توحيد إدارة «المركزي».. أزمة تتجدد على وقع الخلاف السياسي

تعثرت مساعي رئيس المجلس الرئاسي فائز السراج لتوحيد إدارة المصرف المركزي على وقع تمسك طرفي الأزمة بموقفهما، وإن بدا محافظ المصرف في البيضاء علي الحبري الأكثر مرونة بقبوله الجلوس على طاولة الحوار، ورفض المحافظ في طرابلس الصديق الكبير المقترح، لكنّ تمسك الحبري- على ما يبدو- بضرورة تعيين محافظ جديد بديلاً للصديق هو ما يقف وراء رفض الأخير للحوار.

وبدت الأزمة محصورة بين رؤية «الكبير» الذي يرى الحل في إزالة الأسباب السياسية ووقف الخسائر وتطبيق إصلاحات، بينما يربط «الحبري» الحل برحيل الكبير وتعيين محافظ جديد، وما بين الطرحين بدا السراج غير قادر على تقريب وجهات النظر، لاسيما بعدما دخل عقيلة صالح على خط الأزمة.

اقرأ العدد 106 من جريدة الوسط

وكشفت الفترة الماضية أن الخلاف حول إدارة المؤسسات الاقتصادية في البلاد مقترن بمواقف سياسية لطرفي الصراع بين الشرق والغرب الليبيين، إذ يتناسب مستوى قبول ورفض توحد الإدارة طرديًا مع مؤشر الاقتراب أو البعد عن التوافق السياسي، وهو ما يتضح من التصريحات واللهجة التي يتلاسن بها الطرفان التي تحتوي على ألفاظ «التخوين» و«محاولات الهيمنة» و«الفساد» و«دعم أطراف بأموال كل الليبيين على حساب أطراف أخرى»، كلها مصطلحات وجمل أظهرت بشكل أكثر وضوحًا اقتران الأزمة الاقتصادية بتلك السياسية، وهو ما يفسر تعثر محاولات رئيس المجلس الرئاسي لتوحيد إدارة المصرف المركزي.

الكبير: حل المشكلة الاقتصادية لايمكن اختزالها في اجتماع مجلس إدارة المصرف وحده

وظهر الارتباط الوثيق بين الأزمة السياسية والخلاف حول إدارة المؤسسة الاقتصادية، من خلال بيان أصدره رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، رأى فيه أنه «الوحيد الذي يمتلك الحق القانوني في دعوة مجلس إدارة المصرف للاجتماع» وليس لغيره أي حق في توجيه دعوات مماثلة، في إشارة إلى دعوة السراج.

البداية جاءت بدعوة وجهها السراج، في 22 نوفمبر الجاري إلى محافظي المصرف المركزي في طرابلس والبيضاء، ناشدهم فيها بضرورة الارتقاء إلى «مستوى المسؤولية الوطنية والبعد عن الخلافات السياسية والشخصية»، حين دعاهما إلى اجتماع لمجلس إدارة هذا الأسبوع برعاية المجلس الرئاسي، لاتخاذ تدابير وقرارات لتوحيد المصرف المركزي، إلى جانب وضع سياسة نقدية لمعالجة سعر الصرف وأزمة السيولة ودعم الدينار الليبي في محاولة لتجديد مساعي توحيد المؤسسة الاقتصادية السيادية التي طالها الانقسام على وقع الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد منذ أواخر العام 2014.

وحاول السراج التخفيف من حدة الأزمة والتبشير بإمكانية حلها، حين قال في بيانه إن «دولاً عدة مرت وتمر بأزمات خانقة، لكنها تضع عبر مصارفها المركزية سياسات نقدية رشيدة لمعالجة وإدارة الأزمة»، آملاً أن يلقى نداؤه صدى لدى المسؤولين عن المصرف المركزي في البيضاء وطرابلس للمساعدة في إخراج البلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية والمالية التي ازدادت وتيرتها خلال الأشهر الأخيرة ما أثر سلباً على الأوضاع المعيشية للمواطنين جراء تفاقم أزمة السيولة النقدية التي لم ينجح مسؤولو المركزي في احتوائها رغم الضغوط الشعبية المطالبة بوضع حد للأزمة التي تحتاج للتغلب عليها إلى إجراءات سياسية وأمنية إلى جانب المالية والاقتصادية للتغلب المأزق الذي باتت فيه البلاد.
الحبري يرحب والكبير يتحفظ
وفور دعوة السراج، أعلن محافظ المصرف المركزي في البيضاء، علي الحبري، موافقته لحضور الاجتماع الاستثنائي لمجلس الإدارة، وقال في بيان أصدره الأسبوع الماضي: «ببالغ السرور تلقينا دعوتكم ونحن تحت تصرفكم في خدمة المواطن والوطن»، مؤكدًا أن أعضاء مجلس الإدارة لن يترددوا في قبول الدعوة، وأن «القانون الذي يعمل من خلاله المصرف المركزي يجعل من أولوياته استقرار المستوى العام للأسعار وسلامة المركز المالي للقطاع المصرفي».

