قصة قصيرة: «الشيخ حمد» لعزة المقهور

أهدت الكاتبة الليبية عزة المقهور قصَّتَها القصيرة «الشيخ حمد» إلى مدينة طرابلس وإلى عمها.

وكتبت «إلى عمي الغالي/ د. محمود حسن المقهور... بقدر اشتياقي إلى طرابلس التي تسكننا».

«حمد»
ربع القامة.. يضع طربوشًا ويتأنق في بذلة قاتمة، حذاؤه مغبرٌ وجرابه واسعٌ يتدلى من أسفل بنطاله. كان ممرضًا في النهار، وعازفاً للعود ليلاً، يحتضنه ويدندن أغاني «بشير فهمي»، (لاموني اللي غاروا مني، قالولي إش عجبك فيها، جاوبت اللي جهلوا فني، خودوا عيني شوفوا بيها).

يدفع بطربوشه نحو الأمام، يتجرَّع من السائل الأبيض الشفاف، يميل بعوده، يضغط بأصابع يده اليسرى، ويهز ريشته وكتفيه، في حين يخفق قلبه وهو يردد (ريدي اليوم باعتلي سلامه، بعد أيام بيجدِّد غرامه)، يضرب الأرض بقدمه اليمنى وتتسارع أصابعه وريشته وخفقان قلبه بعد أنْ يزدري المزيد من سائله، (يغني لسلاف التونسية)، «آه يصير منايا، رغم الخطا يرجع يعيش معايا، والعمر يزهى وعيشتي تحلالي، نعديك ياسيات ريدي الغالي».

كان فندق أبيه في المدينة القديمة قريبًا من جامع الدروج، واسعًا تطلُّ منه دكاكين على الأزقة الضيقة، يتخذ حمد من ساحته الداخلية العارية إلا من دالية عنب تتسلق نحو السماء المفتوحة، يتحلق حوله الرجال، يجلسون على الأرض إلا هو، يتأبط عوده ويهيم بكلمات كتبها أصدقاء له «لا نحسبك خوان يا غاليه، يا مشمت العدوان فيك وفيا»، ليتأوه المستمعون وهم يترنحون من حوله.

في النهار يستبدل حمد بعوده حقيبة سوداء لكنه لا يتأبطها، ويغطي بذلته بمعطف أبيض، تتدلى منه أزراره المفكوكة، ترسله نظارة الصحة إلى القرى المجاورة لطرابلس، يستخدم أصابعه بطريقة مختلفة، يضغط بها هذه المرة على أجساد تتأوه، يستخدم سوائل شفافة شبيهة بتلك التي يتجرَّعها في الفندق لكنها بلا رائحة، ينقط قطرات في العيون المرمدة، يغرس الحقن في العضل ويضغط عليها حتى يختفي السائل شيئًا فشيئًا من السرنجة الزجاجية في مكان غير حلقه.

أو يقطر منها في الحلوق الجافة ذات الرائحة العفنة وهو يرجع برأسه إلى الخلف، يشعر بأنَّ بعضًا مما تعلمه من طبيب إيطالي، والورقة التي ناوله إياها قبل مغادرته البلاد جعله مؤهلاً لتمريض الليبيين الذين أكلت عيونهم «التراكوما» وثقب رئاتهم «السل»، وخرم وجههم «الجدري»، وانتزعت أرواحهم « الكوليرا» غير ذات جدوى في كثير من الحالات.

وبينما يتغنى بالحب ولوعته ليلاً، يقلّب الأجساد ويفحصها نهارًا، يدنو من الصدور ويرمي برأسه نحو القلوب، يستمع إلى ذلك الخفقان الذي يزعج صدره ليلاً فيهدأ منه ببضع جرعات.

أنست إليه النساء، يلقين بأجسادهن على الفراش، شاكيات إليه ألمهن، لكنهن قد يبُحن إليه بأكثر من ألم الجسد، ألم القلب الذي لا يملك الفرميري حمد دواءً له، يهمد لوعة المشتاق، يقرّب العشاق، يطفئ نار البعد، يخمد جمر الوجد، يؤجج لهفة الرغبة ويُزيل الأذى ويذهب وهم المرض، فهو يرتدي معطفًا أبيض ويحمل حقيبة سوداء وسماعة ولا يحتضن عوده ولا سائله الأبيض الشفاف.

