«الليبي للدراسات الثقافية» ينظم محاضرة عن دلالة النقش

صالح قادربوه (بوابة الوسط)

نظم المركز الليبي للدراسات الثقافية، الإثنين، بدار الفقيه حسن، محاضرة بعنوان «دلالة النقش»، تناولت الأبعاد الثقافية والدينية وما يتعلق بالطقس الاجتماعي المبثوث في النقوش والرسوم والمنحوتات الصخرية للآثار الليبية، وكذا أهمية ما تشكله من إضافة أثيرة من المنظور الأنثروبولوجي.

وألقى الشاعر صالح قادربوه مدير المركز ورقة للدكتور محمد الصغير غانم من الجزائر بعنوان «النقوش الليبية في شمال أفريقيا» تطرق خلالها إلى المصطلح الذي اشتقت منه التسمية، وكذلك الرقعة الجغرافية المشمول داخلها، والإطار التاريخي التقريبي الذي يمكن أن يكون قد ظهرت فيه في شكلها الأول، والوظيفة التي أُنشئت من أجلها.

مصادر ملهمة
وأشار الصغير إلى أن الرموز الكتابية الليبية من المصادر المهمة التي لا يمكن الاستغناء عنها لدراسة فترة التاريخ القديم، غير أن الوصول لفك رموزها ما زال يتعثر إلى يومنا هذا، رغم ما يربو على ثلاثة قرون من المحاولات الأولى العائدة إلى سنة 1631على يد الرحالة داكروس.

وتوقف الباحث عند أسماء قناصلة وضباط إنجليز وفرنسيين قاموا بجمع النقوش الليبية، ثم تولى الباحث الفرنسي شابو وضعها في مجلد سنة 1940، يحوي 1120 نقشا ليبيا التقطت غالبيتها من الشرق الجزائري وشمال غربي تونس.

وعرف بمجهود العالم الفرنسي دوصولسي أول من انكبّ على دراسة نقش «دوجا»، وقد انطلق من مقارنة أسماء الأعلام الواردة في النصبين الليبي والبوني وبالتالي توصل إلى أبجدية تكاد تكون تامة، وذكر أيضا ما أنجزه كل من الطبيب جوداس وهالفي وجورج مارس.

ويبدو من النقوش التعبدية التي تحملها النصب بحسب رأي الباحث، الدلالة على أن العمل بالكتابة الليبية قد استمر في الميادين غير الرسمية، خصوصا في الكتابة الجنائزية على الشواهد القبرية والنصب التذكارية حتى انتشار الديانة المسيحية في بعض مناطق شمال أفريقيا، فحلت بذلك الكتابة اللاتينية على الليبية لتقوم بنفس الوظيفة العقدية.

حضارة مجهولة
وأوضح الكاتب منصور بوشناف في مداخلة له وجوب التركيز على النقوش بالتحليل والدراسة لوجودها الفاعل في منظومتنا الثقافية والاجتماعية، وعلق بالقول :«للأسف الطلاب وأساتذة الجامعات يتجهون إلى تاريخ الحضارة اليونانية والرومانية بينما ترقد بجانبهم حضارتهم الأم التي تعتبر مهمة ولا زالت مجهولة بالنسبة للعالم، لا يلتفتون إليها بحجة غياب المراجع وعدم القدرة على إجراء حفريات».

وأضاف أن الإيطاليين والفرنسيين والألمان قاموا بمسح شامل للآثار الليبية، وخصوصا الإيطاليين الذين وثقوا في عشرينيات القرن الماضي جزءً كبيرا من الأثر الحضاري، إلا أنهم همشوا ما يتعلق بالجانب المحلي بحثا عن الأدلة التي تعزز تاريخية تواجدهم في هذا البلد.

ولفت الانتباه إلى أن الحضارة الوحيدة التي تفاعلت مع نظيرتها الليبية بشكل إيجابي هي الفينيقية لتكون مزيجا عرف بالبونيقية، وكذا نجد الأثر الفينيقي في الحروف الأبجدية والنحت الليبي، وشدد على ضرورة أن نلتفت كليبيين وتونسيين وجزائريين ومغاربة وحتى المصريين إلى حد كبير إلى موروثنا وأن نفكك رموز وحروف هذه اللغة.

