«قول الفجي».. خرافة ليبية تتحدى النميمة

الحكاية الشعبية لا تحمل طابع القداسة عادة، وتقف في مواضيعها عند حدود الحياة اليومية والأمور الدنيوية العادية، فنجدها تحدِّد الصراع بين الخير والشر، الملاك والشيطان أو الجان، العفاريت والإنسان، الساحرة الشريرة والفتاة الجميلة، الفارس والوحوش، وتكون الغلبة فيها دائمًا لصالح الخير، وعادة ما تكون النهاية سعيدة.

ولهذا لم تكن تلك الحكايات تُسرَد لمجرد التسلية وملء الفراغ، بل اُستُخدِمت لتأصيل بعض العادات والتقاليد المُتعارَف عليها في المجتمع، والنهي عما لا يتماشى وإياها، ولأخذ العظة والعَـبرة، بطريقة الترهيب والترغيب المحبَّب البسيط، الذي يَرْسَخُ في ذاكرة الأطفال منذ بداية إدراكهم وتشكيل وعيهم، ويستمر معهم ليشكل جزءًا من مخزون ذاكرتهم وليتوارثوه جيلًا بعد جيل.

وهذه الحكاية تنهى عن التعرُّض لأعراض الناس، والابتعاد عن الغيبة والنميمة.

يُحكى أنَّه كانت هناك سيدة كانت لا تكل ولا تمل أبدًا عن نقل أخبار الجيران، إضافة لتضخيمها للقصص، والتلفيق بما يتماشى مع إشباع رغبتها في النميمة ليس إلا، وكانت كل صباح وهي تحضِّر الفطور لزوجها تحرص على أنْ تأتي له بقصة جديدة، فكان الزوج ينهرها ويقول لها «قولي الفجي»، (جملة متداولة بالعامية وتعني ادعي بالستر للناس ولا تفضحهم)، لكنها لم تكف أبدًا عن عادتها السيئة.

في إحدى المرات كانت الزوجة عائدة من السوق، فأحسَّت بأنَّها تريد قضاء حاجتها، فلم تجد لها حلاً سوى دخول مكان مهجور، بالصدفة كان للمكان بابان، وكل باب يطل على شارع، وصادف أنَّ رجلاً كان يقضي حاجته أيضًا في ذات المكان، لتلعب الصدفة دورها أكثر فَخَرَجَ كل منهما من باب في ذات التوقيت، وكان هناك بعض المارة شاهدوهما، وانتشر الخبر في القرية، بأنَّها على علاقة بهذا الشخص.

ووصلت القصة لمسامع زوجها، فكان أنْ جلس مع زوجته في اليوم التالي، فقال لها: «هل سمعتي بما يتداوله الجيران عن وجود علاقة بين إحدى جاراتنا المتزوجات بجارنا الأرمل، الذي يسكن في آخر الحي، وأنَّهما يلتقيان خلسة بعيدًا عن الأعين في الخرابة البعيدة، وقد شاهدهما أحد الجيران بالأمس بعد انتهاء السوق وهم يخرجان منها في ذات الوقت، لكن كل منهما من باب مختلف».

فورًا ربطت الزوجة القصة بما حدث معها في اليوم السابق، وعلمت أنَّهم يتحدثون عنها، وأنَّ الناس بدأت الافتراء والتقوُّل عليها دون التأكد من المعلومة، وأحسَّت بحجم الظلم الذي وقع عليها، فما كان منها إلا أنْ استوقفت زوجها ومنعته من إكمال حديثه وهي تقول له إنَّه من الممكن أنْ تكون القصة محض افتراء، وأنَّ وجود الشخصين معًا في ذات المكان صدفة ليس إلا.

وقالت له: «قول الفجي»، فما كان من الزوج إلا ترك الطعام والتوجُّه لها بالسؤال هل أنت تلك السيدة، فبدأت الدموع تنهمر من عينيها وهي تحلف بأنَّ ما حدث ليس كما توقَّع مَن شاهدهما، وحكت له ما حدث معها بالتفصيل.

فقال لها الزوج إنَّه يصدِّقها وإنَّ هذا درسٌ لها كي لا تتحدَّث عن الناس من وراء ظهورهم، وألا تغتاب أحدًا ولا تروِّج للإشاعات.

فأقسمت الزوجة بأنَّها لن تفعل كل ما كانت تفعله في السابق، وأنَّها لن تكرِّر ما تسمعه حتى لو تأكدت لديها المعلومة، مضيفة: «اشبحي يا عين وكذبي ما بال ما ريتيش»، بمعنى حتى لو رأى شخص شيئًا ما ويعلم أنَّه لو تحدَّث عنه يمكن أنْ يتسبب في مشاكل للغير فيجب أنْ يصمت، فما بالك بمَن لم ير أي شيء.

فاقتنع الزوج وقرَّر مسامحتها، إلا أنَّه قال لها إنَّه لم يعد لهما بقاء في قريتهما، لأنَّ الناس لن ينسوا القصة وسيظلون في تكرارها سنوات مقبلة حتى من دون التأكد من مصداقيتها.
ومنذ ذلك الوقت عاشت الزوجة وزوجها حياة هادئة ومستقرِّة دون غيبة أو نميمة بشأن أي شيء، ولم تعد تتحدَّث إلا عن حالها فقط.

المزيد من بوابة الوسط