«أوراق بارادايز» تكشف الثروة الخفية لنخبة العالم

تناولت جريدة «الوسط» في عددها 103 ما أُثير مؤخرًا حول تسريبات «أوراق بارادايز»، والتي كشفت النقاب عما بات يعرف باسم «جنة الضرائب» أو الملاذات الضريبية، يواجه المجتمع الدولي صدمة جديدة مع ظهور ملايين التسريبات، وسلطت الضوء على عمليات تهرب ضريبي، ومعاملات مالية سرية، واستثمارات كبيرة بجزر خارجية.

ضمت رؤساء حكومات وسياسيين وشملت رسائل إلكترونية وبيانات مصرية تغطي الفترة بين 1950 - 2016

طالت تلك التسريبات أوساطاً دولية مختلفة من سياسيين ورجال أعمال ومستشارين ووزراء ورياضيين وشركات عالمية، حتى الملكة البريطانية إليزابيث لم تسلم منها.

وتضم تسريبات «أوراق بارادايز» ما يزيد على 13.4 مليون وثيقة، حصلت عليها جريدة «سوددويتشه تسايتونغ» الألمانية، تظهر حجم الملاذات الضريبية بالخارج وتكشف خبايا التعاملات المالية والاستثمارات السرية لأكثر من 120 شخصية من 50 دولة، من مختلف الأوساط السياسية والاقتصادية، وكبار الشركات العالمية مثل «فيسبوك» و«نايك» ورياضيين ونجوم برامج «توك شو».
وخرجت 6.8 مليون وثيقة من شركة «أبليبي» الدولية للمحاماة، وهي في جزيرة برمودا، وتسجل بيانات قرابة 25 ألف شركة بالخارج، إلى جانب ما يقرب من نصف مليون وثيقة من شركة «آسياسيتي»، و6 ملايين أخرى من سجلات شركات أخرى، وتشتمل الوثائق على رسائل الكترونية وبيانات مصرفية، وأوراق قضائية، وتغطي الفترة بين 1950 - 2016.

كثير من الشخصيات العربية ورد ذكرها في «أوراق بارادايز»، التي كشفت عن إنشاء شركات في جزر بريطانية وبالبحر الكاريبي منها أنتيغوا وباربودا وأوروبا وجزر الباهاما وبربادوس وبرمودا وجزر كايمان وفيرجن، وغيرها، إلى جانب دول مثل لبنان ومالطا وجزر مارشال وترينيداد وتوباغو وساموا.

ووفق موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، ضمت قائمة الشخصيات العربية عدداً من الأمراء السعوديين، بينهم الأمير السعودي نائب وزير الدفاع سابقاً، خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، الذي سجل أكثر من ثماني شركات في جزر برمودا بين عامي 1989 - 2014.
ومن سورية ورد اسم رامي مخلوف، أكبر رجال الأعمال في سورية وابن عم الرئيس بشار الأسد، الذي يملك أسهماً في أربع شركات لبنانية أنشئت بين عامي 2001 - 2003.

ومن العراق، ظهر اسم عضو البرلمان العراقي السابق مضر غسان شوكت، إذ ذكرت التسريبات أنه أودع ما قيمته 140 مليون دولار لدى شركة «أبلباي»، وهي عائدات بيع أسهم حصته في مشروع مشترك مع شركة اتصالات كويتية.

وأنشأت «أبلباي» شركة لصالح عائلة شوكت وسجلت ثلاث شركات أخريات في جزر فيرجن البريطانية بين عامي 2008 - 2011. وكشفت الأوراق أن شوكت حوَّل ما قيمته 30 مليون دولار لصالح الشركة في 2009.
أيضاً ربطت «أوراق بارادايز» بين رئيس الوزراء العراقي السابق إياد علاوي وشركتين مسجلتين وممتلكات مسجلة في بريطانيا، وكشفت الأوراق التفاصيل كاملة لـ19 سجلاً لشركات تحتفظ بها حكومات وشخصيات عامة في جزر سرية، من بينهم اسم رئيس وزراء قطر السابق حمد بن جاسم الثاني، وفق موقع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين.

13.4 مليون وثيقة تظهر خبايا التهرب الضريبي لأكثر من 120 شخصية من 50 دولة

والملكة نور، أرملة الملك حسين بن طلال ملك الأردن، باعتبارها مستفيدة من مؤسستين ماليتين مسجلتين في جزيرة جيرزي، غرب أوروبا، إحداهما تعمل في بريطانيا، لكن ناطقاً باسم الملكة نور أكد أن جميع تعاملاتها المالية قانونية وشرعية دون أي تلاعب، بحسب ما أوردت شبكة «بي بي سي» البريطانية.

