في طريقه لإنعاش الاقتصاد الفرنسي.. ماكرون يخوض «اختبار البطالة»

الحفاوة التي قوبل بها إيمانويل ماكرون، سواء باعتباره أصغر سياسي يفوز برئاسة فرنسا، أو لنجاحه في القضاء على خطر وصول اليمينية المتطرفة مارين لوبان إلي قصر الإليزيه، لن تعفيه من مواجهة الأزمة الاقتصادية التي كان لها دور رئيسي في الهزيمة المبكرة لكل من الاشتراكيين والديغوليين من الانتخابات الرئاسية.

واستفاد ماكرون من توحد النخبة السياسية خلفه في مواجهة مرشحة اليمين المتطرف، خلال جولة الحسم التي جرت الأحد الماضي، وانتهت بحصوله على حوالي 66% من أصوات الناخبين، فيما اعتبره المتابعون تعبيراً عن تمسك الفرنسيين بالقيم التي تأسست عليها جمهوريتهم الخامسة، دون أن يقلل ذلك من الانتقادات الموجهة لمواقفه الضبابية تجاه الأزمة الاقتصادية.

ماكرون الأفضل في اعتقاد 25% من الناخبين
وأظهرت استطلاعات رأي أجريت على هامش الانتخابات الرئاسية، أن 25% من الناخبين يعتقدون أن ماكرون هو أفضل مرشح يمكن أن يوجه الاقتصاد الفرنسي في المسار الصحيح، غير أن كثيراً من المحللين الذين تحدثوا في هذا الشأن لوسائل إعلام فرنسية ودولية رأوا أن الوضع أكثر تعقيداً من الوعود التي قدمها الرئيس الشاب، خلال حملته الدعائية.

لمطالعة العدد 77 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ويعول مراقبون على الخبرات التي اكتسبها ماكرون، خلال السنوات الخمس الماضية سواء بعمله مستشاراً للرئيس المنتهية ولايته فرنسوا هولاند أو بقيادته لوزارة الاقتصاد في حكومة مانويل فالس، لتعويض هذا الغموض مستقبلاً، خاصة إذا وفى بوعوده وتحرك باتجاه علاج المشاكل الملحة، خاصة البطالة وتردي الأوضاع في الأحياء الفقيرة.

وتمثل مشكلة البطالة الملف الأصعب على مائدة ماكرون، فبينما يبلغ عدد العاطلين عن العمل 10٪ من إجمالي القادرين عليه، أي ثلاثة ملايين ونصف المليون شخص أكثر من ربعهم من الشباب دون الـ 25 عاماً، يرى مراقبون أن أثرها يتجاوز حدود أنواع المعيشة، على العلاقة بين الفرنسيين والمهاجرين، كما أنها تشكل عبئاً كبيراً على فرص نمو الاقتصاد الفرنسي، الذي يبلغ حجمه نحو 2.8 تريليون دولار، بما يعادل 15% من اقتصادات منطقة اليورو المقدر حجمها بنحو 17 تريليون دولار.

وساهمت سياسات الحكومة الفرنسية خلال الفترة الماضية في تعقيد هذه المشكلة، كونها أتاحت للشركات الصغيرة، تسريح عمالها، وزيادة ساعات العمل دون أجر عادل.

ماكرون يقترح زيادة مساعدات العاطلين عن العمل و«تمييزا إيجابيًا» لصالح الأحياء الفقيرة من خلال إعفاءات ضريبية

وعلى الرغم من وعود ماكرون، بمواجهة هذه المشكلة، عبر زيادة مساعدات العاطلين عن العمل واقتراحه تدابير «تمييز إيجابي» لصالح الأحياء الفقيرة من خلال إعفاءات ضريبية، وتركيزه على تحسين أوضاع الطبقات الوسطى التي قال، خلال حملته الانتخابية، إنها «منسية»، يبقى نجاحه رهيناً بعوامل أخرى، أهمها تحسين القدرة التنافسية للمنتجات الفرنسية في الأسواق الخارجية.

ويتوقع محللون أن يسعى ماكرون لتحقيق هذا الهدف من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية الكفيلة بخفض معدلات البطالة، مع طرح خطة استثمارية عامة بقيمة 50 مليار يورو لخلق نموذج جديد للنمو وإنعاش الاقتصاد، وخطة أخرى لخفض الإنفاق العام بقيمة 60 مليار يورو خلال 5 سنوات، كما ينوي توفير 25 مليار يورو في المجالات الاجتماعية للقطاعات الحكومية، و15 مليار يورو للتأمين الصحي، و10 مليارات للتأمين ضد البطالة.

غير أن ماكرون سيواجه، في سبيل ذلك، مصاعب كبيرة تتمثل في ضرورة الاستجابة لشروط العولمة، ومن بينها التخلي عن الإجراءات الحمائية، والعمل على خفض الضرائب المرتفعة نسبيًا على عائدات الشركات (نحو 33%)، وتخفيض عدد العاملين في القطاع العام بنحو 120 ألفاً، خلال الخمس سنوات المقبلة.

وبحكم طبيعة النظام الفرنسي، الذي يوزع السلطات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ستظل قدرة ماكرون على تنفيذ برنامجه الانتخابي مرتبطة بنتائج الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو المقبل.

ويأمل ماكرون أن تتمكن الحركة التي أسسها قبل الانتخابات الرئاسية، ثم أعلن تحويلها حزباً سياسياً باسم «الجمهورية إلى الأمام»، من حصد الأغلبية التي تسهل عليه مهمته في قصر الإليزيه، وهو ما تمناه رئيس الوزراء السابق (الاشتراكي) مانويل فالس، حين قال الثلاثاء الماضي إنه يرغب في أن يكون «مرشح الغالبية الرئاسية» في الانتخابات التشريعية المقبلة.

آلاف يتظاهرون في باريس، معلنين عزمهم التصدي لأي «قمع اجتماعي» سيمارسه ماكرون لإرضاء أصحاب العمل

وقال فالس لإذاعة «آر تي إل»: «سأكون مرشّح الغالبية الرئاسية وأرغب في التسجيل في هذه الحركة (إلى الأمام)»، داعياً «التقدميين وهؤلاء الذين دعوا إلى التصويت لماكرون قبل الدورة الأولى وأولئك الراغبين في فوزه إلى القيام بالمثل».

وقوبل انتخاب ماكرون بترحيب أصحاب العمل الفرنسيين بانتخابه لكنهم تساءلوا عن مدى قدرته على الإصلاح، خصوصاً على صعيد قانون العمل الذي يشكل خطاً أحمر بالنسبة إلى عدد من النقابات، حسب ما ذكرت إذاعة «مونت كارلو».

في الوقت نفسه، تظاهر آلاف الناشطين «المناهضين للرأسمالية» في باريس، مظهرين عزمهم على التصدي لأي «قمع اجتماعي» سيمارسه ماكرون لإرضاء أصحاب العمل وقوى العولمة، حسبما نقلت وكالات الأنباء عن بعضهم.

وفيما قال المحلّل السياسي سيتفان روزيس إن ماكرون مطالب بأن «يقود معركة الانتخابات التشريعية كما كان يفعل نابوليون في المعارك الصعبة»، ذكرت جريدة «ليبيراسيون» اليسارية أن ما جرى كان «انتصاراً تحت الضغط»، مشيرة إلى «النسبة الكبيرة للامتناع عن التصويت»، رغم التهديد الذي يمثله اليمين المتطرّف، في إشارة إلى عدم الارتياح اليساري حيال الرئيس الجديد.

لمطالعة العدد 77 من جريدة «الوسط» اضغط هنا