ترامب.. «بجعة سوداء» تصدم الأسواق العالمية

*هبوط الدولار 2.6% والنفط 1.38%.. والذهب يصعد 3%
*فوز ترامب بالرئاسة الأميركية ضربة ثانية لأسواق العملات بعد «بريكست» خلال خمسة أشهر
*أسواق المال تخشى غموض مواقف ترامب بشأن العديد من المسائل الاقتصادية
*مخاوف صينية من النزعة الشعبوية المناهضة للعولمة بفرض ترامب رسوماً جمركية على صادراتها بنسبة 45%
*توقعات بهبوط الأسهم الأميركية بنسبة 10% خلال جلسات التداول العشر المقبلة والاقتصادات الناهضة ستدفع الثمن الأكبر

أصاب فوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحد الأميركية الأسواق العالمية بـ«صدمة» غير متوقعة أو «بجعة سوداء» على حد تعبير الاقتصادي الأميركي نسيم طالب، إذ شهدت البورصات العالمية تراجعات جماعية، مع تحول المستثمرين إلى الملاذات الاستثمارية الآمنة مثل الذهب، إذ هبط الدولار أمام العملات الدولية الكبرى المنافسة، لينخفض بنسبة 2.6% أمام الين الياباني، و1.6% أمام الفرنك السويسري، وصعد اليورو إلى أعلى مستوى له في شهرين (1.8%)، مسجلاً 1.12 دولار.

تراجعات عالمية
وكما تشير نظرية «بجعة سوداء» إلى صعوبة التنبؤ بالأحداث النادرة إلى ما يتجاوز نطاق التوقعات العادية، صدم فوز ترامب أسواق المال العالمية مع الساعات الأولى لصباح أمس الأربعاء، إذ تراجعت كل من مؤشرات «وول ستريت» وبورصتي لندن وطوكيو بأكثر من 5%، في سيناريو أشبه بما حدث لها في الـ«بريكست» البريطاني.

وعلى صعيد أسواق العملات الدولية انخفض البيزو المكسيكي أكثر من 13% إلى دون 21 بيزو للدولار وهو أدنى مستوى له على الإطلاق، تخوفًا من صدى تصريحات «ترامب» بشأن بناء جدار عازل مع المكسيك، فيما قررت وزارة المال اليابانية ووكالة الخدمات المالية وبنك اليابان، الأربعاء، عقد اجتماع طارئ لبحث الوضع في الأسواق بعد فوز ترامب.

وهبطت معظم البورصات في الخليج، إذ قادت بورصتا الإمارات، (أبو ظبي ودبي)، الهبوط بنحو 0.6% و0.84% على التوالي، كما انخفض المؤشر الرئيسي لبورصة الكويت بنحو 0.26%، بينما ارتفع مؤشر البورصة السعودية الرئيسي «TASI» بنسبة 0.65%، ومؤشر بورصة البحرين «BSEX» بنسبة 0.11%.

*الذهب الملاذ الآمن
وارتفع سعر الذهب بنحو 3% ليصل إلى 1314 دولارًا للأونصة أمس الأربعاء، إذ يعد الذهب واحدًا من أهم الملاذات الآمنة للاستثمار في أسواق المال العالمية. وكان بنك «إتش إس بي سي»، توقع ارتفاع سعر الأوقية إلى 1500 دولار بنهاية 2016، حال فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية، على أن يرتفع إلى 1575 دولارا بنهاية 2017.

فوز ترامب سبب صدمة في الأسواق المالية، فمازال المستثمرون يحاولون استيعاب هذا التغير المفاجئ بالبيت الأبيض

وفي تحليل أجرته شبكة «بلومبرغ» الأميركية قال المحلل المالي في نيويورك جينادي غولدبرغ: إن «التحفيز المالي هو التفسير الأكثر منطقية، ونتوقع أعلى مستويات العجز مع ترامب و(كونغرس) يسيطر عليه الجمهوريون».

وقالت «بلومبرغ» إن فوز ترامب سبب «صدمة في الأسواق المالية، فمازال المستثمرون يحاولون استيعاب هذا التغير المفاجئ بالبيت الأبيض، وهي صدمة مماثلة لتلك التي تلقاها الاقتصاد العالمي فور الإعلان عن نتائج بريكست».