كما أن نجلي رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، كشفت الأوراق أن الثنائي هما المالك الوحيد لشركات مسجلة في مالطا، وأن ثروتهما جمعاها من خلال الاستثمار في شركات الشحن، وفق جريدة «ذا تايمز» البريطانية التي قالت إنه لا يوجد دليل واضح على اختراق القوانين.
وتحدثت الوثائق عن تورط وزير خارجية أوغندا سام كوتيسا ورئيس مجلس الشيوخ النيجيري بوكولا ساراكي، فهو مالك شركة «تينيا المحدودة»، أسسها العام 2001 في جزر كايمان. وأيضاً نائب رئيس وزراء أوكرانيا السابق فاليري فوششيفسكي، الذي شغل المنصب من ديسمبر العام 2014 إلى سبتمبر العام 2015.

للاطلاع على العدد 103 من جريدة «الوسط»

وحصلت جريدة «سوددويتشه تسايتونغ» الألمانية على الوثائق وعكفت على فحصها إلى جانب 96 مؤسسة صحفية عالمية أخرى، و381 صحفياً من 67 دولة، وذلك بالتعاون مع الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين، لتحليل البيانات الواردة في هذا الكم الهائل من الوثائق.

أما في داخل الولايات المتحدة، فتوقعت «ذا غارديان» أن تسفر الوثائق عن تبعات سياسية أكبر، خاصة في ظل الجدل الدائر حول علاقات بين بعض مستشاري الرئيس دونالد ترامب وروسيا والتحقيق حول تدخل محتمل لموسكو في الانتخابات الرئاسية السابقة، إذ جاءت «أوراق بارادايز» لتؤكد وجود صلات وعلاقات مالية وثيقة بين وزراء بالإدارة الأميركية ومقربين من ترامب ودوائر وشركات روسية بعضها مرتبط بالرئيس فلاديمير بوتين مباشرة.
وقالت «ذا غارديان» إن الأوراق كشفت عن تورط أهم مستشاري ترامب، المستشار الاقتصادي الأول غاري كوهن، المسؤول عن خطة الإصلاح الضريبي في البيت الأبيض، إذ قالت إنه خلال الفترة بين 2002 - 2006، شغل كوهن منصب رئيس أو نائب رئيس 22 كياناً مختلفاً في أرخبيل برمودا لصالح مصرف «غولدمان ساكس»، وأيضاً قاد خلال تلك الفترة حملة البنك لشراء شركات من الأذرع المالية لمؤسسات مثل «جنرال موتورز».

وأضافت أن اسم وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ورد باعتباره مدير شركة خارجية تعمل في مشاريع للغاز والنفط في الشرق الأوسط برأس مال يقدر بالمليارات، لها علاقات بشركة «إكسون موبيل» النفطية.

وذكرت «ذا غارديان» أن الوثائق أشارت إلى أن تيلرسون ترأس فرع إكسون موبيل» في اليمن، عندما كان مديراً تنفيذياً لـ«إكسون موبيل»، خلال التسعينات من القرن الماضي.

ووقتها، أدارت «إكسون موبيل»، بالتعاون مع شركة «هانت أويل»، التي يديرها صديق تيلرسون المقرب راي هانت، مشاريع بقيمة خمسة مليارات دولار في اليمن لاستكشاف 61 مليون برميل من الغاز الطبيعي في مدينة مأرب اليمنية سنوياً.
أيضاً وزير الخزانة الأميركية، ستيفن منوشين، الذي شغل منصب نائب رئيس مجلس الإدارة لبنك أميركي لفترة من الوقت، قدم خلالها لعملاء المصرف هياكل تمويلية لشراء طائرات خاصة بقيمة ملايين الدولارات، استخدمها العملاء للتهرب من الضرائب. وأظهرت الوثائق تعامل البنك أيضاً مع شركة مالكها الأصلي هو شاهر عبدالحق بشير، أحد أنصار الرئيس اليمني علي عبدالله صالح.

