سيرة غراس بصمة بالتاريخ الألماني

فقدت الأوساط الأدبية، الاثنين، الأديب الألماني غونتر غراس، الحائز جائزة نوبل للآداب، عن عمر يناهز 87 عامًا، في أحد مستشفيات مدينة «لوبيك» شمال ألمانيا، ووصفه موقع «شبيغل أونلاين» بأنَّه «واحدٌ من الشخصيات العظيمة في التاريخ الألماني الحديث».

ويعد غراس أحد أهم الكُـتَّـاب في العالم، وحازت أعماله شهرة عالمية، لاسيما رواية «طبل الصفيح»، التي لقيت رواجًا كبيرًا بعد نشرها العام 1959 وتُرجِمت إلى 24 لغة، من بينها العربية وفقًا لما جاء بموقع «دويتشه فيله».

طفولة بين الروح القدس وهتلر
وُلد غراس في السادس عشر من أكتوبر العام 1927 لأب ألماني بروتستانتي وأم كاثوليكية من أصول بولندية، بمدينة «دانتزيغ»، المعروفة حاليًا بـ «غدانسك» في بولندا، التي كانت آنذاك تخضع لإدارة دولية، عاش غراس في أسرة بسيطة، حيث كان والداه يعملان في البقالة، وكان زبائنهما من الفقراء، كما كان بيتهم صغيرًا وضيقًا، في وسط كاثوليكي.

ويقول كاتب سيرة غراس، ميخائيل يورغس، عن هذه الفترة: «إنَّها طفولة بين الروح القدس وهتلر».

شهدت حياة غراس كثيرًا من الصعود والهبوط، فعندما كان عمره 17 عامًا عايش غونتر أهوال الحرب العالمية الثانية العام 1944، حيث تم استدعاؤه للخدمة العسكرية، وعمل أولاً مساعدًا في سلاح الجو، ثم جرى ضمه للوحدات النازية الخاصة الـ«فافن - إس إس»، التي اعترف بانتسابه إليها بعد عقود عدة، وهو ما أدى إلى جدل كبير في ألمانيا.

وكَشَفَ غراس أيضًا إنَّه قضى بضعة أشهر في السجن حتى العام 1946 كأسير حرب لدى الجيش الأميركي في مدينة بايرن الألمانية.

في سنة 1952 كانت جمهورية ألمانيا الاتحادية في بداية التشكُّل وكان غراس في مرحلة البحث عن ذاته الأدبية.

بداية لمسار كاتب عظيم
درس الأديب الكبير وقتها الفن والنحت، وكان يعزف مع فرقة للجاز، وفي العام 1956 استقرَّ لوقت قصير في باريس، وعَاشَ مع زوجته هناك حياة متواضعة. غير أنَّ هذه الفترة كانت بداية لمسار كاتب عظيم، حيث كتب المسوَّدة الأولى لروايته الشهيرة «طبل الصفيح»، التي أصدرها سنة 1959 وحققت نجاحًا كبيرًا داخل ألمانيا، ثم امتد النجاح إلى أنحاء أخرى في العالم. كما تُرجِمت لعدة لغات عالمية، وتم تحويلها إلى فيلم، بل إنَّها الرواية التي قادت غراس لاحقًا للحصول على جائزة «نوبل» للآداب سنة 1999.

وكَتَبَ غراس في مختلف أنواع الآداب، وتنوَّعت كتاباته بين النثر والشعر. ولائحة أعماله طويلة جدًّا، من أشهرها: «سنوات الكلاب» و«تخدير موضعي» و«الجرذ» وغيرها من الأعمال التي غالبًا ما كانت ترصد الظروف والتغييرات الاجتماعية كانتفاضة المثقفين في ألمانيا الشرقية العام 1953، أو الاحتجاجات الطلابية التي اجتاحت أوروبا العام 1968.

وكانت المصالحة مع بولندا إحدى القضايا التي يهتم بها غونتر غراس بحكم أنَّه وُلد في مدينة دانتزيغ (غدانسك حاليًّا) التي ضُمَّت إلى بولندا بعد الحرب العالمية الثانية.

واتخذ غراس موقفًا معاديًّا لإسرائيل، ووصفها بأنَّها تمثِّل تهديدًا للسلام العالمي، كما انتقد رغبتها في شنِّ هجوم عسكري على إيران. ونتيجة مواقفه المعادية لها، منعته إسرائيل من دخول أراضيها، وقالت عنه إنَّه «شخص غير مرغوب فيه».

وركَّزت معظم أعماله على حقبة النازية وفظائع الحروب والشعور بالندم الذي لازم ألمانيا بسبب الحرب والدمار الذي خلفته.

وكان من أشهر مواقف غراس أنَّه اتهم المستشارة الألمانية ميركل بـ«الجبن السياسي» في التعامل مع قضية تجسُّس وكالة الأمن القومي الأميركية على ألمانيا، معبِّرًا عن اعتقاده بأنَّ على بلاده أنْ تمنح إدوارد سنودن حق اللجوء شريطة ضمانات أمنية مناسبة.

المزيد من بوابة الوسط