دراسة: آفاق الإصلاح الاقتصادي الليبي في بيئة مضطربة سياسيًّا وعسكريًّا (1ـ 2)

حذرت دراسة اقتصادية مصرية من اقتراب الاقتصاد الليبي من الانهيار، وقالت إن كل المؤشرات الاقتصادية تشير إلى أن أداء الاقتصاد بات في غاية السلبية، ليقترب من حافة الانهيار يومًا بعد الآخر، مع هبوط معدلات إنتاج النفط وتراجع أسعاره عالميًّا، والاستنزاف المستمر للاحتياطي النقدي وتراجع سعر الدينار أمام الدولار.

وأظهرت الدراسة التي تضمنها تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية السنوي الصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بـ«الأهرام» أن «استمرار الأوضاع على ما هي عليه سوف يؤدي لانهيار الاقتصاد الليبي في غضون أعوام قليلة».

لكنها عادت وأكدت أن قراءة الواقع السياسي تقول: «إن التوصل لإطار توافقي ينهي حالة الانقسام السياسي بين شرق وغرب ليبيا، سوف يفتح مجالات متعددة أمام الاقتصاد الليبي للنهوض والبدء في اتخاذ إجراءات إصلاحية من شأنها إنقاذ ليبيا من خطر الانهيار الاقتصادي».

خلل بنيوي داخل هيكل الاقتصاد الليبي يجب معالجته، حتى تتمكن ليبيا من الاستفادة القصوى من مواردها

وخلصت الدراسة إلى أنه «على الرغم من الآثار شديدة السلبية لحالة الانقسام السياسي الذي يسيطر على ليبيا، إلا أنه من غير الممكن تلخيص وحصر أزمات وإشكاليات الاقتصاد الليبي في الصراع السياسي»، مشيرة إلى وجود «خلل بنيوي داخل هيكل الاقتصاد الليبي يجب معالجته، حتى تتمكن ليبيا من الاستفادة القصوى من مواردها».

وقالت إنه يجب أن تقوم ليبيا بتطبيق عدد من الإجراءات الاقتصادية والإصلاحات المالية، كما يجب أن تتزامن هذه الإصلاحات مع وضع رؤية استراتيجية طويلة الأجل للسياسات المالية والاقتصادية في ليبيا، إلا أنها رهنت تلك الإجراءات والمقترحات بالتوصل إلى حل للخلاف السياسي القائم داخل ليبيا.

وأكدت الدراسة التي أعدها الباحث زياد عقل، أنه من غير الممكن الحديث عن «مستقبل الاقتصاد الليبي وآفاق إصلاحه دون التساؤل حول مستقبل الصراع السياسي، ومدى إمكانية التوصل إلى حل سياسي أو حسم عسكري لحالة الانقسام المسيطرة على ليبيا».

وشددت على ضرورة «أن يتسم الحل السياسي بدور أكبر لدول الجوار الليبي، مصر والجزائر على وجه الخصوص، كما يجب أن يتضمن سبلاً واضحة لدعم تنفيذ اتفاق التسوية السياسية، خصوصًا قضايا إعادة الإعمار وحل الميليشيات وإعادة تأهيل البنية النفطية.

وفيما يلي أهم ما تضمنته الدراسة التي حملت عنوان «الاقتصاد الليبي بين الأزمة البنيوية والصراع السياسي» في تقرير الاتجاهات الاقتصادية والاستراتيجية السنوي الصادر عن مركز الأهرام للدراسات السياسية.

جذور الأزمة
لا تملك الثورات عصا سحرية تزيح بها نظامًا سياسيًّا وتأتي بآخر دون تكلفة ملموسة لهذا التغيير، فعلي مر التاريخ، دائمًا ما كانت هناك نتائج سلبية للثورات خاصة فيما يتعلق بالربط بين عدم الاستقرار السياسي واضطراب الأداء الاقتصادي.

