حكايات من الزمن الجميل (2): سليمان منينة يتحدث عن صاحب (الليلة الكبيرة)

في الحلقة السابقة تناولت ذكريات صديقنا سُليْمان منينة مع ساحر الكلمة المغناه الشاعر أحمد رامي واليوم أتناول فِي هذه الحلقة شخصيّة تعرف سُليْمان منينة عليها وربطتهما علاقة صداقة وودّ صافٍ لسنوات طويلة. شخصيّة عُرفت ألحانها بالسهل الممتنع، ويحسب لها أنها «طورت الألحان الشعبيّة وجعلتها بنظرتها الثقافيّة لجميع الطبقات وأيْضًا الأذان»، وهذا مَا أكده وجيه ندى المُؤرخ والباحث فِي التراث الفني. إنّه سيّد مكاوي (1927م – 1997م) المطرب والمُلحن وصاحب المدرسة الفنيّة الكبيرة. صاحب عشرات الألحان لكبار المطربين والمطربات المصريين والعرب.

كان سفير ليبيا في سنوات وجوده في مصر، الدبلوماسي القدير المرحوم عبدالسلام بسيكري (1902م – أكتوبر 1970م) الذي تربطه به علاقة عائلية (ابن عمته)، وكان رحمه الله يدعوه إلى جميع حفلاته واستقبالاته ومآدبه؛ حيث إنه لم يرزق بولد، وكان سليمان يقوم بمقام ابنه ومن خلاله أيضا حضر مجالس جمعت الكثير من الساسة والأدباء والمشاهير. كان سعادة السفير وأحمد رامي وصالح جودت، الثلاثي الذي اهتم بدراسة سليمان ومتابعة نتائجه الدراسية، وكان هو مهتما بدراسته وحريصا ألا تتزعزع ثقة هؤلاء فيه ولو للحظة واحدة، كما كان مستمتعا بحياته وقد حضر سهرات وأمسيات ومجالس لا تنسى وغاية في المتعة والاستفادة، وما زال يتذكرها ويعتبرها المخزون الأهم من ذاكرته وذكرياته، ويقول إن الحديث عنها ما زال يخرجه، وإلى يومنا هذا، من هموم واقعنا البائس وخيبات الأمل التي تحاصرنا من كل مكان.

أتناول في هذه المقالة شخصية تعرف سليمان منينة عليها وربطتهما علاقة صداقة وود صاف لسنوات طويلة. شخصية عرفت ألحانها بالسهل الممتنع، ويحسب لها أنها «طورت الألحان الشعبية وجعلتها بنظرتها الثقافية لجميع الطبقات وأيضا الأذان».

مضى الآن حوالي نصف قرن على تلك الجلسات والحوادث، وقد انتقل أبطال هذه الحكايات إلى رحمة الله ودخل سليمان في مرحلة الشيخوخة. يقول سليمان: «.. الحمد لله كثيرا على ما حباني به من معارف وصداقات وما من به على من نعم كثيرة، واتذرع إلى المولي عز وجل بالدعاء بأن يمن على تلك الشخصيات الرائعة بالمغفرة والرحمة وأترحم على أولئك الأشخاص الذين كانوا ورائي لتحقيق الهدف الرئيسي من إقامتي في القاهرة ألا وهو الدراسة، وأولئك الذين فتحوا أمامي أبواب أخرى للمعرفة والتعلم والخبرة في الحياة».

