الأزمة المالية في ليبيا.. فتش عن الخوف وفقدان الطمأنينة

أصبحت مشكلة السيولة في ليبيا الشغل الشاغل للمواطنين واهتمام المسؤولين (وهنا نستخدم لفظ المسؤولية بنوع من التحفظ)، فالطوابير الطويلة أمام المصارف لا جدوى منها فخزائن المصارف فاضية وحتى إذا تحصل المواطن على بعض الدنانير فهمه الأول هو التخلص منها في أسرع وقت ممكن خوفاً من انخفاض قيمتها.

مستشار وخبير في الشؤون الاقتصادية والمالية
وخريج جامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأميركية

والسؤال هو: هل نحن على دراية بأسباب هذه الأزمة؟ وهل من الممكن القيام بأية خطوات لحلها؟

جريدة «الوسط» حاولت لفهم هذه الأزمة العودة إلى خمس سنوات ماضية، فعندما كانت الثورة في أوجها، واجهت البلاد أزمة سيولة حادة مماثلة لما يحدث اليوم. فكانت المصارف لا تملك السيولة، والبضائع نادرة بصورة عامة والسوق الموازية منتعشة كعضو في فريق الأزمة المتعلق بالقضايا المالية آنذاك، أتذكر كيف كان الفريق يحاول جاهدًا إيجاد حلول لأزمة السيولة، وتبرز أهمية العودة إلى تلك الفترة أن هناك عوامل مشتركة مع الأزمة الحالية وآنذاك. وأحد أبرزها هو عدم الاستقرار السياسي.

فالنظام الاقتصادي برمته في جميع أنحاء العالم يبني بالأساس على توفر عامل الثقة. وهذه الأزمات ساهمت بشكل رئيسي في تدمير عامل الثقة في البلاد. رغم أن هاتين الأزمتين متشابهتين إلا أن هناك عامل خلاف رئيسي بينهم.

فالأزمة السياسية التي صاحبت الثورة أدخلت مستوى عاليا من الخطورة (risk) في الاقتصاد آنذاك، بينما أزمة عدم الاستقرار السياسي اليوم أدخلت بدلاً من عامل الخطورة عاملا آخر وهو ما يسمى بالشك أو الريبة (unceryainty).

الخطورة والشك يختلفان بشكل خفي وأحياناً غير منظور وقد يبدو في بعض الأحيان أنهما يلعبان نفس الدور في الاقتصاد. ولكن هناك فارقا كبيرا بين الاثنين وقد يساهم فهم هذا الفارق في فهم جذور الأزمة الحالية وقد يساعد أيضا في إيجاد حل لها.الخطورة الاقتصادية شيء طبيعي وهي موجودة في جميع الفعاليات الاقتصادية، وخاصة المالية منها وتعني باختصار أننا لا نعرف بدقة كافية ما إذا كنا سنصل إلى الهدف المنشود، عندما نواجه هذه الخطورة نقوم بقياس وحساب احتمالات الوصول إلى الهدف (عملية القياس هذه قضية فنية متعارف عليها ولا داعي للخوض فيها هنا). ثم بناء على عملية القياس هذه تعكس الأسعار في السوق هذه الاحتمالات بدرجة دقيقة إلى حد كبير، فكلما ازدادت مقاييس الخطورة كلما ازداد تقلب مستوى الأسعار المتوقع في السوق.

أزمة عدم الاستقرار السياسي اليوم أدخلت بدلاً من عامل الخطورة عاملا آخر وهو ما يسمى بالشك أو الريبة

أما الريبة والشك فهما يعنيان ليست صعوبة الوصول إلى الهدف ولكن هي عدم معرفة الهدف بكاملة. وذلك يعني أنه من المستحيل أن تعكس أي منظومة للأسعار في السوق قيمة هذا الشك. هذا يقود إلى تفشي عامل الخوف وكثيراً من الأحيان يؤدي إلى الشلل التام لجميع أوجه النشاط الاقتصادي.في أثناء الثورة واجهنا عامل الخطورة والذي كان مرتفعاً جداً ولكن في المقابل كنا على دراية بالنتائج الممكنة، فإما أن تنجح الثورة في إسقاط النظام وتحرير البلاد وإما أن تفشل الثورة وتظل البلاد تحت حكم القذافي.