الربي
سكن «براهم» زقاقًا ضيقًا بـ«الحارة».

تزحف «الحارة» كنبات الخبيزة داخل الجزء الشمالي الغربي من المدينة القديمة، تطل عليها «القبة» من أعلى، تبدأ من قهوة «دحمان» حتى باب «الفلة» بدرجاته الحجرية المؤدي إلى مقابر سكانها، ثم تتجه يسارًا وهي تنحدر حتى «الباب الجديد»، وتقف شرقًا عند حومة «غريان» بأقواسها الخفيضة المتلاصقة وزقاق كوشة الصفار، ومفترق أزقة الأربع عرصات، وهي أعمدة رخامية رومانية تبدو وكأنَّها تحمل المدينة القديمة وحوماتها وأزقتها على أكتافها.

كان قاطنو الحارة من اليهود، دخل عليهم قلة من العرب في وقت لاحق، بها بيعهم ومساكنهم ومدارسهم، ومتاجرهم، وشيوخهم ومشعوذوهم.

يعتمر الربي «براهم» على رأسه «معرقة» صغيرة الحجم، ويضع سروالاً قصيرًا يصل أعلى الكعبين، يختفي جسده المكور تحت جبة تتهدل عليه إلى ما تحت ركبتيه، تغطي نصفها العلوي «فرملة» ذات ألوان زاهية دون أزرار وبزخرفة خفيفة...بيته مفتوح، تتجمع أمامه النسوة...

كان «حمد» يافعًا، يتخذ مجلسًا أمام دار اليهودي، ينتظر رزقًا يأتيه من الشرفات الضيقة المعلقة، ترمي النسوة بقفافهن ويطلبن منه شراء بعض الحاجيات.. تكثر طلباتهن يوم السبت.

«حوشه مشرع زي حوش اليهودي» يتندر مَن حوله وهم يشيرون إلى البيت المقابل، دون أنْ يضحك «حمد». لم يحلم أو يتخيل أنْ يدخل ذاك البيت المشرعة أبوابه للنساء دون سواهن ويقضي فيه ساعات بل وسنوات...
كان «حمد» يجلس أمام دار «الربي» ينتظر أنَّ تسخره إحدى النسوة أو يحمّله أحد الرجال، خرج الربي بجبته وقلنسوته، أومأ لحمد.

ثم أرسله لجلب بعض الأبخرة والفحم وأعراف القصب وهو يضع في يده الملاليم الصدئة.

يطل برأسه من الباب المشرع كل يوم ويهز يده نحوه حمد: «تعالى»

شيئًا فشيئًا.. دخل «حمد» عالم «براهم» السحري، بات يبري «القصباية»، ويجهز الحبر في «الدواية»، ويرتب الأطباق القيشاني المستديرة، ويقصُّ الأوراق إلى قطع صغيرة ويعدها للكتابة، ثم تعلم صناعة الحبر الأسود المستخدم في «الكتيبة» بحرق «الصمغ» العالق بصوف إليَة الخروف، حتى بدأ يردد الطلاسم والتعويذات من «عرفة».

ثم بات يكتبها ويطويها كالستارة، ويخط على الصحون بالقصباية والحبر، إلا المال والعطايا فلا يقبضها غير الربي «براهم» من زبوناته مباشرة قبل أنْ يغادره.

رأى حمد النسوة تقتحمن خلوة اليهودي، ترخي غطاء فراريشها بعد أنْ كانت ملتحفة «بمبوك»، تقبض بيديها بقوة عليه وهي تشده إلى الأسفل وتتغطى به وكأنها تدافع به عن نفسها، إلا من عين ترتعش بين حواف الغطاء الأبيض... تكشف عن وجوهها بالكامل، بل وأحيانًا ترخي غطاءها حتى منتصف جذعها لتظهر تفاصيل جسدها وأذرعها العارية... اعتقدت النسوة أنَّ حمد يهودي «كعرفة».

وما أنْ يناديه اليهودي باسمه حتى تنزعج، تبحث بأصابعها المطرفة بالحناء «الخطيفة» عن غطائها، تجذبه من خلفها وتغطي وجوهها بالستارة البيضاء بشكل آلي من جديد.

