ويتمارش: تاريخ الالحاد أقدم من عصر التنوير

يتناول كتاب «محاربة الآلهة» Battling the Gods للباحث البريطاني تيموثي ويتمارش استاذ الثقافة اليونانية في جامعة كامبردج،سلسلة من الأمثلة التي تبين ان الالحاد كان موجودا في اليونان القديمة التي كانت تعبد آلهة متعددة، ويصف الكاتب ما يقدمه من أدلة بأنه محاولة لانتشال الالحاد القديم من تحت الأنقاض التي أُهيلت عليه بتأثير آلاف السنين من التنديد المسيحي.

وبحسب البروفيسور ويتمارش فان الالحاد ليس وليد التنوير الغربي بل يعود في الحقيقة الى العالم القديم طاعنا بالافتراض القائل ان البشرية ميالة بطبيعتها الى الايمان بآلهة.

ويرى الأكاديمي البريطاني ان الاتجاه المتعاظم نحو النظر الى الدين على انه "مبرمَج" في عقول البشر اتجاه يبعث على القلق البالغ،فيقول «أنا أُحاول تقويض الفكرة التي يبدو انها تترسخ طول الوقت ، بأن هناك نزعة متجذرة في البشر تدفعهم الى الايمان بالاديان»،وفقاً لموقع إيلاف.

ويطعن كتاب ويتمارش بالرأي القائل ان الالحاد اختراع حديث كان نتاج التنوير الاوروبي ونمط تفكير ما كان ليمكن تصوره من دون الفكرتين التوأمين للدولة العلمانية والعلم بوصفهما غريما الحقيقة الدينية ، بل انها خرافة رعاها طرفا المناظرة حول الالحاد الجديد.

ويريد المتمسكون بها ان يصوروا التشكيك في ما فوق الطبيعة على انه نتيجة تراجع الدين أمام العلم، فيما يريد المتدينون ان يصوروا هذا الشك على انه من الأعراض المرضية لعالم غربي منحط التهمته الرأسمالية ، كما يكتب ويتمارش. وكلاهما مدانان بتهمة الاستعلاء الحداثوي.

يطعن كتاب ويتمارش بالرأي القائل ان الالحاد اختراع حديث كان نتاج التنوير الاوروبي

فان عدم الايمان بما فوق الطبيعي غابر القدم والجهل المطبق بتقليد الحضارات القديمة وحده الذي يدفع البعض الى الاعتقاد بأن اوروبيي القرن الثامن عشر كانوا أول من حارب الآلهة ، كما يكتب ويتمارش.

«فنحن نميل الى ان نرى الالحاد فكرة لم تظهر إلا مؤخرا في مجتمعات غربية علمانية. والخطاب المستخدم لوصف الالحاد خطاب في منتهى الحداثة. وفي الحقيقة ان المجتمعات البدائية كانت أقدر بكثير من العديد من المجتمعات الأخرى على احتواء الالحاد في نطاق ما كان اعتياديا بنظرها».

«وبدلا من اطلاق أحكام تقوم على العقل العلمي كان الملاحدة الأوائل يثيرون ما بدا انها اعتراضات كونية على طبيعة الدين المتناقضة ـ حقيقة انه يطلب منك ان تقبل بأشياء ليست موجودة حدسيا في عالمك. وتشير حقيقة ان هذا كان يحدث قبل آلاف السنين الى ان اشكالا من عدم الايمان يمكن ان توجد في كل الثقافات بل كانت على الأرجح دائما موجودة».

ويشير ويتمارش في كتابه الذي راجعته صحيفة الغارديان الى ان افلاطون بوصفه فيلسوفا عاش في القرن الرابع قبل الميلاد يتخيل مؤمنا يوبخ ملحدا بالقول "أنت وأصدقاؤك ليسوا أول من حمل هذا الرأي بالآلهة! بل هناك دائما مصابون بهذا المرض ، بأعداد تقل أو تزيد". من هؤلاء المرضى كارنياديس رئيس الأكاديمية الافلاطونية في القرن الثاني قبل الميلاد الذي جادل بأن "الايمان بالآلهة ليس منطقيا" ، والأبقيوريون الذين كانوا في احيان كثيرة يُسمون atheoi التي تعني ملحدين باليونانية ، والكتابات الملحدة للفيلسوف زينوفان (إكسانوفون القولوفوني).

ومن الأمثلة الأخرى نصوص عُثر عليها عن أسقليبيوس إله الدواء والعلاج من نحو عام 320 قبل الميلاد ، بما في ذلك حالة رجل فقد القدرة على تحريك اصابعه لكنه سخر من قصص العلاجات الاعجازية التي تقدمها آلهة الطب ورفض الايمان بها.

وبدلا من اطلاق أحكام تقوم على العقل العلمي كان الملاحدة الأوائل يثيرون ما بدا انها اعتراضات كونية على طبيعة الدين المتناقضة

ويكتب ويتمارش ان قصة هذا الرجل المكتوبة في نصوص قديمة دليل ثمين على وجود الشك بالدين كما كان يمارسه اليونانيون الاعتياديون.

ويرى ويتمارش ان تنوع المجتمعات اليونانية القديمة التي كانت تعبد آلهة متعددة يعني انه لم يكن هناك شيء اسمه دين تقليدي قويم ولا مرجعيات دينية تفتي كيف يجب ان يعيش الناس، وفي حين كان الالحاد يُعد نظرة خاطئة فان الموقف العام موقف متسامح معه ، رغم ان مثل هذا التسامح لم يُمارس مع سقراط الذي أُعدم في اثينا لرفضه الاعتراف بآلهة المدينة. وفي حين ان ويتمارش لا يتخذ موقفا محددا من صواب الالحاد أو بطلانه فانه يؤكد في مقدمة الكتاب اقتناعه "الراسخ" الذي تعزز في مجرى ابحاثه وتأليفه الكتاب بأن التعددية الثقافية والدينية وحرية السجال لا غنى عنهما للحياة الكريمة.

ويكتب «ان غالبية الثقافات في تاريخ البشرية كان لديها شكل من أشكال الايمان بما هو فوق طبيعي ، من هذا الصنف أو ذاك، وسيكون من الصعب ان ننكر ان هذه هي القاعدة السائدة ولكن هذا لا يعني ان الجميع في كل ثقافة كان لديهم هذا الايمان».

المزيد من بوابة الوسط