فهم الناس هذه النتائج الممكنة وبالتالي استطاعت السوق إلى درجة كبيرة قياس نسبة الخطورة وانعكست هذه القياسات بصورة شبه مستمرة في السوق وأسعاره فالهدف كان واضحاً وبالتالي نستطيع أن تقيس إمكانية وسرعة الوصول إليه.

أما اليوم فالهدف أصبح غير واضح وينتابه الكثير من الغموض ومن ثم فأية قياسات لما هو ممكن من الصعب علينا القول إنها لها أية قيمة اقتصادية حقيقية.

إن التمعن في السوق الموازية يوضح لنا سبب وجودها وسبب انخفاض قيمة الدينار. ففي العام الماضي كان سعر الدينار في السوق الموازية يساوي تقريبا 2.2 دينار للدولار الواحد واليوم وصلت التكلفة إلى 4.5 دينارات للدولار الواحد. في أقل من سنة واحدة، وجود عامل الشك والريبة أدى إلى تدمير أكثر من 50% من قيمة الدينار.

الاقتصاد أصبح ينتج جزءًا ضئيلاً مما كان ينتجه سابقًا وإنتاج النفط تدني إلى أقل من 300 ألف برميل يوميًا

بالطبع هناك عوامل اقتصادية منطقية لتواجد السوق الموازية وانخفاض قيمة العملة. فالمصرف المركزي ليست لديه الإمكانية السابقة لجلب العملات الصعبة مما أدى إلى انخفاض الاحتياطي العام بوتيرة متسارعة إلى أقل من 70 مليار دولار (الرقم الحقيقي يقترب من 40 مليار إذا حذفنا المجنب وودائع هيئة الاستثمار).

والاقتصاد أصبح ينتج جزءا ضئيلا مما كان ينتجه سابقا، فإنتاج النفط تدني إلى أقل من 300.000 برميل يوميا «وحتى هذا الرقم مبالغ فيه» زد على ذلك الانخفاض في أسعار النفط إلى أقل من 50%. هذه العوامل الاقتصادية تعطي القارئ السبب الرئيسي في أن السعر الرسمي للدينار 1.38 دينار للدولار الواحد، وهو سعر غير حقيقي ومبالغ فيه.

ولكن هذه العوامل الاقتصادية هي جزء من القصة وليست القصة بكاملها، فإذا كانت هي السبب الرئيسي في انخفاض قيمة العملة فكيف نفسر أن هذه العوامل هي نفسها ولم تتغير خلال العام الماضي ورغم ذلك فقد الدينار أكثر من نصف قيمته خلال هذه الفترة. وكيف نفسر ازدياد أزمة السيولة؟

الإجابة ليست معقدة فالمعدلات الاقتصادية انخفضت لفترة نسبيا طويلة قبل انخفاض قيمة الدينار بسبب أن السوق أصبحت منفصلة عن الأساسيات الاقتصادية، فما يقودها اليوم ليس المنطق الاقتصادية بل هو الريبة والشك وعدم اليقين.إذن ما هو السعر الحقيقي للدينار اليوم؟ وما هو العامل الرئيسي الذي يؤثر فيه؟ إذا تغاضينا عن مستوى السعر نفسه ونظرنا إلى توجه السعر أو نزعته، فنستطيع أن نجد دليلا يوضح سبب انخفاضه وهذا السبب هو فقدان الطمأنينة في البلاد.

هذا المؤشر الذي يشرح لنا سبب انخفاض العملة يمكن قياسه ويمكن لنا أن تسميه بمؤشر الخوف، أو معدلات الخوف في البلاد. وهذا المؤشر يمكن قياسه من السوق الموازية، وهذا المؤشر يمكن له قياس وضع ومزاج البلاد بصورة إلى حد ما دقيقة، هو ليس كاملا ولكنه جامع بما فيه الكفاية ليعطينا صورة جيدة على ما هو حاصل اليوم وعلى توجه البلاد وما هي مقدمة عليه.