أخيرا أتناول في هذه المقالة شخصية تعرف سليمان منينة عليها وربطتهما علاقة صداقة وود صاف لسنوات طويلة. شخصية عرفت ألحانها بالسهل الممتنع، ويحسب لها أنها «طورت الألحان الشعبية وجعلتها بنظرتها الثقافية لجميع الطبقات وأيضا الأذان»، وهذا ما أكده وجيه ندى المؤرخ والباحث في التراث الفني. إنه سيد مكاوي (1927م – 21 أبريل / 1997م) المطرب والملحن وصاحب المدرسة الفنية الكبيرة. صاحب عشرات الألحان لكبار المطربين والمطربات المصريين والعرب. والذي غنى: الأرض بتتكلم عربي. أسماء الله الحسنى. اصحى يا نايم. يا حلاوة الدنيا. حلوين من يومنا. حبيبي يسعد أوقاته. حبيبي اللي بحبه. وغير ذلك كثير. صاحب أوبريت (الليلة الكبيرة) التي كتبها صلاح جاهين، وصاحب لحن (يا مسهرني) الذي تغنت به أم كلثوم سنة 1972م، والكلمات كانت لشاعر الشباب العبقري أحمد رامي. ويذكر أن كوكب الشرق السيدة أم كلثوم كانت قد قدمت سيد مكاوي للجمهور ليلة أن غنت (يا مسهرني) للمرة الثانية على مسرح سينما: (قصر النيل) يوم 4 مايو / 1972م، وهذه لفتة غير مسبوقة لأم كلثوم حيث لم يسبق لها أن قدمت ملحنا للجمهور.

انطلقت شهرة سيد مكاوي الواسعة مع بعض الألحان التي قدمها لبعض الفنانين، فكثير من النقاد يرون أن شهرته الحقيقية بدأت من خلال لحن أغنية: (مبروك عليك يا معجباني يا غالي) للفنانة شريفة فاضل، ثم لحن أغنية: (اسأل مرة عليا) للفنان محمد عبدالمطلب، كذلك أغنية: (أنا هنا يا ابن الحلال) للفنانة صباح التي غنتها لأول مرة في فيلم: (العتبة الخضراء) الذي تم إنتاجه سنة 1959م.

وختاما ليس الهدف من هذه المقالة ذكر كل شيء عن سيد مكاوي أو الإحاطة الكاملة بشخصه وأعماله، فلا هذا ما قصده سليمان منينة ولا الذي قصدته أنا، إنما القصد التذكير به وبقامات أثرت حياتنا الثقافية والفنية، لتكون منارة للأجيال المقبلة، وعرض بعض الحكايات والمواقف والجوانب الإنسانية والطرائف التي رواها سليمان وعرفها عنه والتي ربما لم تتح لغيره معرفتها.

سيد مكاوي.. من هو؟
هو العبقرية الخالدة في عالم الموسيقى. سيد مكاوي الذي حرم من نعمة البصر، ولكنه وهب نعمه البصيرة. حفظ القرآن الكريم، وتعلم فن الإنشاد الديني، ثم اتجه إلى الموسيقى فتعلمها بإتقان باهر دون أن يدخل معهد موسيقى. حفظ الأدوار والموشحات وما لا يتصوره عقل من ألحان وأشعار. حفظ أمهات القصائد التي جادت بها قريحة فحول الشعراء العرب كذلك كل ما قيل في مصر من أدوار وموشحات من بداية القرن العشرين، خاصة للفنان سيد درويش الذي يعتبر أبوالتجديد في الموسيقى العربية. والشيخ زكريا أحمد، خير من حافظ على الطابع الشرقي في موسيقاه. وآخرون مثل: محمد القصبجي وداود حسني.

رسم مكاوي خفة ظله على أوتاره الموسيقية، فأصبحت ألحانه راسخة أو عالقة في الأذهان على مر الأيام والسنين. وحينما التقى مع الشاعر صلاح جاهين صديقه ورفيق دربه، قدما معا أنجح ثنائي فني، وكان عملهما: «أوبريت الليلة الكبيرة».

هو امتداد للراحل العظيم سيد درويش. وأحد عمالقة الموسيقى العربية وهرم من أهراماتها، ألحانه من نوع السهل الممتنع أو كما أصفها بأن مكاوي رسم خفة ظله على أوتاره الموسيقية، فأصبحت ألحانه راسخة أو عالقة في الأذهان على مر الأيام والسنين. وحينما التقى مع الشاعر صلاح جاهين صديقه ورفيق دربه، قدما معا أنجح ثنائي فني، وكان عملهما: (أوبريت الليلة الكبيرة)، من أنجح الأعمال، ويعد هذا العمل الأشهر في تاريخ الفن المصري والعربي. وتوج سيد مكاوي تألقه بعدما غنت له كوكب الشرق أم كلثوم: (يا مسهرني)، والتي كانت ستغني له أيضا (أوقاتي بتحلو) ولكنها رحلت فغنتها وردة الجزائرية. قال عنه وجيه ندى المؤرخ والباحث في التراث الفني: «موسيقار ومطرب استمد ثقافته الفنية من التراث الموسيقي العربي والأوبرالي. ألحانه راقية وعذبة، لا يوجد فيها تلك الضوضاء، وليست من الألحان الصعبة والضخمة، بل السهلة والسلسة سهولة أغاني الأطفال.

