أزمة «طباعة الدينار» ضاعفت معاناة «المركزي» (تقرير)

تصاعدت وتيرة القلق على الأوضاع النقدية في ليبيا، مع تفجر الخلافات وحرب البيانات المتبادلة بين إدارتي المصرف المركزي في البيضاء وطرابلس من ناحية أخرى، بشأن طباعة أوراق بنكنوت من فئة الدينار الليبي بنحو أربعة مليارات دينار في روسيا، وهو ما ترجمته تقديرات محللين رأوا أن ذلك الخلاف يثير مخاوف بشأن مستقبل المؤسسة المصرفية السيادية في البلاد، ويفتح الباب على مصراعيه أمام اشتداد التلاعب بالوضع النقدي والاقتصادي الليبي بشكل عام.

ووصلت قاعدة الأبرق الجوية صباح الثلاثاء الماضي 200 مليون دينار ليبي من الأموال المطبوعة في روسيا، في انتظار باقي الدفعات المقدرة بنحو أربعة مليارات دينار، وجرى إيداع الأموال في الإدارة الرئيسة لـ«المركزي» في البيضاء لتوزيعها على المصارف، في حين تسلم المصرف المركزي بطرابلس الخميس الماضي شحنة من العملة الورقية الليبية التي وصلت جوًا إلى مطار معيتيقة الدولي قادمة من بريطانيا، وتقدر الشحنة بـ112 مليون دينار ونصف، من فئة 5 دنانير.

شحنات من الدينار المطبوع في بريطانيا وروسيا بدأت الوصول إلى ليبيا

رسائل
ومع وصول العملات المطبوعة في روسيا طالبت رسالة منسوبة إلى محافظ «المركزي» في طرابلس، الصديق الكبير، المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني بحظر تداول العملة الجديدة من قبل المصارف الليبية. وقال الكبير في الرسالة: «إن لجنة السياسات النقدية بالمصرف المركزي خلصت إلى ضرورة رفض العملة الواردة من روسيا وحظر قبولها وتداولها على جميع المصارف العاملة في ليبيا»، مشيرًا إلى أن «طباعة العملة في روسيا جرت في ظل غموض تام وبالمخالفة للقانون مما عزز حالة الانقسام السياسي وأضر الوفاق الوطني، ويعطي ذريعة للمجتمع الدولي لتجميد أصول المصرف المركزي».

في المقابل، كان اتهام محافظ المصرف المركزي في البيضاء، علي الحبري، للمحافظ في طرابلس الصديق الكبير بترسيخ الانقسام في المؤسسة النقدية للدولة، واستخدام العمليات المصرفية لتغليب مصلحة طرف سياسي على آخر. ووجه الحبري رسالة إلى رئيس المجلس الرئاسي مساء الأربعاء الماضي من خمس ورقات، أشار فيها إلى «التناقض في مواقف المحافظ السابق الصديق الكبير من خلال رفضه طباعة العملة من قبل مصرف ليبيا المركزي في البيضاء كحل لمعالجة أزمة السيولة النقدية، وفي الوقت نفسه يطرح الصديق الكبير طباعة العملة لمعالجة الأزمة من قبل المركزي في طرابلس». واستغرب الحبري مما وصفه بتعنت الصديق الكبير وإصراره على حصر عملية إصدار العملة، مؤكدًا أن هذا الإصرار يتناقض ما جرى العام 2011 إبان ثورة فبراير، حينما قادت ظروف البلاد لإصدار المصرف المركزي في بنغازي عملة لا تزال معتبرة وقيد التداول.

فوضى نقدية
وتتزايد المخاوف من انفجار أزمة اقتصادية حقيقية جراء ما وصفه محللون بـ«الفوضى النقدية»، وحذر الخبير الاقتصادي سليمان الشحومي من أن «عدم اعتراف المجلس الرئاسي والولايات المتحدة بالعملة التي سيصدرها المصرف المركزي البيضاء، سيفتح الباب على مصراعيه أمام اشتداد التلاعب بالوضع النقدي والاقتصادي الليبي بشكل عام».

وكان رئيس المجلس الرئاسي، فائز السراج، دعا اللجنة المالية بمجلس النواب ومجلس إدارة المصرف المركزي لاجتماع عاجل للبحث عن حلول عملية وسريعة لمشكلة السيولة النقدية «بما يلبي حاجة المواطنين ويرفع عنهم المعاناة». وقال في تصريح إلى «بوابة الوسط» إنه أكد في لقاءاته كافة بالخصوص حرصه الشخصي على التواصل مع اللجنة المالية بمجلس النواب وبإدارتي «المركزي»، في إطار سياسة الحكومة لتوحيد مؤسسات الدولة كافة، داعيًّا إلى النأي بالمواطن عن التجاذبات السياسية، حتى لا يكون ضحية لهذه التجاذبات».

الدريجة: السياسات النقدية تتجاهل أو جهلت أهم المبادئ المعمول بها عالميًا

وفي هذا السياق، قال الشحومي: «إن الاقتصاد الليبي قد دخل الآن معتركًا صعبًا قد يقوض الآمال التي علقت على توحيد المؤسسات الاقتصادية الليبية، وإعادة ترميم وتحسين الوضع المعيشي للمواطن الليبي»، موضحًا: «سيكون لدى ليبيا عملة متداولة في الشرق فقط، وهو ما سوف ينعكس على قيمتها أمام الدولار، وخصوصًا بالسوق الموازية، كونها قد تكون غير معترف بها من البنك المركزي في طرابلس، الذي تقع تحت سيطرته احتياطات العملة الأجنبية بالخارج، التي تشكل الأساس في الحفاظ على قيمة العملة الوطنية».