يطلق «الربي» الأبخرة.. ويخط الوصفات السحرية على الورق وصحون الخزف يتودد إليهن «آجي يا للا.. آجي»، يومئ برأسه إلى حمد الذي يغادر الغرفة مسرعًا ويسدل الستار خلفه، يسمع براهم يغادر كرسيه ويتخيله يقترب منهن وهو يقول «ياحويتة وآش طرالك» يتمتم بلغته ويسمعه يصرخ بين الحين والآخر: «والحي أدوناي... وموسى والعشر كلمات... والنخلات المقرونات...».

فهم حمد أنَّ صناعة «الربي براهم» لا تؤتي أكلها، وأنَّ ما من أثر للسحر الذي يصنعه لهن «براهم» إلا أنْ يعيدهن إلى حضرته ويقربهن إليه أكثر، رأي نساء تذبل، وأخريات تينع، رأى تلك التي تتشبث بالأمل، وتلك التي دب في نفسها اليأس، لم يكن الربي رحيمًا بهن، كان يمارس صنعته بإتقان لكنه ينسى أسماءهن ويخلط بينها..

«سببت عند شيخ النصارى والفقي والربي... هما التلاتة مالقولي طبي».

ذات يوم، التفت براهم لحمد.. رأى وجهه مذعورًا، عيناه مفتوحتان تحت حاجبيه الكثين، وكأنه في حضرة غرباء، موجِّهًا سبابته إلى وجه حمد وهو يصرخ: «وصلاة بو شايف...قالولي الجنون أنت وريثي.. هذا باش اخترتك من دون العباد».

حينها فهم «حمد» لماذا ناداه «براهم» في ذلك اليوم وانتشله من أزقة المدينة القديمة.

تقارب رأس «حمد» الحاسر من رأس «براهم» الذي تلتصق به الطاقية المدورة البيضاء يتقي بها غضب السماء، حتى لم يعد «براهم» يخفي عنه شيئًا، يخرج قنينة «اللاقبي» الزجاجية الخضراء من تحت كرسيه، يتجرَّع منها أمامه حتى ينتشي، ثم يفتح فمه مقابل أنْ يفتح «حمد» أذنيه ويسمع التفاصيل التي حُجِبت عنه بستار...

يتناول «براهم» عوده الخشبي المطعَّم بالصدف، يعدل من جلسته، يمسك بريشته المصنوعة من العاج، يضغط بأصابعه على الأوتار المشدودة على رقبته، يرفع ذقنه ويغني:

«ويهود ليبيا قدم ويحبوها *** من قبل عليسة مع سليمان وين شافوها
وطرابلس بر الزهر والحنة *** ربي بهاها كيف أرض الجنة

ويا طرابلس يا عز يا محروسة *** الله يحفظك من كل عسكر سوسة
وطرابلس برها سخون وصلاحها فيها *** ولا تنحكم بكّل بلا إمّاليها
يا طرابلس يا ناس يأهل القيمة *** يا تاركين السوط والشكّيمة»

كانت الدموع تتساقط من عيني «براهم»، بينما طرابلس تغلي كالمرجل تحت جمرات دير ياسين، واللد، والرملة، لتنفجر بعد نكبة 1967.

رحل «براهم» مسرعًا، أقفل بيته بالمفتاح وسلَّم عدته وكتبه الصفراء وعوده إلى «حمد»، مقتفيًّا أثر أهله من سكان الحارة، الذين رحلوا جماعات بعد أنْ تمزقت فلسطين ومزَّقت معها النسيج الذي كانت تغزله الحارة بأطيافها، تناثرت أوراق «الخبيزة» في الحارة، ونزحت عصارتها، وتناثرت مع رياح البحر شمالاً.
*****

«الفرميري حمد»
أخفى «حمد» ما ورثه عن اليهودي عدا العود، وارتدى بالطو الفرميري.

تعلم التمريض من طبيب إيطالي كان يقطن دارة أنيقة بمدينة الحدائق، لم يكن «حمد» يرى في مهنة التمريض إلا امتدادًا لمهنة «الكتيبة»، كلها تهدف إلى الشفاء من الأمراض أيًّا كان أصلها عضويًّا أم نفسيًّا، بعد سنوات قضاها في كنف الإيطالي، أصبح ممرضًا مرخصًا والتحق بالعمل الحكومي، متنقلاً ما بين القرى، يلبس المعطف الأبيض ويحمل الحقيبة السوداء، حتى زارته مناني.
*****

«مناني»
كانت مناني فارعة الطول، تلتحف بفراشية بيضاء مفتولة حواشيها، ذات صدر عريض ومنكبين قائمين كمجدافين تحركهما بقوة وسلاسة دون حاجة لأن تدور بجذعها.

دخلت عليه أثناء قيامه بغسل معداته وحفظها قبيل مغادرته مستوصف «فشلوم»، لم يعرها اهتمامًا، كان منشغلاً بتنظيف معداته تحت الصنبور..

- مش لاهي بيا... نتبكش ونمشي؟

التفت ونظر إليها، ترك يديه تحت الصنبور تنسال عليهما المياه الساخنة. كانت قد أسدلت غطاء رأسها وأمسكت بذراعيها الملتصقتين بجسدها بطرفي الفراشية تمنعها من السقوط بالكامل. تمنى «حمد» أنْ تسقط الفراشية أرضًا، وأنْ يغلق الصنبور أو تنقطع المياه وتتوقف يداه عن الحركة، أنْ يعم السكون وتظل مناني كما هي برأسها الحاسر وقفطانها الذي يلتصق بنهديها، تقف في وسط الغرفة الواسعة التي لا يوجد بها سوى مكتب وكرسي وستار أبيض يحجب سريرًا حديديًّا عن الرؤية...

- عندي «الشقيقة» بتقتلني.. دبرلي.
كانت تتحدَّث بثقة وعيناها ما تزالان على حالهما مصوبتين نحوه دون أنْ ترمشا.
- دبرلي، ما عاش متحملة.

لم يبد عليها أنها تتألم أو أنَّ رأسها قد انشق إلى نصفين بفعل الصداع، لم تبد عيناها متعبتين أو أسدلت عليهما ستائر جفونها المثقلة بالألم، كانت نظرتها تتحداها وهي تكرر للمرة الثالثة، «هيا دبر».
نفض حمد يديه بقوة وأودع معداته صحنًا معدنيًّا، والتقت نظراتهما من جديد، بينما مناني تتحدى، كان حمد يتخيل سقوط الفراشية عن فستانها الذي يحف نهديها والذي يتخيله ما فوق الركبة بقليل.

- خيرك تشبح...
اقترب منها، كانت في ذات طوله تقريبًا، اقترب حتى اشتم رائحة شعرها المخضب بالحناء، ضغط بأصابعه على جانبي رأسها ثم ضغط على جبهتها، أغمضت عينيها فوضع رأسها بين يديه.

أرخت مناني ذراعيها فسقطت فراشيتها أرضًا، فتحت عينيها مذعورة ابتعدت خطوتين للخلف، حينها استفاقت في نفسه صنعة اليهودي، أمسك بجمجمتها، وبدأ يهذي ، لم تتحرَّك مناني واستسلمت ليديه وهي تنظر إلى شفتيه اللتين تقتربان منها وتتمتمان بصوت خافت وبكلمات غير مفهومة.

أحضر قدحًا به بعض الماء، قرَّب القدح إلى فمه، قرأ جملاً غير مفهومة وأمرها أنْ تشربه بينما يده على رأسها تتخلل أصابعه شعرها.

من حينها، هجر حمد البالطو الأبيض والحقيبة السوداء، عاد بقوة لسنوات إلى الوراء، لزمن «براهم» في المدينة القديمة، لصنعته الأولى قبل التمريض، ليستقر في عالم السحر والشعوذة، أخرج كتب اليهودي الصفراء من الصناديق وصفَّها في مكتبة بـ«المربوعة» التي أحالها إلى حجرة لاستقبال زائراته، واستحضار الجن، وإعداد «الكتيبة» وشفاء مرضاه بطرق أخرى أقل جهدًا، وأوفر مالاً، وأكثر استمتاعًا.

لم يعد الفرميري «حمد» وأصبح «الشيخ حمد»، لم تغب عنه «مناني» دائمة الحضور تشكو من «الشقيقة»، حينما رآها الشيخ حمد أول مرة، عرف أنَّ داءها ليس في رأسها وإنما في قلبها، يتذكر الشيخ «حمد» قول اليهودي «داهم في قلوبهم.. النسا»، أعادت له رغبة دفينة في العودة إلى النساء وسبر أغوارهن وتقديم العون لهن.

كان الشيح «حمد» قليل الكلام، ينصت بشغف وهو يضع يديه على طاولته، قلما يسأل، يعطي انطباعًا بأنَّه يعرف كل شيء، فيبدو ساحرًا قبل حتى أنْ يقوم بعمله أو أنْ تظهر نتائج سحره.

- الشقيقة مدايرة فيا حالة..
كان يكفي أن تقول ذلك لكي يضمها إلى صدره ويعبث بشعرها وهو يتمتم بتعاويذه ثم يُشرِبها من ذاك القدح ويطلق سراحها لتطير فرحًا وخفة كالفراشة.

لحقت بمناني كثيرات، يصطففن أمام باب بيته، يجلسن في السقيفة وعلى الدرج، ينتظرن بصبر دورهن في الدخول فرادى إلى مربوعة الشيخ، يستقطعن الوقت الكافي معه، يخرجن نساء مسحورات بالدفء والأمل بل وأحيانًا بالانتقام.

لكن مناني كانت أقربهن وأكثرهن ترددًا عليه، أسرَّت له أنَّها بدأت تدخن، وأنَّ الدخان يخفف من ألم «الشقيقة»، استاء الشيخ من ذلك وقال لها إنَّ الدخان يحجب وصول «الجان» وإنَّ عليها أنْ تتوقف، كانت أعراض الشقيقة تزداد كلما ازداد هروب زوجها إلى نساء أخريات، بينما تهرب هي إلى الشيخ حمد ليكتب لها ويعيده إليها، وحين لم يعد لسحره مفعولٌ لجأت إلى علب «السبورت».

تقتل ألمها وتخفف توترها، حتى هَجَرَها زوجها إلى غير رجعة وأرسل إليها ورقة طلاقها. يومها جاءت للشيخ حمد وأطلقت عليه لسانها ونعتته بـ«الشيخ الفاشل» و«الخائن» الذي هرَّب زوجها منها بدلاً من أنْ يعيده إليها، اضطرب الشيخ يومها وعلا صوته لأول مرة وهو يقول «ملبوسة... مسكينة ملبوسة» بينما تصرخ هي في السقيفة أمام خلق الله من النساء المرابطات رغم هيجانهن في انتظار أدوارهن.

- كذاب ومناصي... ما عاش عاجباتك حتى أنت.. صدق اللي قال كان الفقي يكتب راهو كتب لروحه.

اختفت مناني من عالم الشيخ «حمد» الذي ولجته نساء أخريات جئن إليه من مدن أخرى يتكلمن بلهجات مختلفة، يدخلن إليه مهمومات، مكسورات ومهزومات، ليخرجن من دارته باسقات كأعواد «القصباي»، لامعات الوجوه كقشرة الأرض التي ارتوت بعد جفاف، ضاحكات مغنجات كسنابل السواني المحيطة بطرابلس. كان الشيخ حمد يسحرهن أكثر مما يكتب لهن خطوطه ويشربهن مخلوطه.

إلا مناني... كانت تعني له الكثير، أعادت له صنعته، انتشلته من مهنة روتينية إلى عالم ضاج بالنساء، صعبة المراس لا يلينها حتى «الحجاب» الذي يزرعه تحت صدرها وهو يتمتم ويغلق عينيه، لا شيء يرضيها، دائمًا تطلب المزيد.. تحب وتكره، تضحك وتبكي، تصرخ وتحن في ذات الوقت. كان الشيخ حمد مقتنعًا بأنَّها جنية جاءت إليه وهي تصطحب معها جنونها وجانها إليه.. «هي السبب.. هي السبب» يتمتم الشيخ.. وهو يبتسم بخبث:

«هي اللي جابتهملي»، أغلقت «مناني» بابها، أطالت أظافرها، وأهملت حاجبيها حتى طالا جفنيها، تمص ثلاث علب «سبورت» يوميًّا، وتفقد ذاكرتها شيئًا فشيئًا، قلما تخرج، وإذا فعلت تلتحف فراشيتها التي اعتادت على الاحتفاظ بنظافتها وبياضها.