ولا تختلف الحالة الليبية في مرحلة ما بعد ١٧ فبراير ٢٠١١ عن هذا النموذج، كان معمر القذافي قد رسخ نظامًا اقتصاديًّا يعتمد بشكل كلي على أرباح النفط في ظل غياب آليات هيكلية ومؤسسية تضمن نموًا مستمرًا، ومحاولات قليلة فاشلة لتنويع مصادر الدخل، لكن ليبيا عانت في أعقاب ثورة 17 فبراير من مجموعة من التحديات السياسية كان أهمها هو ضعف السلطة المركزية والانتشار المخيف للسلاح بظهور عدد كبير من الميليشيات المسلحة، وغياب هيكل فاعل للدولة قادر على استيعاب السيولة السياسية التي اتسم بها المجال العام الليبي بعد إسقاط معمر القذافي.

وهي التحديات التي كانت لها آثار سلبية على أداء الاقتصاد الليبي بشكل عام، وعلى قطاع النفط بشكل خاص؛ حيث تحول قطاع النفط مع استمرار وتعاظم التحديات السياسية إلى بعد من أبعاد الصراع السياسي والسجال العسكري داخل البلاد.

ولعل أهم الآثار السلبية للثورة الليبية على الاقتصاد الليبي كانت التكلفة المرتفعة لإعادة الإعمار، فنمط الثورة الليبية كان نمطًا مسلحًا تطور إلى صراع عسكري امتد لفترة طويلة بين الثوار وبين كتائب القذافي، وهو ما خلّف دمارًا ملموسًا في البنية الأساسية للدولة، ففي العام ٢٠١١، صرح محمود جبريل، رئيس وزراء المعارضة آنذاك وزعيم تحالف القوى الوطنية فيما بعد، أن تكاليف إعادة الإعمار في ليبيا تقترب من ٤٠٠ مليار دولار، وعلى الرغم من أن هذا الرقم يعد كبيرًا إلى حد ما، إلا أن وضعه في سياق تكاليف إعادة الإعمار بعد الصراعات العسكرية يظهر أنه رقم منطقي.

فعلي سبيل المثال تم تقدير تكاليف إعادة إعمار العراق في العام ٢٠٠٣ بنحو ١٠٠ مليار دولار، وقد أشار تقرير «تكلفة الحروب» الصادر عن جامعة براون في الولايات المتحدة أن تكلفة إعادة إعمار العراق تقترب من ٢٫٢ تريليون دولار.

أزمة حقيقية
على الجانب الآخر وجدت ليبيا نفسها في أزمة حقيقية تتعلق بعائدات قطاع النفط وحجم الإنتاج اليومي لهذا القطاع كنتيجة للصراع المسلح، إذ يعتمد الاقتصاد الليبي بشكل كلي على عائدات القطاع النفطي، وتشكل عائدات النفط أكثر من ٦٥ % من الناتج المحلي ٩٦ % من إجمالي الصادرات، وأكثر من ٩٧ % من إجمالي عائدات الحكومة الليبية، ولكن في ظل السجال المسلح الذي اتسمت به الثورة الليبية، توقف إنتاج النفط تمامًا في الربع الأخير من العام ٢٠١١، وهو ما كان له أثر شديد السلبية على مؤشرات الاقتصاد الليبي.وكما يبدو من الجدول السابق، ترتبط معدلات إنتاج القطاع النفطي في ليبيا ارتباطًا وثيقًا بالواقع الميداني سياسيًا وعسكريًا، وحدة الصراع الدائر أو درجة الاستقرار السياسي، فقد حافظت ليبيا منذ العام ٢٠٠٣ على معدل إنتاج اقترب من ١٫٦ مليون برميل يوميًا من النفط الخام، وهو المعدل الذي سمح لمعمر القذافي بفرض سلطته من خلال السيطرة الأمنية المقترنة بمستوى معيشة ومعدلات نمو اقتصادي مرتفعة، وإن كان القذافي لم يستغل تلك العائدات الضخمة في البدء في عملية تنموية حقيقية تستهدف إصلاح وتعديل البنية الأساسية أو تضييق الفوارق في مستويات المعيشة بين شرق وغرب وجنوب ليبيا، ففي حين شهدت المنطقة الغربية إنفاقًا حكوميًا ضخمًا، استمرت المناطق الشرقية والجنوبية تعاني الإهمال والتهميش وغياب البنية الأساسية والمشروعات التنموية.