الحبري: سفينة النجاة تعيين محافظ جديد لتكوين فريق متجانس للخروج من الأزمة

لكن محافظ المصرف في طرابلس رد في بيان متأخر صدر الأحد الماضي، متحفظاً ومستغرباً ما جاء في دعوة السراج، ورأى أن الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية القائمة في البلاد لا يمكن أن يختزل حلها في اجتماع مجلس إدارة المصرف المركزي دون غيره، مطالباً في الوقت نفسه بحزمة من «الإجراءات المتوازية المتصلة بالوضع الاقتصادي والسياسي والأمني» لضمان فعالية أي إجراءات من شأنها إخراج البلاد من تلك الأزم، ومعلنًا في ذات الوقت ترحيبه «بالدعوة إلى إنهاء دور المؤسسات الموازية، وفقًا لبنود الاتفاق السياسي».

أسباب الأزمة
ورغم أن البيان لم يتضمن رفضًا صريحًا من الكبير لحضور الاجتماع لكنّه ذهب إلى أن «الأسباب الحقيقية» للأزمة الاقتصادية الراهنة ترجع إلى حالة الانقسام السياسي والانفلات الأمني وغياب مؤسسات الدولة والحروب التي شهدتها البلاد منذ العام 2014، ووجود حكومات موزاية، والإقفال القسري للموانئ والحقول النفطية التي قال إنها أدت إلى «تدنٍ حاد في الإيرادات النفطية المصدر الوحيد لتمويل الميزانية العامة، من 53.2 مليار دولار إلى 4.8 مليارات دولار العام 2016، وبلغ 10.4 مليارات دولار فقط حتى نهاية أكتوبر 2017».

وعاد الكبير للتذكير بخسائر إقفال الموانئ النفطية التي «كبدت الدولة خسائر مباشرة وغير مباشرة تقدر بأكثر من 160 مليار دولار»؛ ما «سبب أزمات اقتصادية ومالية، وعجزا في الموازنة العامة بلغ معه الدين العام حداً خطيرًا زاد عن 71 مليار دينار حتى نهاية أكتوبر 2017»، مضيفًا أن «حوالي 20 مليار دينار تم صرفها من قبل المصرف المركزي بالبيضاء، بالإضافة إلى العجز المستمر في ميزان المدفوعات منذ العام 2013 إلى يومنا هذا».

دعوة السراج الأخيرة كانت استباقاً لمحاولة بريطانية لتوحيد إدارة المصرف المركزي في طرابلس والبيضاء

وأكد أن هذه الأسباب أدت إلى «نقص السيولة وارتفاع الأسعار، وانخفاض قيمة الدينار الليبي، وفقدان الثقة بالقطاع المصرفي»، منوهًا بأن ما «زاد من تفاقمها» هو «تدخل جهة رقابية في عمل القطاع المصرفي دون سند قانوني»، في إشارة على ما يبدو إلى ديوان المحاسبة الذي وجه قبل أيام انتقادات للمصرف المركزي بشأن إدارته للسياسة النقدية والاعتمادات المستندية، الذي اعتمد على القانون رقم 19 لسنة 2013 المعدل في القانون رقم خمسة لسنة 2016، ودون الخوض اعتمدت في نهاية المؤتمر وبعد توقيع الاتفاق السياسي.

في هذا السياق عاد الحبري ليؤكد من تونس على أن مستقبل المصرف المركزي يتوقف على تعيين محافظ جديد، قائلاً إن ذلك «سفينة النجاة لأنه يستطيع تكوين فريق متجانس للعمل معًا في سبيل الخروج من الأزمة في البلاد».

وكان الحبري يتحدث في تونس العاصمة، أول من أمس، خلال معرض المنتجات المصرفية الذي يقام على هامش منتدى تطوير القطاع المصرفي في ليبيا، حيث ألمح إلى اختيار محافظ جديد، لكن تعرقل تعيينه بسبب المصالح الشخصية.
وهو ما يجعل الأزمة محصورة في رؤية الكبير الذي يعتبر الحل في إزالة الأسباب السياسية ووقف الخسائر وتطبيق إصلاحات، بينما يربط الحبري الحل بإزاحة الكبير.
اجتماعات تونس
دعوة السراج الجديدة لتوحيد المصرف المركزي ليست الأولى، فقد سبق أن استضافت العاصمة التونسية في منتصف مايو 2016 اجتماعات ضمت مسؤولي المصرفين في طرابلس والبيضاء إلى جانب أعضاء من مجلس النواب واللجنة المالية بالمجلس وممثلين عن المجلس الرئاسي، انتهت إلى إصدار بيان ينزع الصفة المؤسسية عن محافظي المصرف مع احتفاظهما بالمهام الموكولة إليهما كل في موقعه، دون أن يعرف ما جاء في البيان طريقه إلى التنفيذ.