وأعتقد أن هنا تكمن واحدة من عبقرياته. الألحان السهلة أحس أنها أصعب، وأقرب إلى القلب. وأغلب ألحانه من مقامات شرقية بحتة مثل الراست والسيكا التي كان يكثر منها؛ ولذلك صبغت ألحانه بصبغة شرقية أصيلة. أثرى المكتبة الموسيقية بالألحان لكبار المطربين والمـطربات المصريين والعـرب. واختير عضوا في لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية».

وأخيرا وضع سيد مكاوي المقدمة الموسيقية للكثير من المسلسلات الإذاعية، وكانت هناك محطتان هامتان في أعماله الإذاعية، الأولى مع أشعار صلاح جاهين (1930م – 21 أبريل 1986م)، والثانية مع الديوان الكامل للشاعر فؤاد حداد (1928م – 1 نوفمبر 1985م). وجاء عن هاتين المحطتين في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) ما يلي: «يجدر التوقف عند تلك المحطتين الهامتين في حياته نظرا للأهمية الشديدة لهما، وكان يجب أن يدرسوا في المعاهد الموسيقية لاحتوائهما على الكثير من بديع موسيقانا الشرقية. الأولى: (الرباعيات) التي قدمها في برنامج في حلقات يومية من خلال إذاعة: (صوت العرب) في نهاية الستينات، شعر صلاح جاهين، وإخراج أنور عبدالعزيز، وقد حققت شهرة واسعة وشيوعا كبيرا مما حدا بالمطرب علي الحجار إلى استئذان سيد مكاوي في إعادة تقديمها، وقد وافق سيد مكاوي وتم إعادة تسجيلها بصوت علي الحجار. المحطة الثانية: برنامج من ثلاثين حلقة: (نور الخيال وصنع الأجيال)، قدمه من خلال: (إذاعة البرنامج العام)، في شهر رمضان العام 1968م، شعر فؤاد حداد، وإخراج فتح الله الصفتي. وصف الشاعر القاهرة العظيمة وما مر بها من أحداث عبر التاريخ، وقام سيد مكاوي بتلحين الأشعار وقدمها في شكل الشاعر الراوي، وقدم خلال الثلاثين حلقة الكثير من الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والتي شاركته في الغناء. كانت لهذا البرنامج المقدمة الغنائية الشهيرة (أول كلامي سلام)، وكانت أغنية: (الأرض بتتكلم عربي) من أشهر أغاني سيد في هذا البرنامج، ويعتبر هذا العمل عملا ملحميا مليئا بالتراكيب اللحنية الشيقة والمعقدة والمركبة، ومرجعا هاما لكافة الملحنين الجدد للاستفادة منة في كيفية التسلسل اللحني وحسن النقلات الغنائية».

وختاما نال سيد مكاوي وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى في مصر. ووسام صدام للفنون من الدرجة الأولى في العراق. ونال في بلاده أيضا شهادات تقدير من جهات فنية كثيرة، كالإذاعة المصرية وإذاعة الإسكندرية وشهادات خاصة في مناسبات وأعياد مختلفة كعيد الطفل وعيد المسرح.

ولد سيد مكاوي يوم 8 مايو 1927م، وانتقل إلى رحمة ربه يوم 21 أبريل 1997م. كان فنانا عبقريا ورائعا بكل المقاييس. وإنسانا نبيلا قلما يجود الزمان بمثله.
قال سيد في أغنيته: (حبيبي اللي بحبه): «أنا أول مرة شفته كان راضي زمانا عنا. فرد بالحب إيده وأخدنا من مكانا. سبنا الدنيا وما فيها وعملنا لروحنا جنه. مرت بينا الساعات. وكلامنا كان سكات. تهنا ونسينا روحنا والوقت علينا فات». رحم الله سيد مكاوي بقدر ما أحبه الناس. وبقدر ما كان هو يحبهم.