ومع اندلاع شرارة الثورة في السابع عشر من فبراير ٢٠١١، تأثر قطاع النفط بشدة نظرًا للصراع العسكري الذي دار بين الثوار بقيادة المجلس الوطني الانتقالي الذي ضم بين كوارده عددًا كبيرًا من المنشقين عن نظام معمر القذافي، وبين أنصار معمر القذافي، وعلى رأسهم كتائب القذافي وبعض القبائل المؤيدة له، وقد وصل إنتاج النفط إلى أقل معدلاته في منتصف العام ٢٠١١، بل وتوقف الإنتاج كليًا نظرًا للحرب بين الأطراف المتنازعة خلال شهري يوليو وأغسطس من نفس العام.

ومع سقوط معمر القذافي ودخول الثوار إلى طرابلس في أغسطس ٢٠١١، تسلم المجلس الوطني الانتقالي السلطة بشكل رسمي، ثم مع انتخاب المؤتمر الوطني العام في صيف ٢٠١٢، وتشكيل المجلس التأسيسي، هدأت الاضطرابات السياسية نسبيًا في ليبيا، على الرغم من بعض أعمال العنف التي استمرت في الحدوث وعدد من التشكيلات والميليشيات المسلحة التي أعلنت عن وجودها، إلا أن وجود سلطة شرعية موحدة داخل البلاد ساعد كثيرًا في عودة الاستقرار إلى قطاع النفط، وتعافى هذا القطاع وارتفعت معدلات إنتاج بشكل أسرع مما كان متوقعًا، وانعكس على معدلات الإنتاج خلال العام ٢٠١٢ والنصف الأول من العام ٢٠١٣، وكان لهذا التعافي أثر مباشر على مؤشرات الاقتصاد الليبي؛ حيث ارتفع إجمالي الناتج المحلي العام ٢٠١٢ إلى ٨١ مليار دولار، وهو الرقم الذي يفوق إجمالي الناتج المحلي الذي حققته ليبيا العام ٢٠١٠ خلال السنة الأخيرة لحكم القذافي بما يقرب من ٨ %.

إجمالي الناتج المحلي العام ٢٠١٢ زاد إلى ٨١ مليار دولار، وهو الرقم الذي يفوق إجمالي الناتج المحلي الذي حققته ليبيا العام ٢٠١٠

على أن الارتفاع في معدلات إنتاج النفط الذي حدث العام ٢٠١٢ لم يكتب له الاستمرار، ففي منتصف العام ٢٠١٣ بدأت معارك مسلحة بين ميليشيات وتشكيلات عسكرية مختلفة للسيطرة على البنية التحية للنفط في ليبيا، أو ما يعرف بالهلال النفطي، وقد بدأت هذه الاضطرابات بسلسلة من الإضرابات العمالية التي كانت تطالب برفع أجور العاملين في قطاع النفط، ومع انتشار هذه الإضرابات في القطاعات المختلفة داخل منظومة النفط في ليبيا، سواء الحقول أو المصافي ومعامل التكرير أو موانئ التصدير، بدأت محاولات من قبل ميليشيات مسلحة في فرض سيطرتها على عدد من موانئ النفط في الغرب، وهو ما أدى إلى توقف تصدير النفط الليبي.

وكانت هذه الفترة هي خير دليل على ضعف الحكومة المركزية في ذلك الوقت بقيادة علي زيدان وعدم قدرتها على حماية الموارد الحيوية للدولة أو فرض سيادتها على الرقعة الجغرافية الشاسعة لليبيا، وفي ظل تلك الأحداث، تراجع إنتاج ليبيا من النفط من ١٫٣ مليون برميل يوميًا إلى ٣٠٠ ألف برميل يوميًا بنهاية العام ٢٠١٣، وتراجعت إيرادات صادرات النفط من ٢٧ مليار دولار العام ٢٠١٢ إلى ١٣ مليار دولار بنهاية العام ٢٠١٣.وفي ظل التطورات السياسية التي بدأت تلقي بظلالها على ليبيا منذ منتصف العام ٢٠١٣، اتسم أداء الحكومة بالضعف وغياب الرؤية وعدم القدرة على فرض السيادة، وفشلت حكومة علي زيدان في تحقيق أي تقدم ملموس في عدد من الملفات والقضايا الحيوية كنزع السلاح والتعامل مع التشكيلات المسلحة غير الشرعية وإدارة القطاع النفطي، فما لا شك فيه أن نمط الثورة الذي شهدته ليبيا أفضى إلى واقع سياسي يصعب السيطرة عليه، خاصة في ظل حالة الانقسام الشديد ما بين النخب الثورية، والانتشار المخيف للسلاح، وغياب أي مفهوم لمؤسسة أمنية قادرة على لعب دورة قوية جبرية شرعية.

في فترة ولاية المؤتمر الوطني كان الطابع القبلي والانحياز السياسي والانتماء الجغرافي والجهوي السمات الأساسية لتوجهات الدولة ومشروعاتها واستراتيجيتها.

كما أن ضعف هيكل الدولة بشكل عام نتيجة لنظام الجماهيرية الذي ابتدعه القذافي وتفكيكه للمؤسسة العسكرية بشكل غير مفهوم بعد حرب تشاد، واعتماده على قوى غير نظامية لسنوات طويلة ممثلة في الكتائب، كما أن الضعف النسبي للحكومات المتعاقبة على ليبيا بعد سقوط نظام القذافي وعدم امتلاكها لذراع عسكرية وطنية، وفشلها المتكرر في جمع السلاح من الثوار في ظل خلافات سياسية عاصفة أدت إلى الإعلاء من سطوة الميليشيات والتشكيلات العسكرية المبنية على أسس أيديولوجية أو قبلية أو جهوية.

ولم يكن انتشار الفساد في قطاع النفط هو الأزمة الوحيدة التي واجهها المؤتمر الوطني العام والحكومة المنبثقة عنه، سواء تلك التي قادها علي زيدان أو الحكومة التي خلفتها بقيادة عبدالله الثني، بل كانت هناك مشكلات متعددة تتعلق بإعادة بناء الأجهزة الأمنية والعسكرية، وتفكيك التشكيلات والميليشيات المسلحة، وهو ما تم على أرضية غير موضوعية من قبل الحكومة والمؤتمر الوطني العام على حسد السواء.

وربما لن يتسع المجال في سياق هذه الدراسة لسرد ما جرى من أحداث في فترة ولاية المؤتمر الوطني خلال العام ٢٠١٣ على وجه الخصوص، وما تم ارتكابه من أخطاء في إدارة مفاصل الدولة المختلفة، ولكن المؤكد أن الطابع القبلي والانحياز السياسي، والانتماء الجغرافي والجهوي كانت هي السمات الأساسية لتوجهات الدولة ومشروعاتها واستراتيجيتها في ذلك الوقت.

تراجعت إيرادات صادرات النفط من ٢٧ مليار دولار العام ٢٠١٢ إلى ١٣ مليار دولار بنهاية العام ٢٠١٣.

وبالطبع كان للانقسام السياسي الذي باتت ليبيا تحيا في ظله أثر سلبي على معدلات إنتاج النفط من ناحية، وعلى الاقتصاد الليبي ككل من ناحية أخرى، خاصة في ظل التراجع الذي شهدته أسعار النفط على مستوى العالم بعد يوليو ٢٠١٤، وبالتالي واصلت معدلات الإنتاج انخفاضها عن المتوسطات المتعارف عليها وعن القدرة الإنتاج لليبيا بشكل عام خلال العام ٢٠١٤ و٢٠١٥، وهو التراجع الذي بات يهدد الاقتصاد الليبي بالانهيار في ظل انخفاض إيرادات القطاع الوحيد الذي يدر دخلاً للاقتصاد الليبي، وقبل أن نتناول مؤشرات الاقتصاد الليبي لعام ٢٠١٥، وأثر الانقسام السياسي على الأداء الاقتصادي لليبيا، من المهم ملاحظة نقطتين في غاية الأهمية فيما يتعلق بمعدلات إنتاج النفط في ليبيا منذ سقوط معمر القذافي وحتى الآن.أولاً: فرضت التطورات السياسية والعسكرية، خاصة تلك المتعلقة بسيطرة الميليشيات على أجزاء من البنية التحتية للنفط، هيكلاً من التفاعل بين المؤسسات السياسية والاقتصادية الشرعية، وبين كيانات مسلحة غير شرعية ولكنها تفرض سيطرتها على قطاع حيوي لا تستطيع السلطات الشرعية تحمل تكلفة توقفه عن العمل، وبالتالي باتت الميليشيات المسلحة جزءًا لا يتجزأ ليس فقط من الاقتصاد الليبي، ولكن أيضًا من معادلات صناعة القرار السياسي داخل ليبيا، وهو ما ظهر بوضوح خلال سياق عملية الحوار السياسي التي ترعاها الأمم المتحدة، فغياب التنسيق والإجماع بين الكيانات السياسية التي ترسل ممثليها لطاولات الحوار والأذرع العسكرية التي من المفترض أنها تتبع الكيانات السياسية، سواء مجلس النواب بطبرق أو المؤتمر الوطني العام بطرابلس، كان خير دليل على غياب مفهوم مؤسسي للتراتبية في صناعة القرار بين الشقين السياسي والعسكري، ومن ثم أدى هذا التفاعل الذي بات أمرًا واقعًا إلى استمرار ظاهرة الميليشيات المسلحة، بل وتنامي نفوذها وحجم تأثيرها على القرارات السياسية والاقتصادية داخل ليبيا.
الانقسام السياسي.

ثانيًا: كشف الانقسام السياسي ومن قبله المعارك التي دارت في مناطق الهلال النفطي عن حقيقة تتعلق بالطبيعة الجغرافية التحتية الخاصة بقطاع النفط في ليبيا، فصناعة النفط في ليبيا تنقسم إلى ثلاثة أجزاء موزعة جغرافيًا على شرق ووسط وغرب ليبيا، فأغلب حقول النفط الخام موجودة في المنطقة الشرقية، في حين أن مصافي النفط ومعامل التكرير تتمركز في وسط ليبيا، ثم توجد أغلب موانئ التصدير في المنطقة الغربية.

الطبيعة الجغرافية للبنية التحتية للنفط تعني أنه من غير الممكن الاستفادة من قطاع النفط دون توافر التنسيق الكافي بين المناطق الثلاث

وهذه الطبيعة الجغرافية للبنية التحتية للنفط تعني أنه من غير الممكن الاستفادة من قطاع النفط دون توافر التنسيق الكافي بين المناطق الثلاث، وتأمين هذه المناطق الثلاث، ناهيك عن ضرورة فرض سيطرة مركزية من قبل الحكومة على الجوانب المختلفة من عملية إنتاج وتكرير وتصدير النفط، وهو ما يعد أمرًا في غاية الصعوبة في ظل الانقسام السياسي والسجال العسكري وضلوع ميليشيات مسلحة في إدارة القطاع النفطي من خلال السيطرة على البنية التحتية.