وذكرت مصادر لـ«الوسط» في هذا الشأن أن محافظ المصرف المركزي بالبيضاء علي الحبري نفسه لم يكن راضياً عن اجتماع إدارة المصرف المركزي الذي جرى في تونس حينها، وأن ضغوطاً مارسها عليه أعضاء اللجنة المالية بمجلس النواب من أجل أن يظهر في صور الاجتماع التي تناولتها وسائل الإعلام.

عقيلة صالح يدخل على الخط مؤكدا أنه «الوحيد الذي يمتلك الحق في دعوة مجلس الإدارة للاجتماع

وأشارت المصادر إلى أن دعوة السراج الأخيرة كانت استباقاً لدعوة كان يعتزم مسؤولون من بريطانيا توجيهها إلى مسؤولي المصرف المركزي في طرابلس والبيضاء لتوحيد المصرف، الذي عرف الانقسام منذ احتدام الأزمة السياسية منذ العام 2014، ما ألقى بتداعيات سلبية على الأوضاع الاقتصادية وساهم في تكريس أزمة مالية.

وتوقعت المصادر إرجاء الاجتماع المقرر عدة أيام على خلفية استمرار ممانعة مسؤولي المصرفين من اللقاء لأن كليهما ينظر إلى منافسه على أنه مسؤول غير شرعي.

وبعد أيام من دعوة السراج وجه رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح دعوة مماثلة لمجلس إدارة المصرف المركزي بدا واضحاً اقتصارها على إدارة المصرف في البيضاء، للاجتماع الثلاثاء المقبل في مدينة البيضاء، بهدف مناقشة أدوات السياسة النقدية ومن بينها تعديل سعر الصرف بما يكفل توازن هذا السعر ومقابلته لاحتياجات السوق وحاجة المواطنين وكافة الطلبات الأخرى وكذلك بحث حزمة السياسات المكملة التي تهدف إلى ضمان استقرار الاقتصاد وتوازنه خلال الفترة المقبلة.

وشدد صالح على أن مجلس النواب هو «السلطة التشريعية التي يتبعها المصرف بموجب القانون وهو المخول باستدعاء مجلس الإدارة بشكل استثنائي أو لظروف طارئة تستدعيها الحالة الاقتصادية للمواطن أو تدهور المؤشرات المالية بشكل يهدد سلامة الاقتصاد واستقراره».
صعوبة المهمة
دعوة عقيلة صالح لإدارة المصرف للاجتماع في البيضاء تؤكد إرجاء اجتماع الإدارتين الذي يعول عليه في توحيد المصرف المركزي، فتمسك الجهات السياسية المنقسمة في طرابلس وطبرق بمؤسساتها الاقتصادية لن يجعل مهمة التفاوض من أجل توحيدها أمراً سهلاً رغم إقرارهما بوثيقة الاتفاق السياسي التي ترعاها الأمم المتحدة التي تؤكد على ضرورة توحيد مؤسسات الدولة الليبية بما فيها المصرف المركزي.

وذلك لاعتبارات عديدة:
أولاً: قيام المصرف المركزي في البيضاء باتباع سياسة مالية مغايرة للمصرف في طرابلس ومنها طباعة أوراق البنكنوت بعيداً عن إدارة طرابلس، التي احتدم الجدل بشأنها وشرعية هذه الخطوة.

ثانياً: تمسك مجلس النواب باستمرار كل من الحكومة الموقتة، والمصرف المركزي في البيضاء، ما يعني استمرار ازدواج السياسة المالية والاقتصادية وغياب الرقابة الفعالة على الإنفاق الحكومي المزدوج، وهو ما يجعل من الصعب ضبط النظام المصرف الرسمي الذي يعاني من أزمة حادة جراء نقص السيولة.

ثالثاً: يناور كل من مسؤولي المصرفين المركزيين بشرعيات مختلفة، فالحبري في البيضاء يؤكد تمسكه بشرعية تعيينه من مجلس النواب، الذي فتح باب الترشح لاختيار محافظ جديد يخلفه، فيما يناور الصديق الكبير في طرابلس بالدعم والاعتراف الذي يحظى به لدى المؤسسات الاقتصادية الدولية.

رابعاً: بقاء الانقسام يسمح للجهات السياسية بامتلاك أوراق ضغط للمناورة خلال عملية المفاوضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الجارية لتسوية الأزمة في البلاد، ما يعني أن مساعي توحيد المصرف تتعثر على وقع السياسة.

المزيد من بوابة الوسط