من المسؤول؟
وتساءل الخبير في البنك الأوروبي، عمرو فركاش، عن الجهة التي تدفع نحو تقسيم ليبيا، وأشار إلى أن «العملة المطبوعة في روسيا غير مزورة»، مفسرًا ذلك بأن «المحافظ المعيَّن من الجهة الشرعية (مجلس النواب) هو مَن تعاقد عليها، بوصفه الطرف القانوني المخول بالتعاقد». وقال فركاش: «إن الشركة البريطانية رفضت التواصل مع المركزي بالبيضاء حينها، أما الشركة الروسية فهي حكومية معروفة وأُبرم التعاقد معها بسعر أقل بـ15%»، مضيفًا: «إن أول نسخة من العملة الليبية بعد ثورة فبراير كانت تحمل توقيع الصديق الكبير بتاريخ فبراير 2011، ولم يكن قد جرى تعينه حينذاك».

ويفتح ذلك الوضع الباب أمام الحديث عن السياسات النقدية التي ينتهجها المصرف المركزي، إذ اعتبر الخبير الاقتصادي والرئيس السابق للمؤسسة الوطنية للاستثمار، الدكتور محسن الدريجة، أن الإسراف في طباعة الدينار الليبي هو أحد أهم أسباب الأزمة الاقتصادية الحالية ولا يمكن أن يكون حلاً لها.

ونوه الدريجة بأن «اللجوء إلى سياسة التسهيل النقدي أو ما يسمى بـ(Quantitive Easing) يكون في حالة الأزمات الاقتصادية الحادة واضطراب الأسواق المالية، التي تؤدي لانهيار الثقة وتوقف الاستثمار»، موضحًا: «إن انهيار الأسواق المالية اليابانية العام ١٩٨٨ والأزمة المالية للعام ٢٠٠٨ كانا سببًا للجوء لهذه السياسة النقدية»، مشيرًا إلى أن «هدفها كان تخفيض تكلفة الديون لتشجيع الاستثمار من خلال الإقراض، ومن ثم إعادة الثقة للمستثمرين تدريجياً». ورأى الرئيس السابق لمؤسسة الاستثمار اختلافاً في الحالة الليبية، مشيرًا إلى أن «السبب الرئيسي للأزمة هو توقف بيع النفط، في ظل سياسة إنفاق وسياسة نقدية ليس لهما أي علاقة بالسياسات الاقتصادية، وتجاهلت أو جهلت أهم المبادئ المعمول بها عالميًا».

مقترحات
وأيًّا كان حجم التفاعلات والتفاصيل في هذه الأزمة المستعصية، بقي الأمر الواقع هو طباعة عملتين من الدينار الليبي في روسيا وبريطانيا، تتنازعهما إدارتان للسلطة النقدية، وفي هذا السياق اقترح الخبير الاقتصادي عمرو فركاش «إعداد خطة لوجستية أمنية محكمة لتوزيع السيولة، كي لا تصل في أيدي الإرهابيين وسرقة المال العام»، وحث الجهات الأمنية على مراقبة تجار الذهب في بنغازي وطرابلس، وتشديد العقوبة على مَن يثبت عليه المخالفة والعمل في السوق السوداء، التي تصل إلى الخيانة، مشيرًا إلى أن ضرر تلك الفئة أشد على المواطن والاقتصاد الوطني من إرهابيي داعش».

فركاش يطالب بإعداد خطة لوجستية أمنية محكمة لتوزيع السيولة

وطالب الخبير الاقتصادي الليبي بعدة إجراءات من بينها «ضخ السيولة بشكل محسوب، مع فتح المصرف المركزي الاعتمادات المستندية للجميع فورًا»، مضيفًا: «لا حجة للمركزي الآن في غلق الاعتمادات، حتى وإن كان ذلك إجراء لعدة أشهر لحين إعادة تقييم الموقف، والتأكد من إعادة إيداع تجار الذهب الأموال في المصارف (فتح الاعتمادات الآن بسعر الصرف الرسمي)». وأكد فركاش ضرورة وضع «جدول زمني لسحب فئة 50 دينارًا وفئة 20 دينارًا، لأنهما الأعلى قيمة والأسهل في التخزين (وضع تاريخ بحد أقصى ومن خلاله لا يعتد العمل بالفئتين)»، مقدرًا القيمة التقريبية لهاتين الفئتين بـ5.67 مليار دينار، وهي أعلى من قيمة العملة المطبوعة من المصرف المركزي في روسيا»، حسب تعبيره.

وشدد على أهمية تخفيض قيمة الدينار الليبي أمام سلة العملات الأجنبية بعد فترة ليست بقصيرة وغير معلنة، مشيراً إلى أن «السعر الرسمي الآن ليس هو السعر الواقعي لقيمة الدينار»، مشيرًا إلى أن «على المصارف إعلان قيمة إيداعات العملاء شهريًا، وعلى المركزي إعلان قيمة الإيداعات حسب كل مدينة في ليبيا، ليتضح للجميع أي من المدن تحتفظ بالسيولة النقدية عن غيرها».

للاطلاع على العدد الثامن والعشرون من صحيفة «الوسط» اضغط هنا (ملف بصيغة pdf).