واعتبرت فوز ترامب «الضربة الثانية لأسواق العملات خلال خمسة أشهر عقب تصويت بريكست». وقلص الدولار من خسائره أمام الين، وسط صدمة شهدتها بورصة العملات الأجنبية.

كما شهدت أسعار النفط في الأسواق العالمية انخفاضًا بنسبة 1.38%، إذ سجل الخام 44.36 دولار، كما هوت العقود الآجلة للخام العالمي مزيج «برنت» بنسبة 1.11% إلى 45.53 دولار. كما سادت حالة من الفوضى والإرباك السوق النفطية؛ بسبب الفوز غير المتوقع لترامب، لا سيما بعد أن أفاد محللون اقتصاديون بأن فوز ترامب سيتسبب في انهيار الأسواق العالمية.

«فوضوية» المشهد
وذكر الرئيس التنفيذي للمجموعة الأوروبية للاستثمار روب بوردمان: «الحالة فوضوية حاليًا، وهي تشبه ما حدث إبان تصويت بريكست. ومازالت شركات عدة تعمل على تهيئة خطط عمليات عقب الخروج البريطاني من أوروبا وهو نفس ما نفعله حالياً».

وتابع أن المصارف الأوروبية التي توفر نفاذ إلكتروني للأسواق وافقت على أوامر للتعامل غير معتادة من الإغلاق السابق لأن الأسواق المالية تراجعت بالفعل.

وبدوره قال الرئيس التنفيذي لمجموعة «باتس» للأسواق العالمية في لندن إن «بداية التعاملات، الأربعاء جاءت سريعة نسبياً، لكن وتيرة المبيعات هدأت قليلاً حتى أصبحت أقل من مستوى التعاملات مقارنة بتصويت بريكست».

وقلص مؤشر«إس & بي 500» من خسائره في العقود الآجلة، إلى جانب الأسهم الأوروبية، بينما قلص الذهب والين مكاسبه. وارتفع النحاس إلى أعلى مستوى منذ 15 شهراً، بنسبة 4% إلى 5.44 دولار لكل طن متري، وسط توقعات بقيام ترامب بزيادة الإنفاق لتحفيز النمو الاقتصادي.

وقلص الذهب من أرباحه، وارتفعت العقود تسليم فوري بنسبة 2.1% إلى 1.3 دولار للأونصة. وأوضح سيمونا غامباريني الاقتصادي في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» بلندن أن أسواق الذهب شهدت حركة مرتفعة خلال الليل، ورغم التراجع نتوقع وصول الأسعار إلى 1.4 دولار.

الخوف من المجهول
إزاء ما سبق فإن كثيراً من المحللين أرجعوا التراجعات السابقة إلى الخوف من المجهول، إذ إن جانبًا كبيرًا من انخفاض أسواق المال يرجع إلى ما لم يعلنه ترامب بعد، فإن ما يخيف أسواق المال هو غموض مواقف ترامب بشأن العديد من المسائل الاقتصادية.

رجال المصارف يخشون أن يعمد ترامب إلى تعطيل التجارة العالمية والإضرار بالعلاقات الجيوسياسية وهو ما ينعكس سلبيًا على الأسواق

وأكد محللون أن رجال المصارف يخشون أن يعمد ترامب إلى تعطيل التجارة العالمية والإضرار بالعلاقات الجيوسياسية وهو ما ينعكس سلبيًا على الأسواق، وقالت المستشارة المالية كارن شو بترو: «هذ هي نوعية الأمور التي يجري التفكير فيها بمكاتب كبار المديرين، فالقلق الكبير بشأن ترامب سيطر على فكر الناس».

وكان صندوق النقد الدولي قد أشار إلى «خطر» وصول ترامب لسدة الحكم، عندما قال كبير الخبراء الاقتصاديين في الصندوق موريس أوبستفيلد إن انتخاب ترامب سيشكل «تغييرًا جذريًا في الموقف التقليدي للولايات المتحدة وخصوصاً حيال السياسة التجارية».

ويقول المحلل المالي مايكل برفس إن ترامب «بنى حملته على ثلاثة أعمدة هي الهجرة والحواجز التجارية وإنعاش القطاع الصناعي، وفي الحقيقة لم يقدم خطة واضحة، كما أنه متحدث متقلب»، إذ إن الغموض يتعلق برغبة ترامب في تخفيف اللوائح التنظيمية التي تحكم عمل المؤسسات المالية والاقتصادية وأسواق المال.

