مسابقة «اكتب بالليبي» صوت الكتاب الصغار

انطلقت مسابقة «اكتب بالليبي» يناير الماضي، بجهود شبابية، تهدف لتشجيع الكُـتَّـاب الجدد من كل الأعمار للكتابة باللهجة المحلية، ضمن ثلاثة محاور وهي التكنولوجيا والثقافة الليبية ووصف الحياة الاجتماعية في ليبيا لشخص يعيش خارجها.

وكان التحكيم في المسابقة للكاتب والمترجم الليبي والحائز جائزة ماك آرثر، خالد مطاوع، الذي بدوره قدَّم رسالة للمشاركين قال فيها: «أود أن أهنئ كل الفائزين وكذلك كل المشاركين فكل عمل كانت له ميزة وطرحٌ خاصٌ به».

وأضاف: «أشكرهم على إصرارهم على الكتابة في ظروف ليبيا الصعبة وتمسكهم بالأمل في مستقبل أفضل ومتسامح لكل الليبيين».

وفاز بالمركز الأول بالمسابقة الشاب محمد الزاوي من مدينة طرابلس بمقال حول أهمية الاختلافات في المجتمع الليبي، ولقراءة المقالات الفائزة في مسابقة «اكتب بالليبي»، يمكنكم زيارة صفحات كتاب بنغازي الصغار على الفيسبوك وWattpad.

ننشر هنا نصَّ المقال الفائز نقلاً عن مدونة مشروع صوت شباب ليبيا

 مختلفين مش متخالفين

«الطرف» و«الطرف الآخر» هما الزوز أبطال, وهما الزوز رابحين في المقالة هذي اللي كتبتها وأني نتخيل في مجتمع مترابط ومتسامح رغم كل الاختلافات. لكن بعيد شوية عن الخيال, لازم نواجهوا الواقع المرير أنه في مجتمعنا مازال يتحول الاختلاف إلى خلاف. الخلاف هني يعني أن واحد من الأطراف يتخالف (يقاطع, يتعارك, أو حتى مرات يتقاتل) مع مَن يخالفه في الرأي, أو في الأفكار, أو حتى في الذوق.

المقالة هذي هدفها مش «منع الاختلاف» — بالعكس! تنوع الآراء ظاهرة صحية, وكل حد فينا من حقه يكون مختلف. هذي المقالة هدفها بالأحرى نشر ثقافة «تقبل الاختلاف» الغايبة عن مجتمعنا للأسف. يعني لازم نحترموا آراء وخيارات الناس التانية وما نديروش معاهم خلافات لأن آرائهم مش ماشية مع جونا أو تتعارض مع مصالحنا.

كلام قديم, ومستهلك, وكلنا نعرفوه؟ أوكي! السؤال: هل نطبقوا فيه؟

الغياب الواضح لثقافة تقبل الاختلاف في مجتمعنا هو واحد من الأسباب اللي خلت قطار الحضارة يفوتنا. وطبعًا غيابها مش مقتصر عالأحزاب السياسية والأطراف المتصارعة بس (ومتخافوش مش حنقلبها سياسة), بل نلقوه موجود حتى في التعاملات الشخصية اليومية. هلبه ناس ياخذوا في المسألة هذي بتعصب حاد كأنهم عندهم «الحقيقة المطلقة», ويبوا كلمتهم تمشي عالكل! السلوك هذا يضرهم قبل ما يضر (و يضايق) غيرهم. الناس هذوا لازم يتقبلوا أن محدش فينا رأيه منزه عن الخطأ أو النقصان. لو كل واحد فينا تعصب لرأيه (اللي ممكن يكون غلط), وصكر ودانه باش ما يسمعش رأي الغير ممكن يضيع على نفسه فرصة نادرة لاكتشاف الخطأ متاعه, ناهيك عن الخلافات اللي حتصير نتيجة تعصبه الأعمى لرأيه.

طبعًا الناس هذوا أكيد ما قروش قول الإمام الشافعي (الله يرحمه) «رأيي صواب يحتمل الخطأ, ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب». شفتوا الروح الرياضية والتواضع؟ حتى الرسول محمد (عليه الصلاة والسلام) كان يشاور ويأخذ في الآراء. وفيه غير هكي أدلة هلبة تبين إن المشكلة مش مشكلة دين بل هي مشكلة عادات سيئة متأصلة فينا, ومنها عادة تصكير الراس اللي حتزيد تأخرنا تالي لو ما نفيقوش لأرواحنا.

إذا كان خلاف فكري بسيط ما قدرناش نحللوه وديًّا, مالا الخلافات اللي فيها فلوس وأراضي ونفوذ كيف نحللوها؟ نضربوا بعضنا بالميم طاء مثلا؟ هي مش حرب يا تربحني يا نربحك! لا! لازم ديما نحاولوا نشوفوا أبعد من اختلافاتنا, لازم نحاولوا نشوفوا الصواب في كل الآراء, ولازم ندوروا على هدف يوحدنا ويخدم المصلحة الكبرى — وهكي: يكون الكل رابح, والكل فرحان.

الخلاف ما يجيش منه إلا التحجر والتخلف والصراعات, أما تقبل الاختلاف في وجهات النظر والأفكار يخللي المجتمع يزدهر, ويضيف تنوع على كل أوجه حياتنا. ممكن بعض الناس يظنوا للوهلة الأولى أن حياتنا حتكون أسهل لو كانت آراء الناس وأفكارهم ديما موحدة. ناهيك عن أنه شبه مستحيل تتوحد آراء الناس, الحياة لو مافيهاش تنوع حتصير مملة جدًّا في نظري. ولا شن رأيكم؟ تخيل أنك تعيش عمرك كله في مكان مطلي بلون واحد وتاكل في نوع واحد من الماكلة وكل يوم تشوف في نفس الناس اللي يقولوا في نفس الكلام. كل شي حيصير (بلغة الكمبيوترات) عبارة عن نسخ-لصق من غيره, ومع الوقت الأصل حيضيع. واللي ما يحبش وجيج الكمبيوترات نجيبوهاله حتى بلغة الماكلة: مثلا شن اللي مخللي الشرمولة حلوة؟ تنوع المكونات, صح؟ فلفل طماطم بصل خيار شوية نعناع يابس زيت زيتون وملح. تخيل الشرمولة بصل بس! أو فلفل بس! تخيلتوا؟ أيوة بالضبط! هكي حيكون طعم الحياة في مجتمع ما فيهش تنوع ولا اختلاف.

إن شاء الله حيجي اليوم اللي يصير فيه هذا الكلام واقع مش خيال, ويعيش «الطرف» و«الطرف الآخر» مع بعض في تناغم تام. اللي ما يتقبلش الاختلاف حيقعد طول عمره عايش في خلافات مع الناس لأن الناس (بكل بساطة) بطبعهم مختلفين. هل تقدر تغير كل الناس بفرض رأيك عليهم؟ أكيد مش حتقدر مهما تحاول! لكن (و الأصح) هل تقدر تتقبل آراءهم وتناقشهم فيها بكل هدوء وتوصلوا لاتفاق وديا؟ أكيد تقدر لو تحاول! واللي ما يبيش يحاول, ننصحه من توا يدور علي جزيرة نائية يعيش فيها بروحه لأنه مش حيكون ليه مكان في المجتمع اللي كلنا راسمينه في مخيلتنا.

المزيد من بوابة الوسط