حينما زار سيد مكاوي طرابلس في فبراير 1971م، وأحيا حفلا غنائيا هناك، كان سليمان وقتها مقيما بطرابلس، وكان سيد يمر على سليمان يوميا وطيلة الأيام التي قضاها في طرابلس. وقد أخبرني سليمان بأن مجيئه لطرابلس تصادف مع بداية تسلمه لكلمات أغنية: «يا مسهرني» التي صاغها أحمد رامي، وأنه، أي مكاوي، أنجز كوبليها أو جزءا من هذا اللحن الجميل في بيته.

كيف تعرف سليمان على سيد مكاوي؟
تعرف سليمان على الشيخ سيد مكاوي عن طريق الشاعر الرائع أحمد رامي، وفي ذات يوم كان سليمان في بيت الشاعر الكبير صالح جودت فإذ برامي يأتي ومعه مكاوي، فتعرف الاثنان وتولدت بينهما صداقة ومودة كبيرة. التقى به مرات كثيرة في مقاهي القاهرة العامرة وأحيانا في بيت صالح جودت أو بيت أحمد رامي، وظلا على اتصال وتواصل إلى أن فارق سيد مكاوي الحياة في 21 أبريل 1997م.

وحينما زار سيد مكاوي طرابلس في فبراير 1971م، وأحيا حفلا غنائيا هناك، كان سليمان وقتها مقيما بطرابلس، وكان سيد يمر على سليمان يوميا وطيلة الأيام التي قضاها في طرابلس، في شقته بل يقضي عنده معظم أوقاته، وقد أخبرني سليمان بأن مجيئه لطرابلس تصادف مع بداية تسلمه لكلمات أغنية: (يا مسهرني) التي صاغها أحمد رامي، وأنه، أي مكاوي، قد أنجز كوبليها أو جزءا من هذا اللحن الجميل في بيته، ويذكر أن هذا العمل استغرق إنجازه أكثر من سنة حيث صدر في العام 1972م. وفي العام 1976م، زار سيد مكاوي بنغازي بدعوة رسمية وأحيا حفلة غنائية كبيرة، وكان سليمان بصحبته طيلة أيام تلك الزيارة، وأقام له سهرات خاصة تليق بمقامه وقيمته ومكانته، وقد جمعت تلك الجلسات عددا من وجهاء مدينة بنغازي والمهتمين بالشعر والفن. أخيرا أصبح سليمان صديقا لمكاوي منذ أن التقاه في بيت صالح جودت، يزور مكاوي في بيته أو يتصل به تليفونيا للاطمئنان عليه، حتى غدت زوجته وبناته ينظرون إليه كجزء من عائلتهم. رحم الله الشيخ الموسيقار سيد مكاوي الذي أحب كل الناس وكان كريما مع كل من عرفه. واللهم اجعل ما أنجزه من تواشيح وأعمال فنية دينية وأهمها: (أسماء الله الحسنى) في ميزان حسناته، واجعل الجنة مستقره ومثواه.

سليمان يروي ذكرياته مع سيد مكاوي
سليمان منينة يعود إلى ذكريات وحكايات لأشخاص من الزمن الجميل. يروي ما عرفه وأشياء أخرى لم يسبق ذكرها من قبل أو لم تقل على النحو الذي ذكره. نعيد نشر حكاياته عن سيد مكاوي كما رواها هو بنفسه والذي أكد مرارا أنه لن يستطيع، ومهما كتب، أن يوفيه حقه، صاحب الموهبة الفريدة من نوعها والكريم الودود المحب لكل الناس، والشخصية صاحبة الذكاء الخارق والذاكرة الحديدية التي تحفظ كل تلك الأعمال كلاما ولحنا. والذي حفظ القرآن الكريم، وحفظ تقريبا كل ما قيل في مصر من أدوار وموشحات من بداية القرن العشرين، والذي كان يكفيه أن يستمع مرة واحدة لشيء يحبه فيحفظه.