وأظهرت الأوراق وجود صلات بين وزير التجارة الأميركي، ويلبر روس وأحد أقرباء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عبر شركة روسية للشحن، حيث أظهرت البيانات أن روس احتفظ بأسهمه في الشركة حتى بعد توليه المنصب الوزاري هذا العام. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل ورد أيضاً ذكر اسم السفير الأميركي الجديد لدى روسيا جون هانتسمان، والسفير الأميركي لدى الهند كينيث جوستر، وكارل إيكان، مستشار دونالد ترامب.

أما على المستوى الدولي، فطالت تسريبات «بارادايز» ملكة بريطانيا الملكة إليزابيت، فقد أشارت «ذا غارديان» إلى استثمار الملكة 10 ملايين جنيه إسترليني في مشاريع مختلفة بجزر كايمان، غرب جزر الكاريبي، وبرمودا عبر «دوقية لانكستر»، التي تعتبر ملكية خاصة للملكة ومصدر دخل لها.

وذكرت أنه تم إيداع الأموال في شركات مثل سلسلة متاجر «Threshers» ومتاجر التجزئة «BrightHouse»، والشركتان واجهتا انتقادات متكررة لقيامهما باستغلال آلاف العائلات الفقيرة والضعيفة. كما تحدثت الوثائق عن تعاملات مالية أخرى للملكة عبر «دوقية لانكستر» ليست مذكورة في الأوراق الرسمية والبيانات السنوية للملكة. وقالت إن «دوقية لانكستر» استخدمت صناديق أسهم خارجية خاصة لحماية المستثمرين في بريطانيا من دفع ضرائب أميركية على ممتلكاتهم.
لكن البلاط الملكي البريطاني، بحسب «ذا غارديان»، قال إنه خلال الـ12 عاماً الماضية، هي مدة الاستثمارات، لم يكن للقصر على علم بأن الأموال يجري استثمارها في هاتين الشركتين.

أما الملياردير البريطاني لورد أشكروفت، أكبر المتبرعين للحزب المحافظ البريطاني، فقد ورد اسمه ، حسب شبكة «بي بي سي» التي قالت إنه حصل على مدفوعات بقيمة 200 مليون دولار من شركة في جزر برمودا بين عامي 2000 - 2010.

وكشفت الأوراق عن روابط بين ستيفن برونفمان، كبير مستشاري رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو، وشركات بالخارج كلفت كندا ملايين من الضرائب التي تهرب منها. وأوضحت البيانات أن شركة «كلاريدج» الاستثمارية التابعة لبرونفمان نقلت الملايين إلى الخارج لمدة 20 عاماً.

وامتدت التسريبات حتى طالت شركات كبرى عالمية، مثل «فيسبوك»، و«تويتر»، إذ كشفت الأوراق عن تلقيهما تمويلاً من مؤسستين في روسيا لهما روابط قوية مع الرئيس الروسي بوتين، عبر جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وأيضاً، تورطت شركة «آبل» العالمية في التهرب من دفع ضرائب تقدر بالمليارات. فقد تجنبت خلال العام 2013 دفع الضرائب عن طريق نقل معظم أموالها، والمقدرة بـ252 مليار دولار، إلى جزيرة خارج الولايات المتحدة. واستغلت الشركة «ثغرة» في قوانين الضرائب بالولايات المتحدة وأيرلندا للتهرب من دفع الضرائب، بحسب موقع «بي بي سي».

وسمحت تلك الثغرة للشركة بتحويل مبيعاتها من أميركا، بنسبة 55% من عائداتها، عبر شركات فرعية في أيرلندا، وسمحت لها تلك الثغرة بدفع ضرائب نسبتها 5% فقط بدلاً عن 35% المعروفة داخل الولايات المتحدة.

مع أن «آبل» تعد من أكبر دافعي الضرائب على مستوى العالم، إذ سددت قرابة 35 مليار دولار في السنوات الثلاث الماضية. كما طالت الاتهام بالتهرب الضريبي أيضاً شركة «نايك» لإنتاج الملابس والأحذية الرياضية، إذ تواجه الشركة الأميركية اتهامات بنقل أرباحها إلى الملاذات الضريبية في برمودا.

ويبدو أن اللجوء إلى الملاذات الضريبية لم يقتصر على السياسيين وأرباب الأعمال، بل امتدت اللائحة لتشمل رياضيين عالميين، فالأوراق ذكرت اسم لويس هاميلتون، المتسابق الشهير في سباقات «فورملا1»، وكشفت تهربه من دفع ضرائب قيمتها 16.5 مليون دولار على طائرته الخاصة.