إذا نظرنا إلى الرسم البياني المرفق وتابعنا مسار حكومة الوفاق مستخدمين مؤشر الخوف سنجد الآتي:
عندما بدأت الأزمة السياسية توحي بالانفراج بدأت قيمة الدينار في الصعود، وعندما تم توقيع الاتفاق في مدينة الصخيرات بالمغرب في شهر ديسمبر 2015 ارتفعت قيمة الدينار بنسبة 12٪، وعندما وصل السيد فايز السراج إلى طرابلس ارتفعت قيمة الدينار بنسبة 18% في نهاية الشهر مارس 2016.

عدم قدرة حكومة الوفاق على تحديد أهداف واقعية يمكن تحقيقها جعل البلاد تنغمس مجددًا في مرحلة الشك

وكما بين الرسم البياني أن الفجوة ما بين السعرين وهو المقياس العام لمؤشر الخوف تدنى هذا المؤشر إلى أقل مستوى له خلال السنة والنصف الماضية، واستمر هذا المعدل في الهبوط لمدة شهر كامل كما يبين الرسم البياني قبل أن يبدأ في الارتفاع لمدة وجيزة، بعد الوفاق بدأت تتضح معالم الهدف للبلاد وبدأ معدل الخوف في التناقص.

لكن للأسف لم يستمر هذا التقدم نتيجة عدم قدرة حكومة الوفاق على تحديد أهداف واقعية يمكن تحقيقها ونتيجة لذلك انغمست البلاد مجددا في مرحلة الشك والريبة من جديد وارتفع مؤشر الخوف وبدأ الدينار في انخفاض سريع.

الشك والريبة هما أخطر ما يواجهه الاقتصاد، فهما كما أسلفنا يفصلان حركة السوق اليومية عن الأساسيات الاقتصادية وإذا استمر هذه الوضع لفترة زمنية طويلة فسيزداد الشك في المستقبل بشكل مضطرد. بمعنى أن الشك يولد مزيدا من الشك والريبة وتدخل البلاد في حلقة مفرغة من الخوف من الصعب التحكم فيها.وإذا نرغب أن نختم بشكل إيجابي، فيمكن لنا القول إننا تغلبنا على حلقة الخوف أثناء الثورة في العام 2011 نتيجة لعاملين رئيسيين.
أولا: إنهاء مرحلة الشك والريبة حيث تمكن السوق باستبدالهما بالخطورة وذلك نتيجة تحرير طرابلس وسقوط النظام مما ساهم مباشرة في عودة الاستقرار السياسي، ولو لفترة وجيزة. والذي بدوره انعكس في زيادة الودائع لدى المصارف مما ساعد على حل مشكلة السيولة.

وثانيا البدء في ضخ النفط ورافق ذلك مع طباعة كمية مناسبة من العملة الورقية والتي أدت أيضا إلى تبديد المخاوف وأسرعت في حل مشكلة السيولة في السابق مثل ما هو الآن واجهة البلاد مشكلة اقتصادية جذورها سياسية بامتياز وبالتالي التقدم في هذه الجبهة كان ضروريا لحل المشكلة في السابق وهو المطلوب الآن. لن تخرج البلاد من هذه الأزمة الاقتصادية دون توافق واستقرار سياسي؛ فدون هذا التوافق لن تحل مشكلة السيولة ولن يعود إنتاج النفط إلى ما كان عليه.

والمسؤولون عن شؤون البلاد ليس لديهم الوقت الكثير، فالاقتصاد الليبي توقف بصورة شبة كاملة ومعاناة الناس زادت وستزداد وبشكل أسوأ حتى مما نحن فيه الآن، فالمطلوب الآن هو خطوات حقيقية للتوافق السياسي لخفض مؤشر الخوف وإنقاذ بلادنا.
للاطلاع على العدد (35) من «جريدة الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط