«كتيبة سوداء».. وقائع حقيقية منسية

من وقائع حقيقية منسية لشخوص عاشت وماتت على الهامش، بنى المؤلف محمد المنسي قنديل روايته (كتيبة سوداء) التي تتبع مصير نحو 450 رجلاً بدءًا من جمعهم من السودان وأحراش أفريقيا كعبيد وتجنيدهم في الجيش المصري ثم إرسالهم في 1863 للقتال إلى جانب الفرنسيين في حرب استقلال المكسيك.

صراعين متوازيين
تتوالى أحداث الرواية عبر صراعين متوازيين الأول صراع استعماري بين دول وملوك للفوز بالسلطة والنفوذ والمال، والثاني صراع داخل نفس أفراد الكتيبة الذين تم انتزاعهم من بيئتهم البكر والزج بهم في
قتال لا ناقة لهم فيه ولا جمل مدفوعين فقط بغريزة البقاء، وفقًا لتقرير حول الرواية نشرته وكالة «رويترز».

وتتنقل الرواية بين مصر وفرنسا ثم المكسيك حيث تدور معظم الأحداث، ويفسح الكاتب مجالاً واسعًا لوصف الطبيعة والتضاريس بذات القدر الذي يتوسع فيه بعرض التناقض بين طمع الأمير النمساوي ماكسمليان وزوجته شارلوت ابنة ملك بلجيكا في إقامة إمبراطورية جديدة بعيدًا عن العالم القديم في أوروبا والأمل الوحيد لأفراد الكتيبة المصرية في الحفاظ على حياتهم التي لا يملكون سواها.

وتستمر الأحداث حاملة معها مفارقات غير متوقعة تتقاطع فيها مصائر الطامعين والمهمشين، لكن المؤلف ينحاز في نهاية الأمر للإنسان الباحث عن السكينة ولحظة من الحب.

واقعة تاريخية
وعن رواية (كتيبة سوداء) قال قنديل في مقابلة مع «رويترز»: «اخترتها لأنها واقعة تاريخية غريبة جدًا، ومع ذلك لم تأخذ حظها من التاريخ. كل المؤرخين مروا عليها مرورًا عابرًا ولم يتوقف أحد عند مصير هذه الكتيبة».

وأضاف: «هناك قول بأن التاريخ شيء لم يحدث والمؤرخ رجل لم يكن هناك، لذلك يوجد قدر من التحرر في تناول الأحداث التاريخية فلا يستطيع أحد ولا حتى كتب التاريخ الموثقة الجزم بأن شيئًا ما حدث أو لم يحدث لكن يكون الاستناد إلى المنطق العام للواقعة. وهذا ما فعلته في الرواية».

وتابع قائلاً: «معظم الوقائع والتفاصيل في الرواية بشكل أو بآخر حدثت أو كان يمكن أن تحدث أو خليق بها أن تحدث لأن هذا ما تفرضه مجريات الأحداث».

وعن إتقان الكتابة عن أماكن بعيدة وجغرافيا غير مألوفة للمؤلف قال قنديل: «احترت جدًا عند جمع المادة التاريخية الخاصة بها في البداية.. لذلك سافرت إلى المكسيك للتنقيب عن مزيد بشأن هذه الكتيبة وبالفعل وجدت بعض الوثائق التي اطلعت من خلالها على وقائع الحرب واستطعت أن أرى الميدان الذي حاربوا فيه».

بطولة جماعية
وتتميز (كتيبة سوداء) بأنها لا تعتمد على البطل الفرد الذي تدور الأحداث في فلكه فيؤثر فيها وتؤثر فيه لكن الأدوار داخلها مقسمة بين عدد من الشخصيات التي تتصارع وتتكامل لتضع في النهاية صورة بانورامية لرحلة الكتيبة المصرية في المكسيك وملابساتها وظروفها التاريخية والإنسانية.

ويشير محمد المنسي إلى البطولة الجماعية قائلاً: «معظم الروايات الآن أصبحت روايات مركبة.. لم يعد بالإمكان تجسيد بطل واحد أو أن تتحدث الرواية بصوت واحد أو تناقش قضية واحدة».

وأضاف: «أصبحت الرواية شبيهة بالعالم المعاصر الذي نعيش فيه.. عالم مركب تتداخل فيه السياسة مع الاقتصاد مع العواطف البشرية مع عوامل كثيرة جدًا تصنع النتاج النهائي لما نحن فيه».

وتابع قائلاً: «كتيبة سوداء تتناول واقعة تاريخية تتشابك فيها الكثير من الأطراف.. ملوك وأمراء وأفراد الكتيبة وجيوش أوروبية والولايات المتحدة التي كانت تساند الجمهوريين بالمكسيك».

«معظم الوقائع والتفاصيل في الرواية بشكل أو بآخر حدثت أو كان يمكن أن تحدث أو خليق بها أن تحدث لأن هذا ما تفرضه مجريات الأحداث»

المرأة
وتستعرض الرواية نموذجين متقابلين للمرأة أولهما (شارلوت) ابنة ملك بلجيكا وزوجة ماكسمليان شقيق ملك النمسا، التي تدفع أميرها دفعًا نحو التنازل عن حقه في عرش بلاده من أجل مطاردة حلم أن يصبح إمبراطورًا على المكسيك، لكن هذا الجنون الجامح ينتهي بهما معًا إلى مصير مظلم.

والثاني (ماريانا) المرأة المكسيكية التي مات عنها زوجها وتحولت إلى الدعارة لكسب قوتها، لكنها تنتهز أول فرصة لاستعادة حياتها كإنسانة شريفة وتتشبث بالجندي (علي جوفان) الذي يكون على قدر ثقتها ويخرجان معًا من نير العبودية.

وأوضح قنديل: «أرى أن المرأة هي الحلقة الأضعف في المجتمع وهي دائمًا من يدفع ثمن أخطاء المجتمع وتخلفه، وهذا واضح من خلال كل أعمالي أن المرأة تحاول فك القيود من حولها، وتفك قيد الخضوع وتسعى للطموح وتغير العالم من حولها. لكنها تنكسر.. لأن المرأة صوتها لم يعل بعد ولم تسجل انتصارات يمكن تتبعها ورصدها بشكل منفصل، بل بالعكس هي دائمًا من يلقى عليها بالاتهامات وتدفع الثمن».

الرواية صدرت في القاهرة عن دار «الشروق» في 473 صفحة من القطع المتوسط. ومحمد المنسي قنديل روائي مصري ولد في 1949 وتخرج في كلية الطب لكنه انشغل بإعادة كتابة التراث فاعتزل الطب وتفرغ للكتابة. حصل على جائزة الدولة التشيجعية في 1988 وصدرت له العديد من الروايات من بينها (انكسار الروح) و(قمر على سمرقند) و(يوم غائم في البر الغربي) و(أنا عشقت).
كما صدرت له مجموعتان قصصيتان هما (لحظة تاريخ: قصص من التراث) و(ثلاث حكايات عن الغضب).

المزيد من بوابة الوسط