأميركي الذي سيدخل حيز التنفيذ في 23 مارس الجاري، لا يشمل كندا أول شريك تجاري، وأول مصدر للفولاذ والألومنيوم إلى الولايات المتحدة معفى «في الوقت الراهن» من الرسوم، ومثلها المكسيك. ومع ذلك ما حجم الواردات الأميركية من الصلب والألومنيوم؟

للاطلاع على العدد 121 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

تعد الولايات المتحدة المستورد الأول للصلب في العالم ومزودها الرئيسي كندا (15.6% من الواردات)، ثم البرازيل (9.1%)، وكوريا الجنوبية (8.3%)، والمكسيك، بحسب أرقام وزارة التجارة الأميركية. وفي العام 2017، بلغ إجمالي واردات الولايات المتحدة من الصلب 33.46 مليار دولار مقابل 24.28 مليار دولار العام 2016، بزيادة نسبتها 37.8 %. أما وارداتها من الألومنيوم فبلغت 17.31 مليار دولار مقابل 13.14 ملياراً بزيادة نسبتها 31.7 %.

ترامب يراها حرباً «سهلة الكسب» ورئيس المفوضية الأوروبية يتهكم: «سنقابل الغباء بغباء»

وتصل قيمة الصادرات الأوروبية إلى الولايات المتحدة من الصلب 5.3 مليارات يورو ومن الألومنيوم 1.1 مليار يورو في العام 2017.

ماذا وراء القرار؟
هناك من يرى أن ملابسات القرار وخلفياته، تدل على أن ترامب لا يهدف إلى شن حرب تجارية، بل إلى الضغط على بعض الشركاء التجاريين من أجل تغيير ما يعتبره سياسات تجارية غير عادلة ألحقت الضرر بالصناعات الأميركية والعاملين فيها. إلا أن قرار فرض الرسوم شكل مفاجأة لحلفاء الولايات المتحدة ولكثيرين في واشنطن. الاتحاد الأوروبي قال إنه لن يذعن أمام «الحمائية» التي رأى أن ترامب استهدف بها أوروبا بالذات. وقالت مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي سيسيليا مالسترويم: «في بعض الأماكن يلومون التجارة على التأثيرات الناجمة عن العولمة. وأضافت: «مؤخراً رأينا كيف تستخدم التجارة كسلاح لتهديدها وتخويفنا. لكننا لا نخاف وسنواجه هؤلاء».

فقد أعلنت بروكسل مجموعة من المنتجات الأميركية، بينها زبدة الفستق والدراجات النارية، التي ستفرض عليها إجراءات رداً على الإجراءات الأميركية.

الحوار «الخيار الامثل»
في حين قال رئيس المفوضية الأوروبية جان-كلود يونكر متهكماً أن الاتحاد الأوروبي «سيرد على الغباء بغباء». كما أعرب شركاء تجاريون بينهم اليابان والصين، كذلك عن غضبهم وتعهدوا بالرد في حال تم فرض الرسوم الأميركية كما هو متوقع في 23 مارس.

وفي الولايات المتحدة عارض عدد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين المؤيدين للتجارة، بشدة فرض الرسوم، وقالوا إنها يمكن أن تساعد مصانع الفولاذ والألومنيوم في الولايات المتحدة ولكنها تعني كذلك ارتفاع أسعار عديد السلع الأخرى. وعقدت مالسترويم محادثات غير مجدية في بروكسل، السبت، مع ممثل التجارة الأميركي روبرت لايتز، هدفت إلى حل الخلاف وتجنب اندلاع حرب تجارية شاملة.

وقال إنريكو بريفيو الناطق باسم المفوضية الأوروبية في مؤتمر صحفي: «الحوار هو دائماً الخيار الأمثل بالنسبة للاتحاد الأوروبي، ولكن بالطبع فإن الاتحاد الأوروبي سيواصل استعداداته للرد بشكل حازم ومتناسب يتوافق مع قوانين منظمة التجارة العالمية في حال تطبيق الإجراءات الأميركية».