من الذكريات التي لا تفارق خيالي سهرة قضيتها في منزله، رحمه الله، يوم 12 مايو 1973م بمناسبة ولادة ابنته الثانية أميرة ... أصر على الشيخ سيد تأجيل سفري إلى ليبيا وذلك لحضور الحفل، وقال لي: «يا سليمان سترى شيئا لم تره في حياتك من قبل. وستكون سهرة العمر». وقد كانت فعلا شيئا نادر حدوثه كما قال الشيخ سيد.

الحكاية الأولى:
ليلة لا تنسى: ذكريات كثيرة جمعتني بالموسيقار الشيخ سيد مكاوي. ومن الذكريات التي لا تفارق خيالي سهرة قضيتها في منزله، رحمه الله، يوم 12 مايو 1973م بمناسبة ولادة ابنته الثانية أميرة. كان مكاوي من أعز أصدقائي وقد ربطتني به وبأسرته علاقة حميمة، وإذا أردت أن أكتب عنه فإن ذلك سيستغرق الكثير من الوقت والورق، فهو أمة كاملة من الموهبة والذكاء والتواضع والود والكرم، وخفة الظل التي لا يمكن وصفها. والمهم، أصر على الشيخ سيد تأجيل سفري إلى ليبيا وذلك لحضور الحفل الذي سيقيمه في بيته بمناسبة قدوم أميرة، وقال لي: «يا سليمان سترى شيئا لم تره في حياتك من قبل. وستكون سهرة العمر». أجلت سفري كما طلب مني الشيخ وجئت إلى بيته يوم الحفل بصحبة الشاعر الكبير صالح جودت، رحمه الله، وقد اعتذر الأستاذ أحمد رامي عن عدم الحضور لمرضه. وبدأ الضيوف في الوصول وكان من أبرزهم أربعة مكفوفين هم: الشيخ محمد الفيومي القارئ والمنشد المشهور، وكان في الثمانينات من عمره ولا أسنان له، وعلى الرغم من ذلك، وعند غنائه، كانت مخارج الحروف عنده صحيحة وسليمة، كما كان خفيف الظل ولاذع التعليق وابن نكتة كما يقولون، وطريقة إلقائه للنكت كانت جميلة ومختلفة، وقد أضاف وجوده للمكان بهجة وسرورا. والثاني هو الموسيقار مرسى الحريري وزوجته إحسان وهي أيضا كفيفة وعازفة رق ممتازة. والرابع هو الشيخ حنفي أحد أفراد بطانة الشيخ الفيومي، وطبعا المكفوف الأكبر كان الشيخ سيد مكاوي الذي لا أحد يضاهيه في خفة الدم وسرعة بديهته. وبالإضافة إلى الخمسة مكفوفين، حضر كل من: الموسيقار عبدالعظيم عبدالحق والفنانة سعاد محمد والمطرب فهد بلان والفنان صفوان بهلوان والكوميديان أمين الهنيدي، ومجموعة من خيرة العازفين منهم: سيد سالم عازف الناي في فرقة أم كلثوم، والأخوان أمين وسعيد فهمي وهما هاويان، أحدهما يعزف قانون والثاني كمان، وكلاهما له موهبة وقدرة فائقة.

كانت السهرة جميلة جدا وليلة من ليالي العمر، ومليئة بالطرب والعزف والضحك، وقد غنى فيها جميع من ذكرت من المطربين. وأبرزها (الليالي) بين الشيخ محمد الفيومي ومرسي الحريري، والإنشاد الديني للشيخ الفيومي ثم غنائه لعبدالوهاب ثم بعض الأغاني الهزلية منها: (لابس جبة وقفطان. وعامللى بتاع نسوان)، وسط زغاريد والدة الشيخ سيد. كذلك غنت الفنانة القديرة سعاد محمد بإبداع وإحساس عال جدا. كانت مفاجأة تلك الليلة غناء السيدة إحسان زوجة الفنان مرسي الحريري بمصاحبة ناي سيد سالم وعود زوجها وعزفها هي على الرق. وكانت خاتمة تلك الليلة الرائعة، ما يسمونه في مصر بـ(القافية) وهي قفشات أو تعليقات متبادلة بين اثنين أو أكثر من الحاضرين، وكانت المبارزة على أشدها بين سيد سالم والشيخ حنفي، بينما غرق الحاضرون في الانبساط والضحك. استمرت تلك السهرة إلى ساعات الصباح الأولى، ولازلت احتفظ بتسجيل كامل لها، وقد كانت فعلا شيئا نادر حدوثه كما قال الشيخ سيد: «حتشوف حاجة عمرك ما شفتها!». رحمهم الله جميعا.

سألته يوما عن قصيدة (زهر الربيع) التي غنتها أم كلثوم سنة 1945م، وهي من كلمات محمد الأسمر وألحان الشيخ زكريا أحمد ... لم يرد سيد مكاوي على سؤالي إنما أخذ العود وسجلها لي كاملة. العجيب أن هذه القصيدة، ووقتما سألته، لا يكاد يوجد لها تسجيل وأن أم كلثوم أدتها مرة واحدة فقط!

الحكاية الثانية:
لقد أسعدني الحظ بمعرفة الشيخ سيد مكاوي وتولدت بيننا صداقة ومودة أخوية حميمة. وقد سبق لي أن كتبت عنه في صفحتي في فيسبوك عدة مرات، لكنني أعود فأقول إنني مهما كتبت عنه فلن أستطيع أن أوفيه حقه، أحببته كفنان وصاحب مدرسة فنية وبعدما عرفته وتولدت بيننا صداقة حميمة وجدت فيه خصال نادرة حميدة قلما تجدها عند غيره. يلاحظ من عرف سيد مكاوي صفة تختلف عن بقية الموسيقيين. فهو لا ينفرد بأداء أعماله الخاصة فقط كما يفعل الآخرون. ولكنه في كل جلسة تجده يؤدي أعمال من يعتبرهم أساتذته ورواده، ومن أهم هؤلاء: سيد درويش وزكريا أحمد. ويعجب كل من عرفه بما يسمعه منه من حفظ لأعمال عظيمة وكثيرة كلاما ولحنا، وهو الكفيف الذي حرم نعمة البصر والقراءة. أحد الغرائب التي أذكرها، يوم أن سألته عن قصيدة (زهر الربيع) التي غنتها أم كلثوم سنة 1945م، وهي من كلمات محمد الأسمر وألحان الشيخ زكريا أحمد، وقدمتها بمناسبة الاحتفال بتوقيع ميثاق الجامعة العربية. لم يرد سيد مكاوي على سؤالي إنما أخذ العود وسجلها لي كاملة. والعجيب أن هذه القصيدة، ووقتما سألته، لا يكاد يوجد لها تسجيل وأن أم كلثوم أدتها مرة واحدة فقط!

ومن خلال استماعي لتسجيلات مر عليها أكثر من أربعين عاما، لسهرات وجلسات خاصة كانت لي مع هذا الفنان العظيم، ولازلت أحافظ عليها ولا أفرط في شيء منها. وجدت ما قد يعتبره المهتمون بأمور الموسيقى العربية كنزا عظيما. حيث إنه قد خصني، رحمه الله، بتسجيل مجموعة من الأدوار الخالدة على العود، منها دور: (أنا هويت)، ودور: (أنا عشقت)، ودور: (ضيعت مستقبل حياتي)، والأدوار الثلاثة للفنان الخالد سيد درويش (1892م – 10 سبتمبر 1923م) المجدد الموسيقي وباعث النهضة الموسيقية في مصر والوطن العربي على الرغم من عمره القصير؛ إذ إنه لم يعش إلا واحدا وثلاثين عاما. ثم أدوار: (ياللي تشكي م الهوى)، (مسير عقلك)، (إمتى الهوى)، (الفؤاد ليله نهاره)، لشيخ الملحنين زكريا أحمد (1896م – 14 فبراير 1961م). ثم دور: (كل ما يزداد رضى قلبك عليا) للمغني والموسيقار داود حسني (1870م – 10 ديسمبر 1937م). بالإضافة إلى أعمال أخرى كثيرة لسيد درويش وزكريا أحمد إلى جانب أعماله الخاصة الرائعة ومنها ما قد لا يعرفه الكثيرون. وللأسف الشديد بعض من أبناء الجيل الحالي لا يهتم بماضيه ولا يعلم أنه دون ماض لا تصنع حاضرا ويتعذر عليك النفاذ إلى المستقبل. ويعتبرون اقتناء مثل هذه الأشياء تخزينا واحتفاظا بأشياء تجاوزها الزمن، بل يعتبرون الحديث عن هذا الزمن نوعا من التخريف. ولكنني أؤمن بأن من ليس له ماض ليس له حاضر ولا مستقبل، وأعتز برأي أصدقائي وعدد من المهتمين الذين يقدرون تراثنا الجميل وتاريخنا العظيم، ويعتبرون ما امتلكه من حكايات وما أقتنيه من تسجيلات نادرة كنز ثمين، ثمنه لا يقدر بمال.