واستغرب بوشناف خروج التسمية الأمازيغية، مؤكدا أنه لا وجود لهذه التسمية تاريخيا وما هو موثق اسم اللغة الليبية القديمة وهو ما تذكره جل المراجع الأوروبية من الأوديسة إلى الإلياذة إلى ما دونه هيرودوت.

وسم الإبل
وتطرق الباحث محمد علي العبدلي إلى فن وسم الإبل، وهو علامات ذات أشكال هندسية تنقسم إلى ثلاث مجموعات الأولى تعني بـ«الدائرة والمثلث والحلقة والخط المائل والمستقيم» والثانية بالحروف الأبجدية وتنتهي الثالثة بالأسماء.

وأضاف أن الوسم وُجد لوظيفة اقتصادية وهي حفظ الممتلكات أي لتمييز الإبل بحكم تشابهها بين العائلات والقبائل والمناطق، مشيرا إلى أن أقدم وجود له بليبيا كان لبقرة بثلاثة خطوط على خدها توثقها جبال تاسيلي ترجع إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد.

وألمح العبدلي إلى أن الوسم له دلالة دينية وسياسية واجتماعية، وكثير منها موروثة من العصر الجاهلي، بحسب ما ذكره الأصمعي في مؤلفه «الإبل» وكتاب «العين» للفراهيدي، وفي ليبيا نجد ذات العلامات قد انتقلت بشكلها واسمها من عرب الجاهلية إلى وقتنا الحاضر.

وعلى مستوى الرموز أوضح أن الطوارق مثلا يستخدمون حروف التيفيناغ لتمييز الإبل، وأخرى ذات دلالة لدى العرب مثل الميم الممدودة بالألف نسبة إلى زاوية أبي ماضي، وبعضها إشارة لأولياء صالحين.

وبين أن أبحاثه ودراسته بالخصوص قادته إلى نتيجة مفادها لأن أول ظهور لنظام الماركات التجارية في ليبيا كان منشأه وسم الإبل، ويأتي في السياق ما يضعه أهالي غدامس على البضائع والغرائر وأدواتهم اليومية من الخناجر والسيوف والخواتم وحلي النساء، كذلك المخطوطات والمعاهدات بين شيوخ القبائل، وامتد هذا الأثر الثقافي حتى وقتنا الحالي، حتى أن آخر رئيس وزراء في عهد معمر القذافي وهو البغدادي المحمودي كان يوقع جميع قرارات الدولة الليبية بعلامة وسم الإبل لقبيلة خويلد.

تراجع جغرافي
وتوقف الباحث حسين المزداوي عند الاسم الجغرافي لليبيا وكيف كان يتقلص باستمرار والذي امتد سابقا من غرب مصر حتى المحيط الأطلسي حسب ما ذكره «هيرودوت» ثم تراجع مع الحروب والحملات الاستعمارية، وارتباط ذلك بمسألة اكتشاف النقوش ونسبتها إلى هذا البلد أو ذاك، مشددا على ضرورة الوقوف على حمايتها من الاندثار والتخريب.

وفيما نبه الفنان التشكيلي أحمد الغماري إلى عدم إغفال أهمية الوشم وارتداداته الطقسية المتعلقة بالعادات والتقاليد خصوصا على أجساد النساء تحدث الروائي إبراهيم الإمام عن الرموز وما تشغله من حيز رئيس في البيت الغدامسي، حيث تكتسب الفتيات في مراحل مبكرة من أعمارهن فن التطريز المطعم بالنقوش والرسوم كدلالة تاريخية وفنية لرسوخ هذا الأثر، وأورد بالخصوص ما ضمنته الباحثة سعدية بن يونس في كتابها «فن الزنجفور» تناولت فيه الأسلوب وطريقة الرسم ودلالاته، وما جاء في كتابه «المثلث» إذ يعد هذا الشكل الهندسي الأكثر شيوعا في غدامس وارتباطه بالآلهة والملوك الذين حكموا المدينة.

منصور بوشناف (بوابة الوسط)
حسين المزداوي (بوابة الوسط)
إبراهيم الإمام (بوابة الوسط)
أحمد الغماري (بوابة الوسط)
محمد العبدلي (بوابة الوسط)
جانب من الحضور (بوابة الوسط)
جانب من الحضور (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط