صابون حلب يستعيد مكانته

صابون منتج في مصنع في حلب في سورية في 10 فبراير 2019 (أ ف ب)

بعد توقف العمل لسنوات جراء الحرب، استأنف علي الشامي إنتاج الصابون في ورشته المتواضعة على أطراف مدينة حلب، وعادت رائحة الغار لتعبق في أنحائها وتبثّ الحياة في صناعة لطالما ارتبط اسمها بالمدينة.

رغم سكون الورش المحيطة جراء الدمار الذي لحق بها خلال سنوات النزاع في حلب، أصرّ علي أو أبو عمر على معاودة «العمل ولو بإنتاج قليل» بعد ترميم محدود لمعمله الواقع في قرية النيرب، جنوب شرق حلب، والتي لطالما كانت تعج بالمصانع والعمال، وفق «فرانس برس».

ويقول أبو عمر (44 عامًا) «لم أتوقّف عن الإنتاج طيلة سنوات الحرب ولو بكميات محدودة، رافقني الصابون من مكان إلى آخر، لكن لهذه الورشة نكهة خاصة بذكرياتها، ومنها انطلقت قبل أكثر من ثلاثين عاماً».

ويعد أبو علي الذي ورث المهنة عن والده وجده، من أوائل العائدين إلى مصانعهم، إذ أعاد فتحه في يناير، بعدما كان مقفلاً منذ العام 2012، تاريخ اندلاع المعارك في المدينة بين القوات الحكومية والفصائل المعارضة التي تقاسمت السيطرة عليها.

وتخلو الورشة التي شملت أعمال ترميمها وضع باب حديد على مدخلها وتجهيز غرفها الأساسية، من أي آلات. ولا يزال الطريق إليها يفتقد للإسفلت بينما تبدو آثار القذائف على الجدران واضحة.

ويتناوب خمسة عمّال على خلط الزيوت بإشراف أبو عمر شخصيًا، قبل طبخها على النار، ومن ثم توزيعها في قوالب على الأرض، بينما يتولى خمسة آخرون تقطيع الصابون ومن ثم توضيبه.

وكانت هذه الورشة تنتجُ قبل العام 2011 نحو 800 طن من الصابون سنوياً، وتمكّن هذا العام من استعادة نحو نصف انتاجه تقريبًا، إذ خلافا لصناعات أخرى «لا تعتمد صناعة الصابون على الماكينات... وترتكز على اليد العاملة والخلطة الناجحة وشغف الحلبيين وعشقهم لهذه المهنة».

بعد نزوحه من حلب في العام 2012، حاول أبو عمر انتاج الصابون في المدن التي قصدها، كطرطوس ثمّ دمشق، من دون أن يوفّق في الحفاظ على الجودة ذاتها. ويقول «مناخ حلب ملائم جداً للصابونة وأهل حلب يعرفون سر المهنة ويتحملون مشقة مراحل صناعة الصابون».

ويضيف بفخر بينما يمسك قطعة صابون بيده «تتميز صابونة حلب عن صابون العالم بأنها مصنوعة من زيت الزيتون بشكل خالص، على عكس الصابون الأوروبي المدعوم بالدهون الحيوانية أو الصابون الآسيوي المخلوط بزيوت نباتية ليست مشتقة من الزيتون».

معارك وركود
تأثرت هذه الصناعة التقليدية خلال المعارك التي انتهت آواخر العام 2016 بسيطرة القوات الحكومة بدعم روسي على الأحياء الشرقية، بعد سنوات من القصف والحصار واجلاء آلاف المدنيين ومقاتلي المعارضة منها.

ويقول الرجل الأربعيني «واجهنا (...) الخطر ودمار المنشآت وانقطاع زيت الزيتون عنّا». ورغم عودة الاستقرار إلى حلب، لا تزال هذه الصناعة تعاني جراء «نقص اليد العاملة والحاجة إلى المواد الأولية وهجرة الكفاءات في هذه الصنعة إلى الخارج».
ولا يزال عشرات مصنعي الصابون ينتظرون استكمال عمليات ترميم وتجهيز معاملهم قبل إعادة فتحها على غرار هشام الجبيلي.

عايشت ورشة «الجبيلي» الواقعة داخل سور حلب القديمة، أجيالاً عدة فاقترنت باسم العائلة طوال عقود ويعود تاريخ تأسيسها إلى القرن الثامن عشر.

ويُعدّ معمل الجبيلي المؤلف من ثلاث طبقات تمتد مساحتها على حوالى تسعة آلاف متر مربع، أكبر ورشة قديمة في حلب. لكن الحرب أرغمت صاحبها الخمسيني على إغلاق أبوابها في العام 2012.

ولا يزال المعمل الذي تكثر فيه القناطر المكسوّة بالحجر، صامداً رغم تصدّع بعض أعمدة السقوف الخشبية وتعرّض أجزاء منه للاحتراق وسرقة بعض محتوياتها.

قبل اندلاع النزاع، كانت مدينة حلب ومحيطها تضم حوالى مئة ورشة لصناعة صابون الغار، ويبلغ انتاجها ثلاثين ألف طن تقريبا وفق لجنة صناعة صابون الغار التي يرئسها الجبيلي. لكن كثيرين من مصنّعي الصابون الحلبي انتقلوا إلى دمشق أو حمص أو طرطوس، فيما هاجر آخرون إلى تركيا، وفق الجبيلي.

وتراجع الانتاج خلال سنوات النزاع إلى ما دون الألف طن. أما اليوم فبدأت صناعة الصابون تستعيد عافيتها مع إنتاج قرابة العشرة آلاف طن، حسب «فرانس برس».

ويعتبر الجبيلي أن الصابون «ثروة قومية للشعب السوري، فكما تصدّر السعودية النفط وسويسرا الشوكولا وألمانيا السيارات، تصدّر حلب للعالم صابون الغار».

ويقول «من هذه الورشة وغيرها، كانت رائحة الغار تملأ حلب» مضيفًا «ما من أحد يزور المدينة من دون أن يشتري من صابونها».

المزيد من بوابة الوسط