ويعني استمرار الانقسام السياسي والتأخر في التوصل إلى اتفاق يوقف الصراع العسكري، ويأتي بحكومة وفاق وطني قادرة على فرض سيادة مركزية على الرقعة الجغرافية الشاسعة لليبيا، وعلى المنشآت النفطية المختلفة، من شأنها أن يعيق أية آفاق للنهوض بمعدلات إنتاج القطاع النفطي ومن ثم نمو الاقتصاد الليبي ككل.

التفاعلات الدولية
في ظل الصراع السياسي بين الشرق والغرب، الذي يلقي بظلاله على واقع ليبيا السياسي والاقتصادي والعسكري، تمر ليبيا بأزمة فريدة نوعًا ما، خاص فيما يتعلق بالشق الاقتصادي، فمن ناحية أدى احتدام النزاع السياسي والعسكري بين كل من مجلس النواب في طبرق وذراعه العسكرية ممثلاً في الجيش الوطني الليبي، وبين المؤتمر الوطني العام في طرابلس وذراعه العسكرية ممثلاً في ميليشيات «فجر ليبيا» إلى دخول البلاد في مرحلة من السجال المسلح تقترب كثيرًا من النموذج التقليدي للحرب الأهلية، ومن ناحية أخرى، تضطر ليبيا كنتيجة لنظامها الاقتصادي المعتمد كليًا على إيرادات قطاع النفط للتعامل مع المجتمع الدولي، في سياق تصدير منتجها الوحيد من النفط الخام أو من مشتقاته.

وتعد هذه المفارقة أو هذا التناقض في حد ذاته أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها ليبيا بشكل عام، ولها أثر شديد السلبية على الاقتصاد الليبي ونشاطه التجاري على وجه الخصوص، فواقع النزاع المسلح في ليبيا يخلق الكثير من التهديدات الأمنية والبيئة لقطاع النفط، كما يضع الكثير من القيود على الحركة التجارية من وإلى ليبيا، وبالطبع تتقلل هذه الأخطار من الإقبال على النفط الليبي من جهة، وترفع تكاليف تصديره من خلال زيادة مصاريف الشحن والتأمين من جهة أخرى، وهو ما يجعل قطاع النفط الليبي أقل تنافسية في ظل الأحداث السياسية الجارية في الداخل الليبي، وفي الوقت نفسه لا يمكن أن تتخلى ليبيا عن إيرادات قطاع النفط، ولا تستطيع أي من الحكومتين أن تتحمل تكاليف توقف قطاع النفط أو التراجع في مستويات تصدير، خاصة في ظل التناقص المستمر في الاحتياطي النقدي المملوك لليبيا لتغطية الانخفاض في معدلات إنتاج النفط والتراجع العالمي لسعره، ومما لا شك فيه أن آثار هذه المعضلة تنعكس على مجمل التفاعلات الدولية مع قطاع النفط ومع الاقتصاد الليبي ككل.

«الميليشيات» المسلحة باتت جزءًا لا يتجزأ من الاقتصاد ومعادلات صناعة القرار السياسي داخل ليبيا

وتأتي على رأس التحديات التي تواجه التفاعلات الدولية مع قطاع النفط في ليبيا قضية أمن وسلامة السفن والحاويات التي تنقل النفط من الموانئ الليبية إلى الدول المستوردة، في ظل البيئة المضطربة عسكريًا، وغياب دور أمني فاعل للدولة وسيطرة عدد من التشكيلات المسلحة على جزء من البنية التحية لقطاع النفط، والتدخلات الإقليمية التي تتخذ طابعًا عسكريًا في بعض الأحيان، وظهور عدد من التنظيمات الإرهابية التي تنشط داخل ليبيا، من غير الممكن اعتبار أن السواحل الليبية آمنة بأي حال من الأحوال، خاصة فيما يتعلق بنقل سلعة حساسة وخطرة كالنفط، فالنتيجة الإجمالية لكل هذه العوامل كانت خلق بيئة مضطربة وغير آمنة داخل ليبيا، تتسم في المقام الأول بعدم اليقين (uncertainty)، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف نقل النفط من ليبيا، وبات يهدد الشركات الناقلة للنفط بخسارة المبالغ التي تؤمن بها على النفط المنقول، فضلاً عن تراجع شركات التأمين على النفط المنقول عن قبول التأمين على السفن المحملة بالصادرات النفطية الليبية.