هذا عن الموقف الأوروبي.. فماذا كان رد فعل اليابان والصين؟
اليابان الحليف الآسيوي الرئيسي للولايات المتحدة، حذرت بأنها ستطلب من واشنطن أن تشملها بالإعفاءات الممنوحة إلى كندا والمكسيك وإلا فإنها ستتخذ «الإجراءات المناسبة». فيما قال وزير التجارة الصيني تشونغ شان، الأحد، إن الصين ستواصل المحادثات مع الولايات المتحدة لتجنب حرب تجارية «كارثية» للعالم، مؤكداً في الوقت نفسه أن الدولة الآسيوية العملاقة «ستدافع عن مصالحها بحزم».

وقال الوزير الصيني للصحفيين: «أستطيع أن أقول لكم إننا سنواصل مناقشاتنا حول هذه المواضيع وقنوات الاتصال لم تقطع (...) لأن لا أحد يريد حرباً تجارية». وقال تشونغ: «إن حرباً تجارية لن يكون فيها منتصر ولا يمكن أن تكون إلا كارثية للصين والولايات المتحدة وسائر العالم». وأضاف: «إن الصين لا تريد حرباً تجارية ولا تريد إطلاق» حرب من هذا النوع.

لكن بكين المستعدة للتفاوض، تلوح أيضاً بإجراءات انتقامية. وقال تشونغ: «نحن قادرون على مقاومة أي تحدٍ، وعلى الدفاع بثبات عن مصالح البلاد والشعب». لكنه لم يوضح أنواع السلع الأميركية التي قد تنوي الصين اتخاذ إجراءات ضدها. والصين الدولة الأولى المنتجة لهاتين المادتين في العالم، تؤمن جزءاً صغيراً من مجمل الواردات الأميركية في هذا القطاع (2.7% من الفولاذ و9.7 % من الألومنيوم)، لكنها تواجه انتقادات بسبب إنتاجها المفرط المدعوم مالياً من الدولة إلى حد كبير.

الولايات المتحدة المستورد الأول للصلب في العالم ومزودها الرئيسي كندا (15.6% من الواردات)، ثم البرازيل (9.1%)، وكوريا الجنوبية (8.3%)

وتخشى الصين التي تواجه تحقيقات وإجراءات عديدة اتخذتها الولايات المتحدة لمكافحة الإغراق، تصعيداً يمكن أن يزعزع الاقتصاد الهش أصلاً للعالم. وفتحت الصين أساساً تحقيقاً في إطار مكافحة الإغراق حول الشعير الأميركي، ولا تستبعد إدراج الصويا أيضاً فيه. والرهان كبير إذ أن الصين اشترت العام الماضي كميات من الصويا الأميركي بقيمة 14 مليار دولار.

أين منظمة التجارة؟
وتبدو الهيئات المتعددة الأطراف التي يفترض بها الإشراف على التجارة الدولية والدفاع عن قيم التبادل الحر عاجزة حيال الواقع، وهو ما عبرت عنه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد ضمناً بأن الأطراف لم يعودوا يلتزمون بقواعد التجارة العالمية التي وضعت خلال السنوات الثلاثين الماضية.

وقال رئيس قسم الاقتصاد لدى شركة «أولر إيرميس» لضمان القروض، لودوفيك سوبران لوكالة «فرانس برس»، إن «إجماع واشنطن» هو ما يتم إعادة النظر فيه. لم تعد هناك قناعة اليوم بأن فتح الحدود أمر مجدٍ. وهذا ما يجعل المؤسسات الدولية عرضة للانتقادات، بدءاً بمنظمة التجارة العالمية المكلفة مبدئياً تنظيم المبادلات الدولية والتحكيم في أي نزاعات قد تنشأ.

وقال خبير يشارك في مفاوضات تجارية كبرى لوكالة «فرانس برس»، طالباً عدم كشف اسمه، «هناك مشكلة حوكمة عالمية. الأداة الجيدة يفترض أن تكون منظمة التجارة العالمية لكنها تركت الصين تزيد فائضها دون احترام التزاماتها» . وتساءلت العضوة السابقة في منظمة التجارة، جنيفر هيلمان، ما إذا كان هدف ترامب في نهاية المطاف «إثارة أزمة داخل» منظمة التجارة «بل حتى التمهيد لانسحاب أميركي» منها. وما يعزز هذا الرأي أن الولايات المتحدة عرقلت عمل المنظمة.

المزيد من بوابة الوسط