بوشناف: بن وليد ومصراتة شكّلتا وجداني

منصور بوشناف كاتب ليبي أبدع في كل مجال طرقهُ، نال تأسيسًا فنيًا جيدًا، صقلته تجربة السجن التي امتدت إلى اثنتي عشرة سنة.

حاورته «بوابة الوسط»، وسألته عن إبداعه وحياته وسجنه وعن وضع ليبيا الحالي وعن مسائل ثقافية وفنية أخرى، فقادنا في رحلة سردية تروي كل شيء وتمطر الرؤى وتنتج الأسئلة وتقترح الحلول، حوار تمّ في نفس واحد بدأه طفلاً وأنهاه أيضًا طفلاً.

خديجة الجهمي
بدأت الكتابة في وقت مبكر من عمري، وأنا في الصف الخامس الابتدائي حاولت النشر، وأرسلت بقصيدتي الأولى للسيدة خديجة الجهمي وردت عليّ: «الطفل منصور بوشناف أتمنّى أنْ أراك كاتبًا»، لم تقل شاعرًا قالت كاتبًا، بالطبع لم أتخلَّ عن الشعر، ونشرت أول نص لي في صحيفة «العمل» ببنغازي، وأنا في السادسة عشرة من عمري، لأواصل بعدها الكتابة شعرًا ونثرًا، أعني لقد كتبت كثيرًا ونشرت مبكرًا في الصحافة الليبية وشبعت إطالة وإنشاء وتعلّمت من الشعر الاختزال ومن النثر التركيز.

إبراهيم الكميلي
في العاشرة من عمري وقفت على خشبة المسرح عام 1965 بمدرسة مصراتة المركزية، كان معلمي الأول إبراهيم الكميلي، ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع صلتي بالمسرح وتعلّمت من المسرح «الجملة الدرامية» التي لا تسمح بالزوائد والثرثرة.

الكمان
عام 1968 بدأت أدرس «آلة الكمان» كان عمري 14 سنة، وكان معلمي عبدالله السباعي وظل يطاردني حيثما سرت صوت الكمان، كما يقول الراحل «أمل دنقل» واعتبرها أجمل قصائده وما أحببت جعجعة «لا تصالح».
كتبت وأخرجت أول نص مسرحي لي بنادي الأهلي مصراتة «السويحلي» الآن، وكنت طالبًا بـ«ثالثة إعدادي» كان نصًا قصيرًا.

مسرحيات طويلة
في سنة أولى ثانوي كتبت «عندما تحكم الجرذان» كانت طويلة وكانت كارثة علي وأردفتها وأنا في ثالثة ثانوي بمسرحية «تداخل الحكايات عند غياب الراوي» وكانت طويلة أيضًا وأيضًا كانت كارثة.

الإنجليزية والتكثيف
كنت أقرأ باللغة الإنجليزية إلى جانب العربية مبكرًا وعلمتني الإنجليزية شطب الزوائد، كما علّمني المسرح كتابة الجملة المريحة والسلسة القادرة على قيادة إيقاع القارئ عند القراءة، كما الممثل عند الأداء دون إرهاقه.

ورشة الاثني عشر عامًا
دخلت السجن عام 76 لأمكث فيه 12 سنة، بالطبع لم يكن من الممكن كتابة نصوص طويلة، لذا كان عليّ أنْ أركز، فالورق قليل ويصعب إخفاؤه إن كثر، كتبت قصصًا ومسرحيتين ومقالات نقدية وترجمات، واستغرقت في الأربع سنوات الأولى بسجن الكويفية في قراءة تاريخ الفن التشكيلي، وأعلامه ومدارسه، كانت قراءته باللغة الإنجليزية أسهل وأفضل، كانت الجمل واضحة وبليغة وكانت الأعمال تشع تحت قناديل النصوص. كانت خطوط بيكاسو أكثر بلاغة من آلاف الصفحات وكانت دراما «كابيلا سستينا» الإلهية لمايكل أنجلو ملخصًا بليغًا لتاريخ الإنسان من آدم إلى القيامة، حتى الفن الباروكي ورغم الثراء كان مركزًا ولا زوائد فيه.

انطلاقة توقف
مسرحية «توقف» التي نالت جائزة «الملاك الذهبي» في مهرجان البحر المتوسط بإيطاليا بالطبع لم تنشر عنها الصحافة الليبية شيئًا في ذلك الوقت تتناول علاقة متوترة ومريضة بين جنرال معاق وعاجز جنسيًا وزوجته المتوقّدة الشرسة، كانت قصيرة ومختزلة ولا يزيد عرضها على 35 دقيقة من التوتر والصراع والهذيان أيضًا.

الإرث ونبوءة الراهن
الإرث مسرحية مختزلة أيضًا كتبتها عام 89 بعد خروجي من السجن مباشرة وأحداثها تجري الآن بكل أسف فالخارج من السجن يخرج صندوق جده القديم وطابوات الأرض والأحجبة والسكين بعد أن يراوح في بيته الذي بنته له زوجته التي انتظرته عشر سنين، يراوح بين شباك يطل على صحراء مغبرة قاحلة ولوحة «الحرية تقود الشعب» لديلاكروا «ليميل إلى شباك الصحراء ويتّهم الزوجة بالخيانة ويقتلها بالخنجر ويضرم النار في البيت الذي بنته ليرث مشاهدوه الريح والرماد».