د كانت نتاج هذه الوقائع هو إصدار توصية من غرف الشحن الدولية international chamber of shipping لشركات الشحن حول العالم بمحاولة تجنب المياه الإقليمية الليبية، كما قامت أسواق التأمين في عدد من العواصم الأوروبية، كلندن على سبيل المثال، بوضع ليبيا ضمن قائمة الأماكن الأكثر خطرًا high risk areas.

وقد كان لكل هذه العوامل أثر سلبي على الاقتصاد الليبي، وحاولت كل من الحكومتين اللتين تسيطران على ليبيا اللجوء لإجراءات اقتصادية كرد فعل لانخفاض سعر النفط والتهاوي في معدلات الإنتاج، فقد هددت كلتا الحكومتين بخفض الدعم على المنتجات البترولية، ولكن لم تستطع حكومة مجلس النواب بطبرق أو حكومة المؤتمر الوطني العام بطرابلس من اتخاذ هذا القرار بشكل رسمي خوفًا من الغضب الشعبي المتوقع كرد فعل لخفض الدعم، خاصة في ظل الصراع على الشرعية بين الكيانين، كما بدأت حكومة المؤتمر الوطني العام في طرابلس في دراسة منع استيراد السلع لمواجهة عجز الموازنة العامة الذي بلغ في العام ٢٠١٤ ما يقرب من ٢٠ مليار دينار، وهو ما يعادل ١٤٫٧ مليار دولار.

نمط الثورة الذي شهدته ليبيا أفضى إلى واقع سياسي يصعب السيطرة عليه، خصوصًا مع انقسام النخب وانتشار السلاح وضعف هيكل الدولة.

وكما هو متوقع دفعت هذه الظروف البنك المركزي الليبي، الذي يمول حكومتين في آن واحد، إلى السحب من احتياطي ليبيا من النقد الأجنبي، فوفقًا للبيانات الصادرة من البنك المركزي، بلغ احتياطي ليبيا من النقد الأجنبي ١٠٥ مليارات دولار العام ٢٠١٣، وقد انخفض هذا الرقم إلى ٧٠ مليار دولار في بداية العام ٢٠١٥، وهو ما يعني أن ليبيا صرفت حوالي ٤٥ مليار دولار بنهاية العام ٢٠١٥، وفي ظل حالة عدم الاستقرار السياسي، والنزاع العسكري بين الطرفين الرئيسيين، وتراجع معدلات إنتاج النقط وانخفاض سعره عالميًا، وتراجع قيمة الدينار الليبي الذي فقد ٣٥ % من قيمته أمام الدولار منذ يناير ٢٠١٥، واستنزاف الاحتياطات بوتيرة متسارعة، قد تلجأ ليبيا مضطرة إلى الاقتراض من البنوك العالمية مع منتصف العام ٢٠١٦.

وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها ليبيا، خاصة في ظل استمرار الأوضاع الاقتصادية السلبية دون آفاق واضحة للنمو أو التعافي، إلا أن الخلاف السياسي المستمر سوف يقلل من فرص ليبيا في الحصول على قروض من البنوك الدولية، وقد تتحول القروض الدولية اللازمة لإعادة إحياء الاقتصاد الليبي في الفترة المقبلة إلى إحدى أوراق الضغط على الأطراف المتصارعة لقبول اتفاق سياسي توافقي ينهي حالة الانقسام الممتدة منذ منتصف ٢٠١٤، ولكن في كل الأحوال لا تنبئ الأوضاع السياسية والاقتصادية الراهنة بتطورات إيجابية للاقتصاد الليبي.

نقلاً عن جريدة «الوسط». العدد السابع والعشرون اضغط هنا (ملف بصيغة PDF)

المزيد من بوابة الوسط