حتى جاء ذاك اليوم الذي ضلت فيه طريقها، خرجت ولم تعرف لعودتها سبيلاً، دارت في الشوارع وهي تهذي، وكلما رأت بيتًا أو جامعًا أو دكانًا اختلطت أمامها الصور وتشوشت ثم تبخرت كدخان سجائرها، اشتاقت إلى سيجارة تمتصها بعمق وتحرق الورقة البيضاء التي تلف التبغ حتى آخرها وتقف عند حافة القطنة، تنظر إليه ثم ترمي به، تتخيلها زوجها الذي هجرها دونما سبب. تشعله وتحرقه كما حرق قلبها وتطفئه عقبًا وترميه كما رمى بها.

دخلت زقاقًا ضيقًا، واحتجبت وراء سور قديم، فارقت فراشيتها ورمت بها إلى أغصان شجرة قريبة، جلست تحت السور، أخرجت علبة الدخان من صدرها وأشعلت سيجارة وهي ترتعش، أنهكها التيه بين الشوارع دون أنْ تجد طريق عودتها، نفخت دخانها وهي تهذي.. تكلمت مع الشيخ «حمد» وعاتبته وهي تبتسم، ثم تذكرت زوجها فبدأت في كيل السباب والشتائم لهما معًا.

رمت بعقب سيجارتها بعد أنْ تأكدت من أنَّها وصلت إلى القطنة دون أنْ تحرقها، ثم غرسته في التراب، وتناولت الأخرى، انهمر المطر في تلك اللحظات، بللها حتى التصقت ملابسها على جسدها وغاصت قدماها في الطين، غفت وانحرقت سيجارتها بين أصابعها ولسعتها دون أنْ تشعر. بعد أيام وجدوا جثتها، دلت عنها فراشيتها المطروحة على أغصان الشجرة القريبة منها، وقد اتسخت وعلقت بها الأعواد والأوراق...

لم يعلم عنها الشيخ «حمد» شيئًا، ولم يسأل عنها النساء اللاتي تزداد أعدادهن أمام حجرته، .يأتيه الرزق الوفير مالاً وعينًا، ولا يطلب شيئًا.. لا يسأل عن مرتاداته إذا ما اختفين..

«الشيخ حمد»
ظلَّ الشيخ حمد يتأرجح بين مهنتين، إحداهما للنهار، والأخرى لليل.

يشرع مربوعته أمام النسوة نهارًا، ويستقبل فيها الرجال ليلاً.. يحتضن عوده ويدندن حتى خف وهج الذاكرة، وسالت الكلمات من بين شفتيه، لتحل محلها دندنة، خف حضورهن وحضورهم، أصبح يفتح بيته متأخرًا ويغلقه باكرًا..

ضاق الحال بالشيخ «حمد»، قلت زيارات النسوة وعطاياهن، أصبحت مهنته جريمة تتابعها الشرطة، تبحث عن «الشيوخ» وتقبض عليهم في مرابيعهم. فارقهن فوَهَنَ جسده وشحب، واصفرت وجنتاه حتى بدتا كثمرتين تتدليان من شجرة انقضى موسمها.

حتى كان ذلك اليوم، يوم بلون حبر «الدواية»، وكأن لوثة صعقته، ولج الشيخ حمد إلى المنور المفتوح إلى السماء، وضع كتبه الصفراء برفق، صب عليها سائل الجاز، أشعل عود كبريت ورماه إليها ثم تبعه بآخر. كسر كل الصحون، ورمى بالقصباي... كان يهذي ويبكي ويلعق دموعه التي تجمعت على شعيرات شاربه وذقنه البيضاء ثم استقرت على «فرملته» المخططة...

أغلق بابه ولم يعد يفتحه حتى لمَن تتوسلن إليه من وراء «عين الزرزور» تطلبن «خطين» أو أكثر.

بعد بضعة أسابيع، وُجد الشيخ «حمد» في مربوعته مفارقًا الحياة وقد تصلب جسده واصفر وكأنه عرف شجرة منكسر... كانت أصابع يديه مثنية، ومنسجمة مع جفنيه المسدلين في شكل نصف إغلاقة، غسّلوه وهم يوجهونه إلى القبلة، ومسحوه ووسدوه في كفنه الأبيض، وفي وسط مياه التغسيل المخلوطة بالمسك والكافور ورغاوي الصابون طفت ورقة بيضاء شفافة نُقش عليها رسمٌ غريبٌ، كان اسم «مناني» بالمقلوب ومن دون تنقيط.
____________________
عزة كامل المقهور
أبريل 2015

المزيد من بوابة الوسط