انكماش الاقتصاد العراقي تحت وطأة «داعش» وتراجع أسعار النفط

نشرت جريدة «الوسط» في عددها المئوي الأخير ما رصده البنك الدولي في تقريره هذا الشهر عن الآفاق الاقتصادية لدول الربيع العربي، ليبيا وسورية واليمن، بالإضافة إلى الآفاق الاقتصادية للعراق التي انتصرت مؤخرا على تنظيم «داعش» بعد سنوات من سيطرته على مناطق شاسعة من البلاد.

فالبنسبة للعراق، توقع البنك الدولي أن تنمو القطاعات غير النفطية بنسبة 1.5% خلال 2017، بدعم تحسُّن الوضع الأمني ومنافع الجهود الأولية لإعادة الإعمار، وذلك بفضل الإنشاءات والخدمات، وانتعاش الاستهلاك والاستثمارات الحكومي. وربط سعر صرف العملة المحلية بالدولار الأميركي، وضعف الطلب الكلي، حيث بلغ معدل التضخم في المتوسط 0.4% العام 2016، متوقعاً بلوغه 2% بنهاية العام الجاري 2017.

وأشار البنك في تقرير الآفاق الاقتصادية الصادر قبل أيام إلى أن الاقتصاد العراقي تأثَّر بشدة من جراء حرب تنظيم «داعش» وأسعار النفط المنخفضة منذ منتصف العام 2014، وهو ما أدى إلى انكماش إنتاج النفط إلى نمو عام سلبي في 2017، لكنّه توقع أن يؤدي تحسُّن الوضع الأمني إلى تحول القطاعات غير النفطية إلى تسجيل نمو إيجابي بعد هبوط دام ثلاثة أعوام، وذلك على الرغم من الإجراءات التي يجري تطبيقها لضبط أوضاع المالية العامة.

توقعات بتحسن الآفاق الاقتصادية إذا توافَّرت بيئة أمنية مواتية واستمرت جهود ضبط أوضاع المالية العامة

وتلقى جهود الحكومة من أجل الإصلاح –وليس إعادة الإعمار- دعماً من حزمة تمويل دولية كبيرة، إذ من المتوقع أن تتسارع وتيرة النمو في 2018 مدعومة بزيادة إنتاج النفط، وذلك على الرغم من استمرار المخاطر الأمنية.

وكبّدت الحرب في العراق وأسعار النفط المنخفضة الاقتصاد العراقي خسائر كبيرة خاصة التأثير السلبي على النمو الاقتصادي الذي تراجعت وتيرته في 2014-2015 مع انخفاض الاستثمارات الحكومية غير النفطية بمقدار الثلثين، والانكماش السريع لقطاعات الزراعة والصناعات التحويلية والإنشاءات.

ولقي النمو الاقتصادي دعماً من قوة إنتاج النفط في 2016، لكن من المتوقع أن يؤدي اتفاق منظمة أوبك على خفض الإنتاج حتى مارس 2018 إلى انكماش النمو في 2017، وكان نمو القطاعات غير النفطية سلبياً منذ العام 2014، لكن البنك الدولي توقع أن يدعم تحسُّن الوضع الأمني ومنافع الجهود الأولية لإعادة الإعمار نمو القطاعات غير النفطية ليبلغ 1.5% العام 2017.

وتوقع البنك تحسن الآفاق الاقتصادية للعراق، إذا توافَّرت بيئة أمنية مواتية، واستمرت الإصلاحات وجهود ضبط أوضاع المالية العامة، مشيراً إلى أن النمو العام لإجمالي الناتج المحلي سيعود إيجابياً في العام 2018 في أعقاب انتهاء تخفيضات الإنتاج التي اتفقت عليها منظمة أوبك، كما توقع أن يزيد إنتاج النفط في الأمد المتوسط زيادة طفيفة؛ نظراً لأن الحكومة العراقية الاتحادية لا يمكنها تحمُّل تكاليف زيادة الاستثمارات في القطاع النفطي.

القوات العراقية تستعيد سيطرتها على جميع حقول النفط في كركوك وتضيف عائدات 250 ألف برميل يومياً للحكومة المركزية

وتشير توقعات متحفظة إلى أن النمو الاقتصادي غير النفطي الذي تدعمه قطاعات الزراعة والإنشاءات والخدمات سيتعافى مُسجِّلاً نصف متوسط مستوياته قبل 2014 ليصل إلى 4%، إذ إن حوادث العنف المتكررة واستمرار وجود تنظيم «داعش» قد تؤخر الاستثمار والإصلاحات، وتوقع أيضاً التقرير تحسن عجز الموازنة بفضل إجراءات تقليص النفقات الجارية الأولية غير النفطية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الإنفاق الاجتماعي عند نحو 22% من الإنفاق غير النفطي.

وفي سياق متصل، أعلنت القوات العراقية الاثنين أنها استعادت حقلين نفطيين رئيسيين في كركوك لتكمل بذلك سيطرتها على جميع حقول النفط في المحافظة، وتعيد رسم العلاقة بين بغداد وأربيل في مجال النفط بعد سنوات من الشد والجذب.

وتشكّل موارد حقول كركوك ركيزة موازنة الإقليم الذي يتمتع بحكم ذاتي، ومن المتوقع أن يشكّل فقدانها ضربة شديدة لأحلام إقليم كردستان العراق بالاستقلال. كما من المرجح أن تتواصل حقائق الأمر الواقع بشأن تدفق النفط لأن إيقاف ضخه يجعل من الصعب إعادة الضخ في المستقبل ويلحق أضراراً بأنابيب النفط.
لكن إدارة عوائد صادرات النفط ستخرج من قبضة حكومة الإقليم إلى إدارة الحكومة الاتحادية بسبب موقف تركيا الرافض الاستفتاء الذي أجرته أربيل على الانفصال عن العراق في 25 سبتمبر الماضي.

وكانت إمدادات نفط كركوك تصدر عبر أنبوب يعود للحكومة الاتحادية ويمر عبر محافظتي صلاح الدين ونينوى إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، لكنها توقفت منذ منتصف العام 2014 بسبب سيطرة تنظيم داعش على مناطق شاسعة يمر فيها الأنبوب.

وسارعت حكومة الإقليم منذ ذلك الحين إلى السيطرة على حقول كركوك وربطتها بأنبوبها الخاص، وكانت تصدر بين 150 إلى 250 ألف برميل يومياً عبر تركيا، إضافة إلى صادرات الإقليم التي تصل إلى 500 ألف برميل يومياً.

للاطلاع على العدد 100 من جريدة «الوسط»

ومن المتوقع أن يستمر تدفق نفط كركوك عبر أنبوب الإقليم رغم الوضع المتفجر بين بغداد وأنقرة من جهة وأربيل من جهة ثانية، لأن إيقاف الضخ يمكن أن يلحق أضراراً بجميع الأطراف.

التطورات النفطية السابقة ربما تساعد الحكومة المركزية في العراق على استعادة توازنها الاقتصادي واستكمال مراحل البناء وإعادة الإعمار التي توقعها البنك الدولي في تقريره آنفاً، للوصول إلى معدلات نمو مرتفعة مقارنة بالسنوات الماضية التي أنهكت البنية التحتية للبلد الذي حاول تنظيم «داعش» السيطرة عليه.

المزيد من بوابة الوسط