 خلال زيارته بنغازي في سنة 1976م أحيا سيد مكاوي سهرة خاصة وأستمع إلى بعض الألحان الليبية من صديقنا عازف الأكورديون المبدع الراحل سليمان بن زبلح (1933م – 18 نوفمبر 2013م) وأعجب بها كثيرا.

الحكاية الثالثة:
الموسيقار والشيخ سيد مكاوي. متعدد المواهب، وقيمة وقامة فنية كبيرة جدا. أمة بحالها. شخصية رائعة من الله على بالتعرف عليها ومعرفتها عن قرب. ومنذ أن ألتقيته لأول مرة في بيت صالح جودت، لم ينقطع تواصلي معه إلى أن فارق الحياة بعد صراع مع مرض الربو الذي أثر على صوته وجهاز التنفس عنده، وتوفي يوم 21 أبريل 1997م وقد كنت طيلة فترة مرضه على اتصال دائم به. وفي أول زيارة لي للقاهرة بعد وفاته، زرت أسرته وتأثرت كثيرا للفراغ الذي تركه لهم بل لأصدقائه والأسرة الفنية في مصر والوطن العربي، واستمرت علاقتي بأسرته من بعده. جاء مكاوي إلى طرابلس في فبراير 1971م وكنت مقيما وقتئذ بطرابلس، وأحيا لنا حفلة خاصة في بيتي مع بعض الأصدقاء، ثم جاء إلى بنغازي في سنة 1976م أيضا، وأحيا لنا سهرة خاصة وأستمع إلى بعض الألحان الليبية من صديقنا عازف الأكورديون المبدع الراحل سليمان بن زبلح (1933م – 18 نوفمبر 2013م)، وأعجب بها كثيرا.

يحتار الإنسان في وصف سيد مكاوي. هو تماما كما قلت أمة بحالها. ذكاء خارق. موهبة عظيمة. وصل إلى ما وصل إليه من شهرة دون أن يدخل مدرسة أو معهدا. حفظ القرآن وهو طفل صغير بعد أن فقد بصره وهو في حوالى الرابعة من عمره، وعمل كمنشد ثم شق طريقه بموهبته وتعلم الموسيقى وبدأ التلحين ودخل عالم الإذاعة ولحن مئات الألحان للمطربين والإعلانات والمسلسلات. وصل إلى أعلى الهرم حينما لحن لسيدة الغناء أم كلثوم. أحب كل الناس فأحبه الجميع دون استثناء. وكان حبه الأكبر لسيد درويش وزكريا أحمد فكان يعتبر درويش قمة عالية من قمم الموسيقى العربية، ويتفق تماما مع من يضعون تراثه مع كنوز التراث العربي كالموشحات والقصائد والأدبيات الكبرى مثل: ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة والبخلاء، ورحلات ابن بطوطة وكتب الفارابي وابن سينا والخوارزمي وابن خلدون وغير ذلك من الأعمال الخالدة من تراثنا. ويعتبر زكريا أحمد أحد صناع التراث الموسيقى وواحدا من أهم عمالقة الموسيقى العربية، وشيخ الملحنين المصريين في العصر الحديث. وكان سيد مكاوي يغني في سهراته ولياليه لدرويش وزكريا أكثر مما يغني لنفسه من أغان وألحان. وفي جانب ثان كان مكاوي معروفا بروحه المرحة وسرعة بديهته، وطالما أنت معه لا يكف عن المداعبة والنكت والضحكة من القلب. وقد ترجم ذلك في بعض ألحانه، لدرجة إنه لحن ما يعرف في مصر بـ(القافية).