مسرحيات البيت الواحد والمخرج بللو
كتبت أيضًا خمس مسرحيات قصيرة لا تزيد الواحدة على صفحة واحدة وهي «الحجاب» و«مطعم الفكر الدولي»، و«العروس والشيطان» و«الانسان» و«نازية» واعتبرها مسرحيات كاملة وأخرجها الشاعر احمد بللو في تجربة رائعة.

درس العلكة
«سراب الليل» أو «العلكة» روايتي الأولى قصيرة أيضًا وكان بإمكاني أن ألوكها لتكون ست روايات هي الحديقة والتمثال والعلكة والبطل والبطلة والأب، وربما أكثر ولكنها لوك مختصر ومركز عن عبث اللوك أو «التمضيغ» كما يقول الليبيون.

الإنجليز يمضغون جيدًا
ترجمت العلكة إلى الإنجليزية ودفع الناشر لي حقوقي المادية قبل النشر ولاقت بعد النشر صدى جيدًا في بريطانيا، وكتبت عنها مقالات احتفت بها كعمل مترجم بل واختيرت لتسافر في القطارات وتتسامر مع قراء آخرين.
الطريف أن هذه الرواية صدرت بالعربية عام 2008 ومنعت من قبل الرقابة في ذلك الوقت لملاحظات سياسية ومنعتها الرقابة الجديدة بحجة أن بها مشاهد إباحية.

السياسي المضغة
السياسة عند العرب مضغ لفلسطين والإسلام والعروبة والديمقراطية والاشتراكية أيضًا، والسياسيون يعلقون لافتات الجنة على الطرق المؤدية إلى الجحيم، لذا أسير دائمًا عكس لافتاتهم كما فعل باسترناك.

أساتذة علموني
أنا تلميذ للنيهوم ويوسف القويري وعبدالله القويري وإبراهيم الكوني وخديجة الجهمي وفناني الأكاكوس ومحاربي الريح والأمازونات الليبيات ولرضوان بوشويشة «حارس الجنة الضليل» ولأمي التي علمتني الكلام وأبي الذي علمني الضحك والضحك.

بن وليد ومصراتة
أنا مثقف ليبي ولدت في بن وليد وتعلّمت وتربيت في مصراتة ودرست في بنغازي وأحببت درناوية وتجوّلت في غالبية مدن وقرى وصحاري ليبيا وهي قارة من الحضارات وقبول الآخر.

مصراتة وبن وليد أهم الأمكنة التي شكّلت وجداني وعقلي تعلّقت بأمكنة بن وليد وآثارها قصورها ونحتها الليبي الخالص ومصراتة مدينتي التي جعلتني أرى ليبيا كلها وأرى العالم، مصراتة مدينة للثقافة أولاً رغم التجارة الظاهرة ربما تأسس وعي بليبيا عبر هذا المزيج بين مصراتة وبن وليد، بين البحر والصحراء، بين القديم والجديد ولن يصل الليبيون إلى التفاهم والتصالح إلا بالوصول إلى فكرة التكامل بدل الصراع وحاجتنا لبعضنا البعض.
رغم الحصار الليبي اجترح دروبه

عانى الليبيون حصارًا ثقافيًا عربيًا ورغم ذلك يشق الليبيون طريقهم إلى المتلقي الأوروبي، وسينتبه لهم العرب أثر ذلك وعلى الليبيين أن يسعوا لنشر إنتاجهم عربيًا بالمعارض والندوات والنشر المدروس وكل ذلك بحاجة لدعم من مؤسسات الدولة.

مكونات أثرت ليبيتنا
مكوّنات الأمازيغ والطوارق والتبو والكريت تشكل إثراءً للثقافة في ليبيا يكفي ما قدّمه الكوني دليلاً نعم مرة وفي ندوة عن كتاب «سفر العرب الأمازيغ» للدكتور خشيم قلت لماذا لا يغني الأمازيغ بلهجتهم ويمثلون ويكتبون بها، لماذا نمنعهم؟ فاتهمت في الندوة بالانفصالية والتفتيت كان ذلك في القبة الفلكية وبحضور بعض المثقفين الأمازيغ ومرة في بنغازي دافعت عن الراحل سعيد المحروق بعد أن اتهمه أحد الأدباء بالانفصالية الأمازيغية وتعرضت في نفس اللحظة لهجوم حاد من مثقفين بكل أسف كل ذلك لإيماني بأهمية هذه الثقافة لأنها جذوري.

مبدعونا بلغة الآخر
تجربة خالد مطاوع وهشام مطر وعلي حميدة أعطتنا ثقة بالنفس بالخيال الليبي وشكلت إثراءً لنا، لقد قرأتهم بالإنجليزية واستمتعت بنصوصهم وخالد شاعر كبير، قبلهم قرأت أشعار الراحل الكعبازي، بالإيطالية وترجمت بعضها وكانت اكتشافًا مذهلاً.

رموز ليبية سترفعنا
بالنسبة لي لوحات الأكاكوس المومياء الليبية عربة الجرمنت معبد سلنطة منحوتات قرزة جامعة الدوكالي بمسلاته سيدي عبدالسلام الأسمر أكثر المثقفين الليبيين تأثيرًا في العالم رموز تجعل ليبيا لو أدركنا من أهم مراكز الحضارة الإنسانية.