وفي هذا السياق، يتوقع المسؤول في بنك الاستثمار «بي إم أو» جاك أبلن أن تهبط الأسهم الأميركية بنسبة 10% على مدى جلسات التداول العشر المقبلة، لافتًا إلى أن أسواق المال خارج الولايات المتحدة، لا سيما في الاقتصادات الناهضة، هي التي ستدفع الثمن الأكبر.

وقال كبير المستشارين الاقتصاديين لدى شركة «أليانز» المصري محمد العريان: «إذا استمرت الحركة الجارية في السوق أو زادت حدتها، فسنشهد عمليات بيع قسرية (بسبب الخسائر)».

مخاوف صينية
وفي الإطار نفسه، تخشى الصين على وجه الخصوص من تداعيات فوز ترامب الذي دعا إلى فرض رسوم جمركية على السلع المستوردة من الصين بنسبة 45%، في إطار خططه لتشجيع الأميركيين على شراء المنتجات الأميركية.

وتعهد ترامب بالتشدد مع البلدان التي تنتهك الاتفاقيات التجارية، علماً أن هناك العديد من النزاعات التجارية التي تفتح من حين لآخر بين واشنطن وبكين أمام لجان منظمة التجارة العالمية. ولمحت الصين إلى عدم ارتياحها لترامب قبل الانتخابات حين قال وزير المالية الصيني لو جيوي إنه يخشى تصاعد «النزعة الشعبوية المناهضة للعولمة واستخدام سياسيين خطاباً معيناً في حملتهم بهدف محاولة كسب أصوات».

ورغم كل ما تقدم، فإن هناك نظرة اقتصادية إيجابية لترامب لا يمكن إغفالها، ترتبط تحديداً برؤيته الداعمة للأعمال وخطته لتخفيض الضرائب على الشركات، الرؤية التي يعزوها بعضهم إلى كونه من رجال الأعمال البارزين في القطاع العقاري بالولايات المتحدة.

هناك نظرة اقتصادية إيجابية لترامب لا يمكن إغفالها، ترتبط تحديداً برؤيته الداعمة للأعمال وخطته لتخفيض الضرائب على الشركات

وتعهد ترامب بتخفيض الضرائب على الشركات من 35% إلى 15%، ودعم الصناعة المحلية لتوليد فرص العمل، وتحقيق معدلات نمو بين 3.5% و4% (مقارنة مع توقعات بمستوى 1.8% لعام 2016).

وكانت معظم مؤشرات الأسهم العالمية وأسواق النفط العالمية شهدت، الثلاثاء، استقراراً ملحوظاً قبيل إعلان ترامب زعيمًا للبيت الأبيض، وسط توقعات سابق بأن ينعكس فوز هيلاري كلينتون إيجابًا على سوق الأسهم.

وفي آسيا، ارتفع مؤشر MSCI لأسهم آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 0.4%، كما صعد مؤشر «توبكس» الياباني بنسبة 0.1%، بينما هبط مؤشر نيكي القياسي 0.1%، وزاد الين الياباني مقابل العملة الأميركية بنسبة 0.1% أيضاً، إلى 104.4 ين للدولار الواحد، معوضاً خسائر الاثنين.

أما البورصات الصينية فارتفعت قليلاً، إذ نما مؤشر شنغهاي المركب بنسبة 0.6 % وهانغ سنغ في هونغ كونغ بـ 0.25 % بعد بيانات التجارة الضعيفة لكلا الواردات والصادرات. فيما صعد مؤشر S&P/ASX 200 الأسترالي بنحو 0.1% فقط.

وبالنسبة للأسواق المالية الأوروبية، نما فاينانشال تايمز 100، مؤشر البورصة الرئيسي في المملكة المتحدة خلال التعاملات المبكرة، بواقع 4.56 نقطة. وارتفع مؤشر ستوكس 600 في عموم أوروبا 0.2% بحلول الساعة 12:33 بتوقيت موسكو ( 09:33 بتوقيت غرينتش)، كما صعد مؤشر «داكس» الألماني ومؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.1%. وارتفع مؤشر S & P 500 بنسبة 2.1%، إضافة إلى نمو مؤشر «داو جونز» الصناعي بواقع 2.2%.