وكان كريما واقترن اسمه بين أصدقائه بالجود والكرم والسخاء. وكان يوزع أحيانا ما يحصل عليه من أجر على الموسيقيين والعاملين في الاستوديو. وربما يكون ذلك أيضا ذكاء منه لكي يساعدوه فيما لا يستطيع هو أداؤه نظرا لأنه كفيف.

وكان صاحب ذكاء خارق أو ما يسميه هو إحساس من عند الله، ولن أنسى أنه خلال زيارة لي مع أسرتي للقاهرة، وكنا مدعوين عنده للعشاء. استقبلنا هو وزوجته زينات وابنتاه إيناس وأميرة. كانت أول مرة يقابل أسرتي. وما أن سلموا عليه وعند سلام إحدى بناتي عليه قال لي: يا سليمان بنتك دي أكثر وحدة شبهك في أولادك. صعقت أنا لهذه الملاحظة، وقلت له: كيف عرفت؟!. قال على الفور، وببساطة شديدة: «إحساس من عند الله».
وأخيرا سجل لي سيد مكاوي الكثير من أعماله، ومن أعمال سيد درويش وزكريا أحمد. وهي من الأشياء التي أعتز بها ولها ركن خاص في مكتبتي الموسيقية الزاخرة بالأعمال التراثية الخالدة لكبار الفنانين. وأن ما يدور بخاطري كثير جدا عن الشيخ سيد مكاوي الأخ العزيز والصديق الودود والفنان العظيم وقد لا يتسع المقام لذكر كل ما أريد سرده. ولا أملك في الختام إلا أن أدعو المولى عز وجل له بالرحمة والغفران بقدر المحبة المتبادلة بيننا وبقدر حبه لتراب مصر الذي غنى له من كل وجدانه، وبجاه أسماء الله الحسنى التي كانت أحد أجمل أعماله حين أنشدها وبإخراج غاية في الروعة والجمال.

لقد أعجبني ذلك التشبيه الرائع من الشيخ سيد عن ألحان السنباطي. وزاد إعجابي به لأنه أتى من إنسان كفيف لا يعرف الموتورات ولا أنواع السيارات. لكن هي قدرة الله وإلهام منه.

الحكاية الرابعة:
كان الموسيقار رياض السنباطي (1906م – 10 سبتمبر 1981 م) عبقريا، وإحدى القمم الموسيقية في عالمنا العربي على مدى نصف قرن، وما زالت ألحانه تطرب السامعين وتدغدغ مشاعرهم. عرف عنه أنه أكثر الملحنين أعمالا لسيدة الغناء العربي أم كلثوم، وقد أنتج ألحانا كثيرة لمطربين غيرها، غير أن ألحانه لأم كلثوم هي التي لاقت صدى كبيرا وانتشارا واسعا، وقد أبديت هذه الملاحظة البارزة لصديقي العزيز المرحوم الموسيقار سيد مكاوي، فكان رده كالآتي: «ألحان السنباطي زي موتور الرولز رويس. لا يمكن تركيبه على سيارة فيات!».

لقد أعجبني هذا التشبيه الرائع من الشيخ سيد. وزاد إعجابي به لأنه أتى من إنسان كفيف لا يعرف الموتورات ولا أنواع السيارات. لكن هي قدرة الله وإلهام منه. وصدق جل وعلا عندما قال: إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.

رحم الله ذلك الجيل من القمم الذين خلفوا لنا تراثا نعتز به على مدى السنين.

________________________
مصادر ومراجع:
1) الأستاذ سليمان منينة - كتابات عن: (سيد مكاوي) - صفحة سليمان منينة الخاصة في فيسبوك الموجودة تحت اسم: (Suleiman Mneina).
2) الأستاذ وجيه ندى – مقالة: (سيد مكاوي حبيب الملايين) – موقع: (دنيا الوطن) تاريخ النشر 17 مايو 2015م.
3) الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) – سيد مكاوي، موقع (ويكيبيديا) في شبكة النت الدولية.

 

المزيد من بوابة الوسط